الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيفري د. ساكس* - (كونسورتيوم نيوز) 18/2/2026
لم يبدأ التهديد الحالي بشنّ الولايات المتحدة هجومًا على إيران بسبب أي فشل من جانب طهران في التفاوض. بل على العكس، بدأ الأمر عندما تنصّلت الولايات المتحدة من مفاوضات كانت قد نجحت بالفعل عندما أعلن دونالد ترامب انسحاب بلده، من جانب واحد، من الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018.
أصحاب السعادة أعضاء مجلس الأمن الموقرون،
يقوم رئيس الولايات المتحدة بتوجيه تهديدات خطيرة باستخدام القوة ضد جمهورية إيران الإسلامية إذا لم تمتثل لمطالب الولايات المتحدة. وتنذر أفعاله بخطر اندلاع حرب إقليمية كبرى، والتي ستكون مدمّرة.
وعندما سُئل عمّا إذا كان يريد تغيير النظام في إيران، أجاب بأن ذلك "يبدو أنه سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث". وعندما سُئل عن سبب إرسال حاملة طائرات أميركية ثانية إلى المنطقة، أجاب الرئيس ترامب: "في حال لم نُبرم صفقة، سنحتاج إليها... وإذا احتجنا إليها، فستكون جاهزة".
إن هذه التهديدات تنتهك المادة 2 (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على ما يلي:
"يمتنع جميع الأعضاء في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو على أي نحو آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
تأتي هذه التهديدات في سياق دعوات إيران المتكررة إلى التفاوض. وبالإضافة إلى ذلك، ألقى وزير الخارجية الإيراني في 7 شباط (فبراير) خطابًا في الدوحة اقترح فيه إجراء مفاوضات شاملة من أجل السلام الإقليمي، عقب جولة محادثات في سلطنة عُمان حظيت بدعم دبلوماسي من الدول العربية وتركيا. ولكن، حتى مع الإعلان عن جولة ثانية من المفاوضات، تلجأ الولايات المتحدة إلى تصعيد التهديدات باستخدام القوة.
إن المسألة التي يواجهها "مجلس الأمن" في هذه الأيام العصيبة هي ما إذا كان يحق لأي دولة عضو أن تضع نفسها، بالقوة أو بالتهديد بالقوة، فوق ميثاق الأمم المتحدة الذي يحكمنا جميعًا. والمطروح الآن على المحك هو سلامة النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة.
من بين الأدوار الجوهرية لـ"مجلس الأمن" أن يدعو الدول الأعضاء إلى تسوية نزاعاتها بالوسائل السلمية، مثل التفاوض أو الوساطة أو التحكيم أو التسوية القضائية، من دون التهديد بالقوة أو اللجوء إليها. واليوم، يحتاج العالم بشدة إلى تجديد الالتزام بالدبلوماسية.
لم يبدأ التهديد الحالي بشنّ هجوم أميركي بسبب أي إخفاق من إيران في التفاوض. بل على العكس، بدأ كل شيء عندما تنصّلت الولايات المتحدة من مفاوضات كانت قد نجحت بالفعل.
في 14 تموز (يوليو) 2015، وبعد سنوات من الدبلوماسية المكثفة، أبرمت إيران ودول "مجموعة الخمس زائد واحد" بالإضافة إلى ألمانيا "خطة العمل الشاملة المشتركة" لضمان بقاء البرنامج النووي الإيراني ملتزمًا بطبيعة سلمية حصرًا. وفي المقابل، كان من المقرر رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
وضعت "خطة العمل الشاملة المشتركة" الأنشطة النووية الإيرانية تحت رقابة صارمة ومستمرة من "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، وبذلك أنهت خطر اندفاع إيران نحو امتلاك سلاح نووي -وهو شيء داومت إيران على نفيه باستمرار.
وفي 20 تموز (يوليو) 2015، اعتمد "مجلس الأمن" بالإجماع القرار رقم 2231. وكان ذلك القرار "يؤيد" مضمون "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ويدعو جميع الدول إلى اتخاذ الخطوات "اللازمة لدعم تنفيذها". كما وضع القرار نهاية لقرارات العقوبات السابقة، وأدرج "خطة العمل الشاملة المشتركة" ضمن القانون الدولي.
