قرارات "الكابنيت" تمنح مجالس المستوطنات صلاحيات واسعة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين
الغد-نادية سعد الدين
أصدرت سلطات الاحتلال أمس سلسلة قرارات "قانونية" وإدارية تتضمن توسعًا استيطانيًا غير مسبوق و"شرعنة" الضم المؤسساتي، مما يؤدي إلى إحداث تحول جذري في الضفة الغربية وإنهاء مرحلة اتفاق "أوسلو" بشكل نهائي بالنسبة للكيان المُحتل.
تمثل القرارات التي أصدرها "مجلس الحرب"، أو ما يُعرف بالمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابنيت"، انتقالًا واضحًا من سياسات فرض الأمر الواقع إلى ضم فعلي ومؤسساتي وقانوني شامل للضفة الغربية.
وبتلك الخطوة، يكون الاحتلال قد أعاد صياغة الواقع القانوني والإداري في الضفة الغربية، عبر سلسلة قرارات تتجاوز التوسع الاستيطاني نحو نقل عملية "الضم" من ممارسات ميدانية إلى مستوى مؤسساتي وقانوني شامل. وفي ظل هذا التحول، بات الفلسطينيون في المدن الكبرى المصنفة (أ) مهددين بعمليات الهدم والمصادرة بدون وجود أي مرجعية قانونية وطنية تحميهم، إذ لا تكتفي قرارات الاحتلال بتغيير معالم الأرض الفلسطينية المحتلة، بل تستهدف ترسيخ السيادة بحكم الأمر الواقع عبر تغيير أنظمة الملكية والبناء وفتح المجال أمام الهدم على نطاق واسع، ومنح مجالس المستوطنات صلاحيات واسعة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ويرى مراقبون أن سلطات الاحتلال تسعى لترسيخ سيادتها وتواجدها كمرجعية قانونية وحيدة فوق الأرض الفلسطينية المحتلة، وبدأت في إلغاء المكانة القانونية للضفة الغربية كأرض محتلة وفق القانون الدولي، حيث يتم التعامل مع المنطقة حاليًا تحت مسمى "يهودا والسامرة" (الاسم التوراتي للضفة الغربية)، مع إخضاعها المباشر للقوانين واللوائح المدنية التابعة للاحتلال.
وتكمن الخطورة الكبرى في إنهاء السلطة القانونية للسلطة الفلسطينية على المناطق المصنفة (أ) و(ب)، والتي كانت تتمتع فيها بصلاحيات إدارية وأمنية، حيث تؤدي القرارات الجديدة إلى إعادة إدارة العقارات والبنية التحتية في هذه المناطق إلى سيطرة الاحتلال المباشرة، مما يعني إلغاء إتفاق "أوسلو".
وفيما يتعلق بملكية الأراضي، فإن نقل صلاحيات "الطابو" وتسجيل العقارات إلى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال يفتح الباب أمام شرعنة الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين، حيث تسمح القوانين الجديدة بانتقال ملكية الأراضي للمستوطنين حتى داخل المناطق الحضرية المكتظة التي كانت تعتبر بعيدة عن الاستهداف.
وبإشراف الوزير المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" على ما يسمى جهاز "الإدارة المدنية"، فقد تحولت من جهاز تنفيذي محدود إلى سلطة سيادية شاملة، حيث بات بإمكانه التدخل في كافة التفاصيل الحياتية للفلسطينيين بذريعة حماية البيئة أو الآثار أو المتطلبات الأمنية.
وتبرز مدينة الخليل ومنطقة قبة راحيل في بيت لحم كبؤرتي خطر أساسيتين ضمن هذا المخطط الجديد، حيث تسعى سلطات الاحتلال لفرض سلطة بلدية للمستوطنين هناك، بينما شملت الخطوات الميدانية سحب صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل، وتسليمها بشكل كامل للإدارة المدنية التابعة للاحتلال.
من جانبها، اعتبرت محافظة القدس أن سلسلة القرارات الإجرامية، الأخطر منذ عام 1967، تمثل محاولة الاحتلال لفرض أمر واقع استعماري جديد عبر الاستيطان، وتغيير المكانة القانونية للأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها مدينة القدس، وتهدف إلى فرض نظام فصل عنصري (أبرتهايد) بقوة السلاح والقوانين الباطلة.
بدورها، اعتبرت الرئاسة الفلسطينية أن القرارات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، واستمراراً للحرب الشاملة التي تشنها حكومة الاحتلال على الشعب الفلسطيني، وتصعيداً غير مسبوق يستهدف الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية والتاريخية على كامل الأرض الفلسطينية خاصة في الضفة الغربية المحتلة.
وقالت الرئاسة الفلسطينية، في تصريح أمس، إن قرارات الاحتلال تمثل تنفيذاً عملياً لمخططات الضم والتهجير، ومحاولة "شرعنة" الاستيطان ونهب الأراضي، وهدم ممتلكات الفلسطينيين، حتى في المناطق الخاضعة للسيادة الفلسطينية، محذرة من خطورة المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية.
وأكدت أن القرارات غير شرعية وغير قانونية وباطلة ولاغية، ولن يترتب عليها أي أثر قانوني، ولن تمنح الاحتلال شرعية على أرض ليست له، مؤكدة أن الشعب الفلسطيني سيواصل نضاله دفاعًا عن أرضه وحقوقه ومقدساته، ولن يسمح بتمرير مخططات الضم والاستيطان.
ودعت المجتمع الدولي، وفي مقدمته مجلس الأمن وخاصة الإدارة الأميركية، إلى التدخل الفوري والتحرك الجاد لوقف قرارات الاحتلال الخطيرة التي تهدد الجهود الدولية الرامية لتهدئة الأوضاع ووقف التصعيد في المنطقة.
وبالمثل؛ أكدت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية رفضها لمصادقة "الكابنيت" على سلسلة قرارات ذات طابع إجرامي وتستهدف فرض الأمر الواقع من خلال الاستيطان الاستعماري وتغيير الواقع القانوني ومكانة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.
وشددت "الخارجية الفلسطينية" على أنه "لا سيادة للاحتلال على أي من مدن أو أراضي دولة فلسطين المحتلة، كما لا يملك الحق في إلغاء أو تعديل القوانين، بما فيها القوانين والتشريعات الأردنية السارية كجزء من قوانين دولة فلسطين."
وأكدت أن المصادقة بمثابة إعلان ارتكاب جريمة حرب متكاملة الأركان، مطالبة المجتمع الدولي برفض وإدانة الجريمة، وفتح تحقيق جنائي بجريمة الحرب التي ترتكبها ما يسمى "مديرية الاستيطان" والجهات الرسمية التابعة للاحتلال.
وأشارت إلى أن القرارات بمثابة ضم فعلي للأرض الفلسطينية، بما يخالف رؤية الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" ورفضه للضم والاستيطان، داعية للتدخل الدولي والضغط على الاحتلال لجهة التراجع عن القرارات الأخيرة التي تزعزع الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.