عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Feb-2026

دبلوماسية أردنية تسهم بتوسيع الرفض الدولي لممارسات الاحتلال بالضفة

 الغد-إيمان الفارس

 يشكل توسع الحراك العربي–الإسلامي–الأوروبي، الرافض لتوسعات الاحتلال في الضفة الغربية، تحولا نوعيا في ديناميات عدوان كيان الاحتلال الصهيوني، فهو لا يقتصر على بيانات سياسية رمزية، بل يعكس لحظة إعادة ضبط في ميزان الشرعية الدولية، ويؤكد هشاشة المسار الاستيطاني للاحتلال على الأرض، ويبرز أدوات الضغط القانونية والاقتصادية والأمنية المتاحة للمجتمع الدولي. ووفق تأكيدات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، في تصريحات لـ"الغد"، فإن الحراك يشير إلى أن الملف الفلسطيني بات قضية أمنية إقليمية ودولية، وأن استمرار السياسات الأحادية سيزيد المخاطر الإستراتيجية، بينما أي استجابة مدروسة يمكن أن تعبد فتح نافذة لحل قائم على القانون والواقع الجغرافي والسياسي.
 
 
 
 وبشأن مآلات هذا الحراك، أوضحوا أنها تسير في مسارات متوازية؛ أولها تصعيد قانوني دولي عبر التحركات أمام المحاكم الدولية، وثانيها ضغط اقتصادي تدريجي عبر وسم منتجات المستوطنات ومراجعة الاستثمارات، وثالثها احتمال انفجار ميداني إذا استمرت الإجراءات الإسرائيلية دون احتواء، ورابعها إعادة تشكيل الاصطفافات الدولية مع توسع الفجوة بين بعض العواصم الأوروبية والسياسات الاحتلالية التقليدية.
تشكيل اتجاهات الرأي العام 
وفي قراءة موازية لمضامين البيان ودلالات اتساع الحراك الدولي، أكد الخبير د. عامر السبايلة، أن اتساع الحراك حمل دلالة سياسية واضحة على مستوى الخطاب الدولي، لكنه لم يعكس تحولا موازيا في ميزان التأثير العملي على السياسات الميدانية.
 فـ"هذه الدبلوماسية بدت واضحة في الإدانة والرفض، لكنها على أرض الواقع، لم تعنِ أن هناك جهة امتلكت القدرة على فرض تراجع على الاحتلال أو منعه من اتخاذ خطوات جديدة، أو إجباره على العودة عن خطوات اتخذها بالفعل".
وأضاف السبايلة، إن أهمية هذا الحراك تمثلت أساسا في بعديه المعنوي والسياسي المرتبطين بتشكيل اتجاهات الرأي العام الدولي، لا في قدرته التنفيذية المباشرة.
 موضحا أن "ما جرى في جوهره، كان تشكلا لرأي عام دولي مغاير لما كانت عليه الأمور سابقا، وهو رأي أكثر حدة في الموقف، لكنه فعليا لم يملك القدرة ولا التأثير الكافي لدفع الاحتلال للتراجع عن خطواته، أو التوقف عن سياساته".
وأشار إلى أن دلالات البيان الأخير تجسدت بتصاعد مستوى الرفض الدولي واتساع دائرته جغرافيا وسياسيا، بينما بقيت مآلاته مرهونة بمدى تحوله من موقف سياسي معلن إلى أدوات ضغط فعلية، وهو ما لم يتحقق حتى ذلك الوقت وفق تقديره.
نجاح عمان بتحقيق اختراقات دبلوماسية
وفي سياق تفسير دلالات البيان، واتساع نطاقه الجغرافي والسياسي، أكد الخبير د. نضال أبو زيد، أن اتساع الحراك الرافض لقرارات الاحتلال في الضفة حمل دلالات سياسية تتجاوز إطار البيانات الدبلوماسية التقليدية، مبينا أن هذا التحرك تقاطع مع الرؤية الأردنية وعكس حالة انسجام دولي أخذت في التبلور.
وقال، "إن التحرك العربي الأخير ينسجم مع الرؤية التي طرحها الأردن، وجاء أيضا نتيجة اختراقات دبلوماسية نجحت عمان بتحقيقها في المجتمعات الغربية، وهو ما أشار لوجود أرضية مشتركة بين مواقف عربية وأوروبية وغربية، بدأت تتشكل بصورة أوضح".
 مضيفا أن هذا التناغم الدولي انعكس على حسابات صانع القرار في كيان الاحتلال، بخاصة في ظل الجدل حول مستقبل الضفة وخطط ضمها.
وأوضح أبو زيد، "أن هذا التناغم الغربي العربي مع الرؤية الأردنية كان من الممكن أن يقود لاختراق في ملف حديث الاحتلال عن السيطرة على مناطق الضفة، وأن التصريحات الصادرة عن السفير الأميركي في الكيان عكست مؤشرات على تراجع في مزاج الاحتلال تجاه مسألة الضفة"، بل ومالت النقاشات داخل دوائر صنع قرار الاحتلال لإعادة تقييم توقيت وآليات تنفيذ مخططات الضم في ضوء الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
