عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Mar-2026

ظل العمامة الثقيلة*رمزي الغزوي

 الدستور

أن تكون شمسا، فأنت تضيء ثم تغيب. أما أن تصبح ظلا ثقيلا على أمة، فذلك حمل لا ترفعه السنوات بسهولة. علي خامنئي المرشد الأعلى في إيران لم يدخل المشهد من بوابة المجد، بل شق طريقه من أزقة مشهد حاملا في صدره قلق الفقيه، وبيده كتاب الثورة.
 
   لم يكن الأكثر علما بين رجال الدين بعد خميني، لكنه قرأ النصوص بطريقة منحته سلطة مختلفة. فهم مبكرا أن العمامة ليست رمزا فقط، بقدر ما هي مفتاح للنفوذ إذا ارتبطت بجهاز أمن وولاء لا يتبدد. لم يحتج إلى ضجيج أو صراخ، فصوته الهادئ كان كافيا ليخترق الجدران.
 
نشأ في بيت فقير خبزه شحيح. وقد كتب عن الجوع الذي رافقه في طفولته، وعن الأيام التي لم يكن فيها الطعام يكفي أفراد العائلة. وبعد عقود، صار الزاهد الذي يحكم واحدة من أغنى دول الشرق بثروات لم تصل إلى فقراء الأمس.
 
من بين قراءاته لتولستوي، وشغفه بسيد قطب، وكتاباته عن الإيمان والثورة، صنع لنفسه شخصية معقدة. حوّل الدولة إلى منظومة عقائدية تصنع ميليشيات تقود صراعات بالوكالة، من غزة إلى بيروت ودمشق وبغداد إلى صنعاء، دون أن يغادر موقعه.
 
في قاعة استقبال بسيطة، تراه بثبات يشبه النصب. يده اليمنى لم تعد تتحرك، لكنها لا تزال ترتفع في الصور كإشارة لا تخطئها العدسات. ملامحه لا تتغير، والخواتم في أصابعه غدت رمزا لسلطة لا ترتخي.
 
منذ عام 1989، أحاط نفسه بجدار من المخلصين. الحرس الثوري تولى الأمن، والدوائر المغلقة حفظت الأسرار. لم يكن محبوبا كما كان سلفه، لكنه سيطر على مفاصل الحكم بإحكام لم يترك مجالا للخصوم.
 
تتراجع العواصم التي كان يراهن عليها في الخارج. من دمشق التي انقلب ولاؤها عداء، إلى بيروت المثخنة وبغداد الحائرة، وصنعاء الغائبة عن الوقت. أما هو، فظل في مكانه، يشهر سبابته، ويحذر الشيطان الأكبر، ويعد بانتصار قريب.
 
لكن في الداخل، تغير المزاج رغم القمع والقبضة الحديدة. الناس تعبوا من الخطب، والوعود لم تعد تقنع. الاحتجاجات تصاعدت، والهمسات تكبر، والصمت صار لغة عامة. كل شيء يشير إلى أن الجمهورية تغيرت، لكنها لم تجرؤ بعد على قول ذلك.
 
لم يعد قادرا على المغادرة، وإيران لم تعد قادرة على تجاوزه. ظل العمامة بات سقفا فوق رؤوس الجميع، لا يمنح ظلا ولا يسمح للشمس بالعبور.
 
  قبل فترة  قال الكاتب كريم سجادبور من مؤسسة «كارنيغي للسلام الدولي»، إن «صدفة تاريخية حولت رئيساً ضعيفاً إلى زعيم أعلى ضعيف في البداية ثم إلى أحد أقوى خمسة إيرانيين في الـ100 عام الماضية»، وكل ذلك قبل مقتله بغارة إسرائيلية صباح السبت الماضي في طهران.