عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jul-2022

تواصل اجتماعي..!* علاء الدين أبو زينة

 الغد

شجع الحظر الذي رافق كورونا نوعاً من التجارة الإلكترونية القائمة على «التوصيل». وتجد الآن على «فيسبوك» إعلانات عن مختلف أنواع السلع والخدمات التي يوصلونها إليك في المكان الذي تحدده- بعضها من متاجر حقيقية وأخرى من افتراضية. وأصبحت هذه الوسيلة خياراً للاتجار من دون فتح محل وتتيح نوعاً من المنافسة في السعر. وهذا موضع شكوى من أصحاب المحلات الحقيقية الذين يدفعون كلفاً كثيرة إضافية– ولو أن بعضهم أضافوا خيار البيع الإلكتروني أيضاً إلى تسويقهم. لكن هذا مجال آخر.
الذي أعرضه هنا ظاهرة سلوكية متعلقة بتفاعل المستخدِمين مع إعلانات البيع الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي. وهي تتكرر مع كل إعلان تقريباً، ولا تُقتصر على مستخدمَين أو ثلاثة، وإنما يمارسها العشرات، وأكثر.
يُعلن أحدٌ، مثلاً، عن توفر سراويل رياضية. ويكتب في الإعلان، مرفقاً بصور مفصلة: «لدينا سراويل رياضية بألوان مختلفة كما في الصور المرفقة. المقاسات المتوفرة كذا وكذا وكذا وكذا. صناعة كذا، 20 % قطن و80 % بوليستر. سعر القطعة الواحدة 8 دنانير، والقطعتين 15 ديناراً، والثلاث قطع 22 ديناراً. أجرة التوصيل في عمان دينار واحد، وفي باقي المحافظات ثلاثة دنانير. محلنا في منطقة كذا، شارع كذا، عمارة رقم كذا. طلبات التوصيل على الموقع المرفق أو الاتصال بالهاتف المرفق».
يحتوى هذا الإعلان بوضوح على كل المعلومات التي تهم المستهلك. وما عليه، إذا ما أعجبته السلعة، سوى التواصل عن طريق الموقع أو الهاتف. ولكن، انظر إلى التعليقات بالعشرات التي تُكتب تحت الإعلان، التي ربما يجيب بعض المعلنين طوال البال عن كل سؤال منها على حدة عشرات المرات بخاصية الرد replay أو يشير إلى أنه أجاب عنها «على الخاص». وستجد الأسئلة التي تتكرر تحت هذا الإعلان وأشباهه دائماً كما يلي:
«كم السعر لو سمحت»؟ «ما المقاسات المتوفرة لو سمحت»؟ «هل تتوفر المقاسات الكبيرة»؟ «هل يوجد لون أحمر»؟ «أين محلكم لو سمحت»؟ «صناعة وين لو سمحت»؟ «أريد واحد أحمر وواحد أبيض» (من دون تحديد المقاس غالباً –البعض يضع رقم هاتفه). و»كم سعر أربعة»؟ و»كم أجرة التوصيل للمفرق»؟ وهكذا.
إذا لم يُجب المحل عن كل من هذه الأسئلة بالرد الصريح بخاصية الرد تحت التعليق (لا يكفي الرد على الخاص)، ستجد من يوبخه: «يا أخي، الله أكبر، جاوب علينا لو سمحت»! ودائماً العبارة المهذبة «لو سمحت» لتدل على احترام السائل لصاحب الإعلان وعدم نية مضايقته. ولا ندري من أين تأتي «طولة البال» لبعض المعلنين لمواصلة الرد.
لماذا هذه الأسئلة عن معلومات واردة كلها في الإعلان القصير؟ وبطبيعة الحال، يضع السائلون استفساراتهم مع أسمائهم الصريحة، ولا يعبأون بما إذا كان أحد سيستسخفهم ويستغبيهم على قصة «إبريق الزيت» التي يصرفون فيها وقتهم. من المؤكد أن «إيضاح الواضحات من الفاضحات»، ومَن تقول له «كذا بسعر كذا» ويسألكَ: كم السعر لو سمحت؟ إما سخيف أو غبي، أو يحاول أن يبدو ظريفاً بغير ظرافة. ولكن، مَن يهتم بعرض مثل هذا الانطباع عن نفسه؟
الذين يعلقون يقرأون، بدليل أنهم يكتبون، وقد قرأوا ووعوا كل شيء، لكن لديهم على ما يبدو الكثير من الوقت الفائض الذي يريدون أن يصرفوه في أي شيء، حتى العبث بصاحب الإعلان. وفي الحقيقة، يندرج هذا المظهر ضمن سياق طاغٍ من المشاركات والتعليقات في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا هي مزاح يُضحِك ولا جد يفيد، ولا فيها فكرة ولا اقتراح –سوى أن صاحبها يشتغل بالناس ولا يهمه عرض خوائه على رؤوس الأشهاد.
أتساءل عما إذا كان الناس قد مارسوا هذه الهواية واقعياً قبل التجارة الإلكترونية والمخازن الافتراضية؛ عما إذا كان أحدهم قد صرف وقته وهو يتجول على محلات الملابس، وجعل البائع يُنزل نصف ما على الرفوف، وساوم ولم يشتر. لو كان مثل هؤلاء موجودين في تلك الأوقات الأكثر جدية وامتلاء، لكانوا قليلين غالباً. لكن التقنية سهلت الأشياء. سوف تكتب من على مقعدك أو في سريرك ما تضايق به غيرك أو تتحرش به، أو تتظارف عليه، بلا تعب. ولفرط العبث في مواقع التواصل، سيضيع التشوه الشخصي الذي يعبر عنه البعض في بحر التشوهات. إنه الفراغ –وإنما الذي لا يعلِّم التطريز!