وإلى جانب ذلك، اعترف "مجلس الأمن" صراحةً "بحق إيران في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية" بموجب "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، وأرسى نظام تحقق قويًا.
ومع ذلك، في 8 أيار (مايو) 2018، وبعد ثلاث سنوات من صدور قرار "مجلس الأمن" الناجح المذكور، انسحبت الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" بشكل أحادي. وكانت الحكومة الإسرائيلية قد مارست ضغوطًا نشطة للدفع نحو هذا الانسحاب.
منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، دأبت القيادة الإسرائيلية مرارًا وتكرارًا، بصورة كاذبة ومنافِقة، على الادعاء بأن إيران على وشك الحصول على سلاح نووي، في حين أن إسرائيل نفسها كانت قد امتلكت سرًا أسلحة نووية خارج إطار "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، وما تزال ترفض حتى اليوم الانضمام إلى المعاهدة والخضوع لآلياتها الرقابية.
عندما انسحب الرئيس ترامب من "خطة العمل الشاملة المشتركة" من جانب واحد، أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات واسعة النطاق على إيران، في تناقض مباشر مع مضمون القرار 2231، وأطلقت حملة حرب اقتصادية صُمِّمت لشلّ الاقتصاد الإيراني، وما تزال هذه الحملة مستمرة حتى اليوم.
وبذلك، ليست التهديدات الحالية الصادرة عن الولايات المتحدة سوى جزء من نمط طويل الأمد يقوم على التظاهر بالاهتمام بالمفاوضات، بينما يواصل في الواقع مسار الحرب الاقتصادية واستخدام القوة العسكرية.
في حزيران (يونيو) 2025، وبعد استئناف المفاوضات في وقت سابق من ذلك العام، دخلت الولايات المتحدة وإيران جولة سادسة من المحادثات. ووصفت الولايات المتحدة تلك المفاوضات بأنها بنّاءة وإيجابية. وكان من المقرر عقد الجولة السادسة في 15 حزيران (يونيو) 2025. لكن الولايات المتحدة دعمت في 13 من ذلك الشهر حملة القصف الإسرائيلية لإيران.
وبعد أسبوع من ذلك، هاجمت الولايات المتحدة نفسها إيران في ما سُميت عملية "مطرقة منتصف الليل". وتصاعد اعتداء الولايات المتحدة على ميثاق الأمم المتحدة مرة أخرى ليصل إلى حافة الحرب، مع استمرار التهديدات الأميركية باستخدام القوة وأعمال الحرب الاقتصادية على أساس يومي. وقامت الولايات المتحدة بتكثيف وجودها العسكري بالقرب من إيران، وهددت مرارًا بشن هجوم وشيك.
كانت الإدارة صريحة بشأن استراتيجيتها الخاصة بالحرب الاقتصادية. في 20 كانون الثاني (يناير)، وخلال مقابلة في دافوس، وصف وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كيف أن الولايات المتحدة تعمّدت هندسة انهيار العملة الإيرانية، وخلق نقص في الدولار، والتسبب في انهيار الواردات -كل ذلك بهدف تحفيز المعاناة الاقتصادية والاضطرابات الجماهيرية. ووصف بيسنت الاضطرابات الناتجة عن ذلك في إيران بأنها "تتحرك في اتجاه إيجابي للغاية هنا".
لعل أكثر الجوانب لفتًا للانتباه في الحملة الأميركية لتغيير النظام في إيران هو الإصرار الأميركي المتكرر على أن إيران يجب أن تتفاوض. وقد تفاوضت إيران، مرارًا وتكرارًا.
بداية، جرى التفاوض على "خطة العمل الشاملة المشتركة" واعتماد "مجلس الأمن" التابع للأمم المتحدة لها. وحتى بعد أن انخرطت إيران في مفاوضات متجددة في الصيف الماضي، واجهت ضربات جوية واسعة النطاق على أراضيها. والآن، تعلن الولايات المتحدة صراحة تبنّي سياسة الانهيار الاقتصادي وتغيير النظام.