ولفت إلى "أن الحديث الذي كان يدور في أروقة مطبخ القرار بالكيان، حول خطة لضم الضفة وقرارات الكنيست بهذا الشأن، يجرى التوجه نحو تأجيلها، مع الاكتفاء بالسيطرة على نحو 15 % فقط من المنطقة (ج) على نحو متدرج ضمن خطة تمتد حتى العام 2030".
واعتبر بأن هذا التوجه عكس حالة تأنٍ في مقاربة الكيان، لا نتيجة تبدل جوهري في الموقف، بل بفعل توازنات الضغط السياسي الخارجي.
وقال "إنه لا يعتقد بوجود تضارب بين أميركا والكيان حول مبدأ الضم"، بل رأى "أن هناك تبادلا لأدوار تتعلق بأدوات التنفيذ".
 موضحا أن الاختلاف بين الولايات المتحدة والكيان تركز على الأسلوب وليس الهدف، إذ فضل الجانب الأميركي مقاربة تدريجية، بينما مالت حكومة الاحتلال إلى خطوات أسرع وأوسع. مؤكدا "أن واشنطن أرادت ضما بطيئا ومتدرجا وعلى مراحل، في حين فضل الكيان الضم السريع والواسع، بدل الضم بالقطعة".
وشدد على أن اتساع دائرة الرفض الإقليمي والدولي فرض قيودا عملية على خطط الاحتلال حتى دون أن يؤدي لوقفها بالكامل.
 موضحا "أن الضغوط التي مورست إقليميا ودوليا عبر موقف موحد رافض لإجراءات الاحتلال في الضفة، كان من شأنها على أقل تقدير، كبح جماح اندفاع الاحتلال نحو الضم، وربما فرملة أو تعديل المزاج الأميركي المرتبط بتصريحات السفير الأميركي في الكيان".
وأكد أبو زيد أن أهمية البيان الدولي لم تكمن في مضمونه السياسي فقط، بل في اتساع قاعدته الجغرافية، وتزامنه مع تحركات دبلوماسية نشطة؛ ما جعله عامل ضغط فعلي قد يؤخر أو يعيد تشكيل سيناريوهات الضم، ويفتح المجال أمام مرحلة شد وجذب سياسي، كان من المرجح أن تحدد مسار الملف في السنوات المقبلة.
تقييم موازين القوة والشرعية
وفي إطار محاولة فهم اتساع هذا الحراك، اعتبر الخبير د. بشير الدعجة أن هذا التحرك الدولي يشكل لحظة حاسمة لإعادة تقييم موازين القوة والشرعية في ملف الضفة والتحديات المترتبة عليه، مشيرا إلى أن هذا الحراك لا يمكن قراءته كبيان سياسي عابر، بل كمؤشر على تحول في ميزان الشرعية الدولية، ومحاولة منظمة لكبح مسار يتجه نحو تغيير عميق في الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة معا.
وقال "إن ما يجري ليس اصطفافا ظرفيا بل لحظة إعادة ضبط في معادلة الشرعية الدولية، ومحاولة لوقف مسار يتجه نحو تغييرات جذرية على الأرض"، مضيفا أن أولى الدلالات الإستراتيجية تمثلت بانتقال الملف من كونه نزاعا ثنائيا إلى كونه قضية أمن دولي تمس استقرار المنطقة بأكملها.
وبيّن "أن تقاطع المواقف العربية والإسلامية مع عواصم أوروبية مؤثرة يعني بأن القضية لم تعد تُقرأ كخلاف سياسي مزمن، بل كتهديد محتمل للاستقرار الإقليمي، خصوصا أن أي تصعيد في الضفة ينعكس مباشرة على أمن الحدود وملف اللاجئين واستقرار دول الجوار"، لافتا إلى أن الوقائع الديموغرافية شكلت دليلا رقميا على ما وصفه بمسار الضم الزاحف.
وأوضح الدعجة أن "عدد المستوطنين تجاوز 700 ألف، موزعين على أكثر من 280 مستوطنة وبؤرة، وأن المصادقة على أكثر من 10 آلاف وحدة استيطانية سنويا في بعض الأعوام عكست سياسة توسع منهجي تعيد رسم الخريطة فعليا، لأن كل وحدة تعني بنية تحتية وطرقا وحزاما أمنيا".
وأكد أن التركيز الاستيطاني في مناطق (ج) التي تشكل 60 % من مساحة الضفة، يجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا شبه معدومة إذا استمر المسار ذاته لسنوات، موضحا بأن "هذه ليست فرضية سياسية، بل معادلة جغرافية صلبة"، معتبرا أن المرجعية القانونية الدولية بقيت واضحة وغير قابلة للتأويل برغم الجدل السياسي، وموضحا أن "القرارات الدولية أكدت مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأن الاستيطان انتهاك صارخ للقانون الدولي، وأن الاستناد لهذه النصوص يعيد تثبيت الإطار القانوني في مواجهة سياسة فرض الوقائع".
