عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2026

الأفول والسقوط

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (كونسورتيوم نيوز) 19/12/2025
تُعتبر الولايات المتحدة اليوم واحدة من الدول الغربية الصناعية ذات أعلى معدلات الفقر، ويقدّر كثير من الاقتصاديين هذه النسبة بأنها تفوق بكثير الرقم الرسمي البالغ 10.6 في المائة. وبالمعنى الواقعي، فإن نحو 41 في المائة من الأميركيين هم فقراء أو من ذوي الدخل المنخفض، بينما يعيش 67 في المائة منهم من الراتب إلى الراتب.
 
 
في مطلع القرن العشرين، كانت الإمبراطورية البريطانية، مثل إمبراطوريتنا اليوم، في مرحلة انحدار نهائي.
كان 60 في المائة من الإنجليز غير لائقين بدنيًا للخدمة العسكرية، كما أن 77 في المائة من الشباب الأميركيين اليوم غير مؤهلين بدنيًا. وكان الحزب الليبرالي، شأنه شأن الحزب الديمقراطي لدينا، يقرّ بالحاجة إلى الإصلاح، لكنه لم يفعل الكثير لمعالجة أوجه اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية التي حكمت على الطبقة العاملة بالعيش في مساكن دون المستوى، واستنشاق هواء ملوّث، والحرمان من خدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية الأساسية، وبالعمل في وظائف شاقّة وسيئة الأجر.
في ردّها على ذلك، شكّلت الحكومة المحافظة في ذلك الحين لجنة مشتركة بين الوزارات معنية بالتعامل مع "التدهور البدني" لدراسة "تدهور بعض طبقات السكان" -أي الفقراء الحضريين بطبيعة الحال. وعُرف تقريرها لاحقًا بالتقرير عن "انحطاط عِرقنا". وسرعان ما رُسمت تشابهاتت ومقارنات تميزت بدقة كبيرة مع الترف والانحلال اللذين ميّزا أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية.
في ذلك الحين، وجّه روديارد كيبلينغ، الذي أضفى طابعًا رومانسيًا وأسطوريًا على الإمبراطورية البريطانية وجيشها، تحذيرًا للبريطانيين في قصيدته "سكان الجزر" The Islanders (1902) من أنهم أصبحوا راضين عن أنفسهم وواهنين بفعل الغرور والكسل والامتيازات، ولم يعودوا مهيئين للحفاظ على الإمبراطورية.
كما أعرب كيبلينغ عن يأسه من ضياع الروح القتالية لدى "أبناء المدينة المحميّة -غير المُشكَّلين، غير المُدرَّبين، وغير المؤهَّلين"، ودعا إلى فرض التجنيد الإجباري. كما شنّ هجومًا لاذعًا على الجيش البريطاني لاعتماده المتزايد على المرتزقة والقوات الاستعمارية، "أولئك الرجال الذين يعرفون إطلاق النار وامتطاء الخيل"، بطريقة تذكّر بالكيفية التي يجري بها تعزيز القوات الأميركية في الخارج اليوم على نحو متزايد بالمرتزقة والميليشيات.
وندّد كيبلينغ بالرأي العام البريطاني لانشغاله بـ"التفاهات" وبرياضات المشاهدة الاستعراضية، بما في ذلك "الحمقى المتأنقون بالفلانيل المتأنقين عند الويكِت، أو الأغبياء الذين يغطيهم الوحل عند المرمى" (1) -وهم الرياضيون الذين اعتقد أنه كان ينبغي أن يقاتلوا بدلًا من ذلك في حرب جنوب أفريقيا.
كان كيبلينغ قد استشرف، في سياق شهد سلسلة الكوارث العسكرية البريطانية خلال "حرب البوير" في جنوب أفريقيا التي كانت قد انتهت حديثًا آنذاك، الفقدان الوشيك للهيمنة البريطانية عالميًا، على نحو يشبه ما فعله عقدان من الإخفاقات العسكرية في الشرق الأوسط في تقويض الهيمنة الأميركية.
كان الانشغال بالتدهور البدني، الذي فُسِّر أيضًا بوصفه تدهورًا أخلاقيًا، هو ما دفع وزير الحرب بيت هيغسيث إلى التنديد بـ"الجنرالات البدناء"، وإلى إصدار الأوامر بإلزام النساء في الجيش ببلوغ "أعلى المعايير الذكورية" في اللياقة البدنية. وهو ما يقف أيضًا وراء توجيهاته المعروفة بـ"تكليف أخلاقيات المحارب"، التي تتضمن خططًا ترمي إلى تعزيز اللياقة البدنية، ومعايير الانضباط والمظهر، والجاهزية العسكرية.