لا يمكن لأي بلد أن يكون في مأمن إذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تطلق تهديدات صارخة وصريحة ضد إيران -بل وضد عدة دول أخرى في الأسابيع الأخيرة، من بينها كوبا والدنمارك وغيرها. ومن المحزن والمؤثر في آنٍ معًا أن نتذكر أن الأمم المتحدة كانت من بنات أفكار الرئيس فرانكلين د. روزفلت، الذي تصوّر عصرًا من تعاون القوى الكبرى والتعددية في ظل القانون الدولي، والذي يكون أساسًا للسلم والأمن الدوليين.
وقد أشرفت زوجته، إليانور روزفلت، على صياغة واعتماد "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وكانت الولايات المتحدة آنذاك تتصور حقبة تزدهر فيها الدبلوماسية، ويسود فيها القانون والعدالة بدلاً من القوة الغاشمة؛ حقبة نُكرّم فيها كلمات النبي إشعياء المنقوشة على الجدار في الجادة الأولى المقابلة لمبنى الأمم المتحدة: "فيطبعون سيوفهم سككًا، ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفًا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد".
إن السماح بانتهاك ميثاق الأمم المتحدة بصورة صارخة، خاصة إذا فعلت ذلك الدولة المضيفة له، هو دعوة للعودة إلى حرب عالمية -هذه المرة في العصر النووي. وبعبارة أخرى، إنه دعوة إلى التدمير الذاتي للبشرية.
لذلك، وبالنيابة عن "نحن الشعوب"، يتحمل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة السلطة والمسؤولية الثقيلة للحفاظ على السلم.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،
جيفري د. ساكس
أستاذ جامعي في جامعة كولومبيا
***
ملحق: أتشرف بأن أقدم أدناه مشروع قرار إرشاديًا يمكن لـ"مجلس الأمن" أن يفي من خلاله بواجبه في السياق الراهن.
إن مجلس الأمن؛
إذ يستحضر مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما التزام جميع الدول الأعضاء بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، على النحو المنصوص عليه في المادة 2 (4) من الميثاق؛
وإذ يؤكد من جديد أن صون السلم والأمن الدوليين يقوم على احترام القانون الدولي، وسلطة "مجلس الأمن"، والتسوية السلمية للمنازعات؛
وإذ يشير إلى قراره رقم 2231 (2015)، المعتمد بالإجماع في 20 تموز (يوليو) 2015، الذي أيّد فيه مجلس الأمن "خطة العمل الشاملة المشتركة" ودعا جميع الدول الأعضاء إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم تنفيذها؛
وإذ يؤكد من جديد التزامه بـ"معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، والحاجة إلى امتثال جميع الدول الأطراف في تلك المعاهدة امتثالًا كاملًا لالتزاماتها، ويذكّر بحق الدول الأطراف، وفقًا للمادتين الأولى والثانية من تلك المعاهدة، في تطوير البحث والإنتاج واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية من دون تمييز؛
وإذ يتصرف بموجب ميثاق الأمم المتحدة، فإنه:
1. يدعو جميع الدول الأعضاء إلى أن تكف فورًا ومن دون شروط عن جميع التهديدات باستعمال القوة أو استخدامها، وأن تمتثل امتثالًا كاملًا لالتزاماتها بموجب المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة؛
2. يقرّ بأن عملية "خطة العمل الشاملة المشتركة" شكّلت مفاوضات متعددة الأطراف وصحيحة أيّدها مجلس الأمن، ويعترف بأن التخلي عنها نتج عن الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة؛
3. يقرر، بموجب سلطته، أن يكلّف جميع الدول المعنية بالانخراط فورًا في مفاوضات لإبرام ترتيب شامل متجدد بشأن المسألة النووية الإيرانية، يستند إلى مبادئ "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ويتسق اتساقًا كاملًا مع "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"؛
4. يدعو جميع الدول الأعضاء إلى الامتناع عن أي أعمال تقوّض الجهود الدبلوماسية، أو تصعّد التوترات، أو تضعف سلطة الأمم المتحدة؛
5. يقرر أن يظل ممسكًا بالمسألة قيد نظره الفعلي.
*جيفري د. ساكس Jeffrey D. Sachs: أستاذ جامعي ومدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، حيث أدار "معهد الأرض" من العام 2002 حتى العام 2016. وهو أيضًا رئيس "شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة" (SDSN)، وعضو في "لجنة الأمم المتحدة للنطاق العريض من أجل التنمية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Jeffrey Sachs to UN: No US War on Iran