وبيّن الدعجة أن الضغط الاقتصادي الأوروبي أداة مؤثرة، يمكن أن تتحول لعنصر ضغط فعلي على الكيان، موضحا "بأن الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للكيان بحجم تبادل يتجاوز الـ40 مليار يورو سنويا، ويمثل نحو ثلث صادراته، ما يعني أن أي تعديل في اتفاقيات الشراكة أو الامتيازات الجمركية، يمكن أن يترك أثرا مباشرا على الاقتصاد".
 مشيرا إلى أن المؤشر الأمني الميداني أكد هشاشة الوضع القائم، فـ"الأعوام الأخيرة شهدت ارتفاعا في أعداد القتلى والمصابين، وتزايدا في العمليات الفردية، واتساع رقعة الاحتكاك في ظل غياب أفق سياسي، ما يجعل البيئة قابلة للاشتعال السريع".
وأضاف أن خطر انهيار حل الدولتين بات يقاس بالأرقام لا بالتقديرات النظرية، موضحا بأن "مساحة الضفة نحو 5655 كلم2، ومع بقاء أكثر من 60 % ضمن المنطقة (ج) واستمرار التوسع الاستيطاني، فإن المساحة المتبقية لدولة متصلة تتآكل سنويا، سيؤدي لجغرافيا مجزأة بلا سيادة فعلية".
كما نبه إلى البعد المرتبط بصورة الكيان دوليا، مضيفا أن "تصاعد الانتقادات في الأوساط الأكاديمية والبرلمانية الأوروبية وتزايد التقارير الحقوقية، دلائل على أن صورته ككيان ملتزم بالقانون الدولي، تتعرض لضغط متزايد، وهو عامل مؤثر في العلاقات الدولية الحديثة".
وعن المآلات المحتملة، رأى الدعجة أنها تسير في مسارات متوازية، أولها المسار القانوني الدولي، فـ"التحركات أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، قد تتوسع، وبرغم بطئها فإنها تراكمية، وكل قرار يضيف طبقة ضغط قانوني وسياسي".
 بينما يتمثل المسار الثاني بضغط اقتصادي تدريجي، مشيرا إلى "أن وسم منتجات المستوطنات ومراجعة الاستثمارات وإعادة تقييم برامج التعاون العلمي، تعد أدوات ناعمة، لكنها فعالة على المدى المتوسط، بخاصة في اقتصاد يعتمد على التصدير".
أما المسار الثالث، فتمثل وفق تقديره، باحتمال التصعيد الميداني، إذ جرى تجاهل الحراك الدولي، متابعا أن "استمرار القرارات الأحادية قد يرفع احتمالات الانفجار الميداني، بما يشمل انهيار التنسيق الأمني، واتساع المواجهات وانتقال التوتر لجبهات أخرى، بما يحمله ذلك من كلفة بشرية واقتصادية ضخمة". معتبرا بأن المسار الرابع، قد يقود لإعادة تشكيل الاصطفافات الدولية، مبينا أن "اتساع الفجوة بين بعض العواصم الأوروبية وسياسات الاحتلال، قد يؤدي لتحول تدريجي في طبيعة العلاقات التقليدية، وهو تحول بدأ يصبح تراكميا".
وأكد "أن الحراك العربي الإسلامي الأوروبي، لم يكن موقفا عاطفيا، بل استجابة لمعطيات رقمية وجغرافية وقانونية واضحة تشمل أرقام الاستيطان وقرارات الشرعية الدولية وحجم التبادل التجاري ومؤشرات التصعيد الأمني، وكلها دلائل على أن المسار القائم يحمل مخاطر استراتيجية حقيقية".
وشدد الدعجة على أن الضفة الغربية لم تعد ملفا هامشيا، بل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي والتوازن الدولي، وأن كل يوم يمر دون معالجة سياسية جدية يرفع كلفة المعالجة مستقبلا.
 مضيفا أن اللحظة الراهنة ليست لحظة توصيف، بل اختبار حقيقي لإرادة المجتمع الدولي وقدرته على حماية القانون ومنع الانزلاق نحو واقع أكثر صلابة وأعلى كلفة على الجميع.
وكان وزراء خارجية: الأردن، والسعودية، والبرازيل، وفرنسا، والدنمارك، وفنلندا، وآيسلندا، وإندونيسيا، وأيرلندا، ومصر، ولوكسمبورغ، والنرويج، وفلسطين، والبرتغال، وقطر، وسلوفينيا، وإسبانيا، والسويد، وتركيا، بالإضافة للأمينين العامين لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، قد دانوا بأشد العبارات قرارات الكيان الأخيرة المتعلقة بالتوسع الاستيطاني في الضفة.
وأكد البيان أن المستوطنات والقرارات غير القانونية للكيان تمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024، وأن هذه الإجراءات تهدف إلى تغيير الواقع على الأرض والمضي قدما نحو ضم فعلي غير مقبول.