عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Feb-2026

تجريد الولايات المتحدة من استضافة كأس العالم سيكون محزنا –ومبررا تماما

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ألكسندر أبنوس – (الغارديان) 27/1/2026
 
إن بلدًا تتعرض فيه السلامة العامة للتهديد بسبب العنف الفيدرالي في الشوارع لا يصلح لاستضافة الحدث الأبرز في عالم كرة القدم.
 
 
سوف يكون سحب استضافة كأس العالم 2026 من الولايات المتحدة –بصفتها شريكًا في التنظيم– حدَثًا مؤلمًا لجميع الأميركيين تقريبًا. إنه يعني حرمان المشجعين من فرصة مشاهدة ذروة اللعبة في مدنهم أو في أماكن قريبة منهم. وسوف تفقد المدن، وكذلك الأعمال التجارية الصغيرة والكبيرة على حد سواء، المكاسب المالية التي بنت عليها الآمال. وسيكون ذلك كابوسًا لوجستيًا وسياسيًا على نطاق دولي، من نوع لم يَشهد له عالم الرياضة مثيلًا من قبل. سيكون ذلك محزنًا للغاية. لكنه سيكون، في الوقت نفسه، مبرَّرًا تمامًا.
لا يجلب لي قول هذا أي متعة، ولا أقوله من موقع الشماتة. كانت الولايات المتحدة متحمسة لاستضافة نهائيات كأس العالم للرجال لأكثر من عقد ونصف العقد. ولم يخفت هذا الطموح، بل ازداد بعد فشلها في العام 2010 في التفوق على روسيا وقطر على التوالي – في العلن وخلف الأبواب المغلقة– للفوز باستضافة نسختي 2018 و2022. ومع تأمين حقوق استضافة نسخة العام 2026 لاحقًا بالشراكة مع كندا والمكسيك، استعدّ مشهد كرة القدم الأميركية لعرض نفسه أمام العالم، باعتبار أن اللعبة أصبحت جزءًا من نسيج الأمة، بعد 32 عامًا من استضافة البطولة للمرة الأولى في العام 1994. وقد أسهمت الشعبية المتزايدة لكرة القدم في الولايات المتحدة في إلهام رياضات أميركية أخرى لتجربة صيغ جديدة، وشجّعتنا على الانخراط بصورة أعمق مع العالم في سياق رياضي، وكانت في صميم النقاشات المتعلقة بمجتمعنا وثقافتنا. وكان يُنظر إلى استضافة نهائيات كأس العالم 2026 على أنها الفرصة المثلى -لا ليختبر العالم مدى تحسّن الولايات المتحدة في كرة القدم فحسب، بل ليرى أيضًا مقدار التحسين الذي أضفته كرة القدم على الولاياتَ المتحدة.
ولم أكن محصنًا من هذه النظرة المتفائلة -وربما الساذجة بعض الشيء. فقد بُني جزء كبير من مسيرتي المهنية في تغطية كرة القدم الأميركية على فكرة أن هذه الرياضة ستواصل نموها في الولايات المتحدة. وتحتل نهائيات كأس العالم 2026 موقعًا محوريًا في هذا الأمل. ويمكنني أن أعترف بأن لي مصلحة شخصية في نجاح هذه البطولة. فبوصفي مشجعًا منذ الصغر، كان وصول كأس العالم إلى هنا حلمًا تحقق. وبوصفي محترفًا، كنت آمل أن تُنتج البطولة ملايين المشجعين الجدد لكرة القدم في أميركا الشمالية، ممن سيرغبون في القراءة والمشاهدة والاستماع إلى الصحافة المتخصصة بهذه اللعبة طوال ما تبقى من حياتهم.
ربما كنتُ ساذجًا. قد تُنتج البطولة بعضًا من هؤلاء المشجعين فعلًا، ولكن بأي ثمن؟ لقد أقصت أسعار التذاكر الباهظة القاعدة الشعبية للعبة. والمتطلبات المرهِقة المفروضة على المدن استنزفت الأموال العامة. وقد دعم "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا)، في كل منعطف إدارةً فاسدة بطريقة مكشوفة. والآن، جعل العنف الفيدرالي المنفلت من العقال من الصعب تبرير استضافة كأس العالم هنا من الأساس. فقد أصبحت السلامة، والعدالة، والحرية، واستمرار عمل المجتمع -كلها  مهدَّدة. وحتى لدى الكثير من مشجعي كرة القدم في الولايات المتحدة، أصبحت اللعبة التي وُصفت يومًا بأنها "أهم الأشياء غير المهمة" تبدو وكأنها لم تعد مهمة على الإطلاق.
في الأسابيع الثلاثة الماضية، قتلت عناصر فيدرالية شخصين بريئين في مينيابوليس. ولم يكن أيٌّ منهما يشكّل تهديدًا للقوات شبه العسكرية التي أطلقت النار عليهما. ونحن نعرف ذلك لأننا شاهدنا هذه الوقائع تتكرر، في فيديو صادم بعد آخر، من زوايا متعددة، والتي جرى إبطاء عرضها وإعادة تركيزها وتحليلها. ومع ذلك، يريد منا أعلى المسؤولين الحكوميين أن نصدق أن ريني غود وأليكس بريتي كانا "إرهابيين محليين"، وأنهما -في الحقيقة- كانا هما المعتديَين، في تناقض صارخ مع جبل الأدلة المتاحة. ومن المعقول افتراض أن الذين يتجاهلون حقيقة بهذا الوضوح لا يمكن الوثوق بهم أيضًا لاستضافة كأس عالم آمن ومأمون.
