الغد-عزيزة علي
استعرض الشاعر والمسرحي الدكتور علي الشوابكة في محاضرة بعنوان "المسرح الأردني: التحولات والتطلعات"، أبرز التحولات التي شهدتها الحركة المسرحية، والتحديات التي تواجهها في راهنها، مؤكداً أهمية تحويل الطموحات إلى برامج عمل مستدامة، تعزز حضور المسرح الأردني محلياً وعربياً.
وجاءت المحاضرة، التي نظمها مركز تعلم واعلم للأبحاث والدراسات في مقر رابطة الكتاب الأردنيين، أول من أمس، وأدارها الدكتور أحمد ماضي. لتسلط الضوء على واقع المسرح الأردني اليوم، في ظل أزمات التمويل وغياب المواسم المنتظمة، ولتطرح جملة من التطلعات المستقبلية التي تقوم على تعزيز الشراكات، ودعم الطاقات الشابة، وبناء بيئة مسرحية أكثر استدامة وتأثيراً.
قال الشوابكة "إن تاريخ المسرح الأردني يعكس مسارا غنيا بالتحولات، بدءا من البدايات البسيطة في الكنائس والمدارس، مروراً بالتأسيس الأكاديمي والمؤسسي، وصولاً إلى الانفتاح على التجارب العربية والعالمية". وأكد أن استمرار هذه التحولات مرهون بقدرة الحركة المسرحية على مواجهة التحديات الراهنة وتحويل التطلعات إلى برامج عمل واقعية. وأضاف أن المسرح الأردني يمتلك إرثاً فنياً وطاقات إبداعية تؤهله ليكون فاعلاً في المشهد الثقافي العربي، شريطة أن يتوفر له الدعم المؤسسي والمجتمعي الذي يستحقه.
وبيّن المحاضر أن المسرح، كما يراه العاملون فيه، ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة قوية للتعبير عن الهوية الوطنية وقضايا المجتمع، ونافذة للحوار مع الآخر، ورافعة للوعي الجمعي. وأكد أن الآمال معقودة على أن تؤدي التحولات المقبلة إلى مسرح أردني أكثر حضوراً وتأثيراً، قادر على مخاطبة جمهوره بلغة العصر، مع الحفاظ على جذوره وهويته.
ثم تحدث الشوابكة عن مفهوم التحولات في السياق المسرحي، موضحا أنه في أي حقل ثقافي أو فني، يقصد به التبدلات النوعية التي تطرأ على بنية الخطاب الإبداعي وآليات اشتغاله نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية.
وأكد أن التحولات لا تمثل مجرد تغيرات سطحية أو تراكمات كمية، بل انتقالات جوهرية في الرؤية والأدوات والأشكال، تعيد صياغة علاقة الفن بسياقاته الاجتماعية والسياسية والجمالية.
الشوابكة أوضح أن التحولات في المسرح تتمثل في جدل دائم بين الثابت والمتغير؛ بين التقاليد التي تتوارثها الأجيال والصياغات المستحدثة، وبين الانفتاح على التأثيرات الخارجية والتمسك بالخصوصية المحلية.
وأشار، إلى أن هذه التحولات في المسرح الأردني تجلت في انتقاله من الهواية والعمل الفردي إلى العمل المؤسسي والأكاديمي، ثم إلى البحث عن هوية مستقلة في ظل المتغيرات الإقليمية والعالمية، وصولاً إلى مواجهة التحديات الراهنة واستشراف المستقبل.
وأما عن البدايات والتأسيس، من الفعل الفردي إلى الوعي الجماعي، فقال الشوابكة "إن تاريخ الحركة المسرحية في الأردن يعود إلى بدايات القرن العشرين، حيث انطلقت الشرارة الأولى العام 1918 في مدينة مادبا على يد الأب أنطون الحيحي، مؤسس جمعية "الناشئة الكاثوليكية العربية". وقدمت الجمعية عروضا مسرحية تناولت شخصيات تاريخية بارزة، من بينها صلاح الدين الأيوبي والسموأل.
وأضاف أن الكنيسة والمدرسة شكّلتا آنذاك، "الحاضنة الثقافية" لهذا الفن، قبل تأسيس المؤسسات التعليمية والثقافية الرسمية. وتتابعت العروض في مدن السلط وعجلون وعمان منذ العام 1927، ما ساهم في ترسيخ حضور المسرح في الوعي المجتمعي.
وأوضح الشوابكة أن خمسينيات القرن الماضي، شهدت نقلة نوعية مع عودة المخرج هاني صنوبر من الولايات المتحدة العام 1957، حيث أسس "أسرة المسرح الأردني"، العام 1963 بالتعاون مع عدد من الهواة من الإذاعة الأردنية والجامعة الأردنية.