ثم هناك الصورة الأوسع. توفي اثنان وثلاثون شخصًا أثناء احتجازهم لدى "هيئة الهجرة والجمارك الأميركية" (ICE) في العام 2025 وحده. وتفيد "ذا ترايس" -وهي غرفة أخبار غير ربحية متخصصة في تتبّع العنف المسلح في الولايات المتحدة- بأن ضباط الهجرة أطلقوا النار على أشخاص 19 مرة منذ بدء الحملة، وهي أرقام تفترض غرفة الأخبار نفسها أنها أقل من الواقع. وتشمل هذه الحوادث ثلاث عمليات قتل في العام 2025، والتي ارتفع عددها الآن إلى ما لا يقل عن خمس بعد وفيات مينيسوتا. وقد أسفرت حملة دونالد ترامب على الهجرة عن احتجاز عدد أكبر من الأشخاص الذين لا يملكون أي سجل إجرامي مقارنة بأي فئة أخرى، على الرغم من هدفها المعلن المتمثل في "تخليص" البلاد من المجرمين، والادعاءات بتحقيق نجاحات في ذلك. كما أن المداهمات التي نتج عنها كل هذا استهدفت إلى حد كبير مناطق حضرية تميل إلى التصويت للديمقراطيين -وهي الفئة التي تنتمي إليها 10 من أصل 11 مدينة أميركية مستضيفة لكأس العالم (مع كون منطقة دالاس الحضرية الاستثناء الوحيد). ومع ذلك، قال رئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، العام الماضي أن "أهم رسالة يمكن لكرة القدم أن تنقلها في الوقت الراهن هي رسالة السلام والوحدة".
كيف يمكن لكرة القدم أن تنقل رسالة السلام والوحدة عندما تُقام أبرز مناسباتها في بلد تقوده إدارة عازمة على تعميق الانقسام؟ بلد أقدَم على احتجاز رئيس دولة أجنبي، في ما قد يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي؟ بلد هدّد ما يُفترض أنهم حلفاؤه باستخدام القوة العسكرية للسيطرة على إقليمٍ أجنبي؟ بلد دخل في صراعات لا تبدو لها نهاية، بما فيها صراعات مع شركائه في استضافة نهائيات كأس العالم نفسها -مع البلدان التي يُفترض فيه أن يقف إلى جانبها وأن يرحّب معها بجماهير كرة القدم القادمة من أنحاء العالم؟
هل هذه أفعال دولة آمنة، مستعدّة للتعامل مع تدفّقٍ كثيف للزوّار الأجانب؟ وهل هذا هو المكان الذي يمكن توقّع أن يرغب فيه أي شخص بإنفاق آلاف الدولارات على زيارته، حتى قبل أن يدفع ثمن حضور المباريات نفسها؟ لا أكاد أصدق أنني على وشك قول هذا، لكنني أجد نفسي متعاطفًا مع سيب بلاتر في هذه النقطة.
من أجل ما ذُكر طُرحت نقاشات حول شكلٍ من أشكال المقاطعة؛ مجرد همهمة خافتة، لا أكثر. وإذا ما تولدت قناعة بذلك فعلًا على نطاقٍ واسع بين عدد كافٍ من الدول، فقد يُجبر ذلك "فيفا" على التحرّك. لكنّ هذا السيناريو، على الرغم من وجاهته، يبقى صعبًا حتى على التخيُّل. ليست استضافة كأس العالم في دول استبدادية أو مدمِّرة شيئًا جديدًا. والمقاطعة تعني خسائر مالية، وجدولًا زمنيًا يكاد يستحيل إعادة ترتيبه. كما أن ثمة شعورًا راسخًا في أعلى هرم كرة القدم بأنه مهما كانت طبيعة الحكومة التي تتودّد إليها "فيفا"، فإن اللعبة نفسها ستخرج سالمة.
في العام الماضي، قال رئيس اتحاد الكونكاكاف، فيكتور مونتالياني، في مؤتمر: "مع كامل الاحترام لقادة العالم الحاليين، فإن كرة القدم أكبر منهم. كرة القدم ستبقى بعد زوال أنظمتهم وحكوماتهم وشعاراتهم".
لكنّ ما يحدث في الوقت الراهن هو أن الحدث الأهم في عالم كرة القدم يخضع -ولو جزئيًا- لسيطرة هذه الإدارة. وكان ترامب نفسه قد قال العام الماضي أنه إذا ما اعتُبرت مدنٌ ما خطرة للغاية أو غير صالحة للاستضافة، "فسننقل الحدث إلى مكانٍ يحظى فيه بالتقدير ويكون آمنًا".
بطبيعة الحال، كان ترامب يقصد نقل مباريات كأس العالم إلى مدن أميركية أخرى. ولكن سيكون من الصعب الاعتراض لو جرى نقل نهائيًا كأس العالم إلى خارج الولايات المتحدة بالكامل.
*ألكسندر أبنوس Alexander Abnos: صحفي أميركي يعمل ككبير المحررين في قسم الرياضة بصحيفة "الغارديان". يتركز عمله في التغطية والتحليل حول كرة القدم (السوكِر) في الولايات المتحدة، حيث يشرف على المحتوى التحريري المتعلق بالمباريات والبطولات والتطورات الرياضية. وقد شغل سابقاً مناصب تحريرية في "ذا أثليتيك"، ويقيم في بروكلين، نيويورك.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Removing the US as World Cup host would be eminently sad – and entirely justified