وشكلت هذه الأسرة، اللبنة الأولى في بناء مسرح مؤسسي منظم، يحمل رؤية فنية واضحة وينفتح على التجارب العالمية مع الحفاظ على الخصوصية المحلية. وإذا كانت البدايات الأولى اتسمت بالعفوية والفردية، فقد مثلت مرحلة "أسرة المسرح الأردني"، تحولا نحو العمل الجماعي المنظم وإدراك أهمية التكوين الأكاديمي.
كما تناول الشوابكة مرحلة التأسيس الأكاديمي والانفتاح على التجريب، مشيراً إلى أن عقد السبعينيات شهد، وفقاً للمحاضر، تحولاً جذرياً في بنية المسرح الأردني، تمثل في تخرج أعداد من المخرجين الأكاديميين في الجامعات والمعاهد العربية والعالمية، ما انعكس على تنوع الرؤية الإخراجية وثراء التجارب المسرحية.
وفي الثمانينيات، تعزز هذا التوجه بإنشاء كلية الفنون في جامعة اليرموك، إضافة إلى مركز التدريب المسرحي التابع لوزارة الثقافة، ما وفر بنية أكاديمية متكاملة لتأهيل الكوادر المسرحية المتخصصة. وأوضح الشوابكة أن هذا التطور المؤسسي صاحبه تمرد على الأشكال التقليدية في التأليف والإخراج، إذ بدأ المخرجون يقدمون تجارب جديدة تستلهم روائع المسرحين العربي والعالمي، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على العلاقة العضوية بالقضايا المحلية.
أما التسعينيات، فمثلت مرحلة ازدهار ملحوظ، إذ تكاثرت الفرق المسرحية وتوسعت دائرة المهرجانات، وفي مقدمتها مهرجان المسرح الأردني ومهرجان جرش للثقافة والفنون، الذي انطلق العام 1980 وواصل استضافة العروض المحلية والعربية. ولم تقتصر هذه المهرجانات على طابع احتفالي، بل شكلت منصات للتفاعل بين التجارب المختلفة، وأتاحت للجمهور الاطلاع على تيارات مسرحية متنوعة.
التحولات في الرؤية والتلقي.. من المحلي إلى العربي والعالمي: مع مطلع الألفية الجديدة، تحول مهرجان المسرح الأردني من مسابقة محلية إلى تظاهرة عربية تشارك فيها فرق من مختلف الأقطار. ويعكس هذا التحول رؤية جديدة للمسرح الأردني، الذي لم يعد يكتفي بمخاطبة جمهوره المحلي، بل سعى إلى ترسيخ حضوره في المشهد العربي عبر الندوات النقدية، وورش العمل والتجارب التطبيقية المصاحبة للمهرجانات.
غير أن هذا الانفتاح أفرز إشكاليات، أبرزها مسألة التوازن بين العروض المحلية والعربية، بعدما باتت المشاركات العربية تفوق أحياناً الإنتاج المحلي، ما يثير تساؤلات حول الهوية وحدود الانفتاح والحفاظ على الخصوصية.
وحول التطلعات والتحديات.. راهن المسرح الأردني ومستقبله.. أشار الشوابكة إلى أن المسار التصاعدي الذي شهده المسرح الأردني يصطدم اليوم بتحديات كبيرة، في مقدمتها أزمة التمويل واعتماد الفرق شبه الكامل على الدعم الحكومي المحدود، ما يجعل استمراريتها رهينة بالجهات الرسمية. كما أن غياب المواسم المسرحية المنتظمة يحول العروض إلى فعاليات موسمية تنتهي بانتهاء المهرجانات، من دون أثر مستدام في ذاكرة الجمهور أو في تجربة الفرق.
وبين المحاضر، أن المسرحيين الشباب هم الأكثر تأثراً بهذه الظروف، إذ يضطرون إلى الموازنة بين أعمال توفر لهم الدخل وشغفهم الفني الذي يفتقر إلى العائد المادي، ما يهدد باستنزاف الطاقات الإبداعية ويدفع بعضهم إلى الابتعاد عن المسرح أو الاكتفاء بالمشاركة الجزئية.
وخلص الشوابكة، إلى أن التطلعات ما تزال قائمة، عبر بناء شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص، وإنشاء مجلس وطني للفنون يتولى استقطاب التمويل ودعم الفرق بصورة مستدامة، إلى جانب تطوير البنية التحتية للمسارح، وتكثيف برامج التدريب والمنح والتعاون مع المؤسسات المسرحية العربية والدولية.