إننا نعيش اليوم لحظة تاريخية مشابهة بطريقة تبعث القشعريرة في الأطراف. بعد اثني عشر عامًا فقط من مرثية كيبلينغ، أُلقي ببريطانيا في معمعة الانتحار الجماعي التي شكلتها الحرب العالمية الأولى، وهي حرب أودت بحياة أكثر من مليون جندي بريطاني ومن قوات الكومنولث، وحكمت على الإمبراطورية البريطانية بالزوال النهائي.
كان هـ. ج. ويلز، الذي تنبأ بحروب الخنادق والدبابات والرشاشات، واحدًا من عدد قليل جدًا من الذين أدركوا الوجهة التي كانت بريطانيا تتجه نحوها. في العام 1908، كتب روايته "الحرب في الجو" The War in the Air. وحذر من أن حروب المستقبل لن تظل مقصورة على دول قومية متنازعة، بل ستتحول إلى حروب عالمية. وهذه الحروب، كما حدث لاحقًا في الغزو الإيطالي لإثيوبيا في العام 1935، وفي الحرب الأهلية الإسبانية، وفي الحرب العالمية الثانية، ستتضمن القصف الجوي العشوائي للمدنيين. كما استشرف ويلز، في كتابه "العالم يتحرر" The World Set Free، إسقاط القنابل الذرية.
كان ما يقرب من ثلث سكان إنجلترا في العصر الإدواردي يعيشون في فقر مدقع. ولم يكن السبب في ذلك، كما أشار سيبوم رونتري في دراسته عن الأحياء الفقيرة، هو ما ادّعاه المحافظون من إدمان هؤلاء الناس الفقراء على الكحول، أو الكسل، أو الافتقار إلى المبادرة أو العزوف عن تحمّل المسؤولية؛ كان ذلك لأن "الأجور المدفوعة للعمالة غير الماهرة في مدينة يورك لم تكن كافية لتوفير الغذاء والمأوى والملبس اللازمين لإعالة أسرة متوسطة الحجم تعيش في حالة من الحد الأدنى للكفاءة البدنية".
اليوم، تُعتبر الولايات المتحدة واحدة من الدول الغربية الصناعية ذات أعلى معدلات الفقر، ويقدّر كثير من الاقتصاديين هذه النسبة بأنها تفوق بكثير الرقم الرسمي البالغ 10.6 في المائة. وبالمعنى الواقعي، فإن نحو 41 في المائة من الأميركيين هم فقراء أو من ذوي الدخل المنخفض، بينما يعيش 67 في المائة منهم من الراتب إلى الراتب.
دعا علماء تحسين النسل البريطانيون من جماعة "مختبر غالتون لتحسين النسل الوطني" -الذي موّله السير فرانسيس غالتون، واضع المصطلح نفسه، "تحسين النسل"- إلى ما سُمّي بـ"تحسين النسل الإيجابي"، أي "الارتقاء" بالعِرق من خلال تشجيع من يُعتبرون متفوّقين -وهم دائمًا تقريبًا من البيض المنتمين إلى الطبقتين الوسطى والعليا- على إنجاب عائلات كبيرة. وفي المقابل، جرى الترويج لـ"تحسين النسل السلبي" الذي يرمي إلى الحد من عدد الأطفال المولودين لمن اعتُبروا "غير مؤهلين" أو "غير لائقين"، من خلال التعقيم القسري والفصل بين الجنسين.
وأيد ونستون تشرشل، الذي شغل منصب وزير الداخلية في الحكومة الليبرالية برئاسة هـ. هـ. أسكويث بين العامين 1910 و1911، التعقيم القسري لمن وصفهم بـ"ضعاف العقول"، الذين اعتبرهم "خطرًا وطنيًا وعرقيًا" و"المصدر الذي يتغذى منه تيار الجنون".
يبدو أن البيت الأبيض في عهدة ترامب، بقيادة ستيفن ميلر، مصمّم على تنفيذ عملية تطهير مماثلة داخل المجتمع الأميركي. الآن يتم تصوير الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم يحملون سمات وراثية "سلبية" -وغالبًا ما يتم تحديد ذلك على أساس العِرق- بوصفهم ملوِّثات بشرية، وتقوم جحافل من العناصر المقنّعين التابعين لدائرة الهجرة والجمارك بترويعهم واعتقالهم وإقصائهم من المجتمع.
وقد أشاد ميلر، في رسائل بريد إلكتروني كُشف النقاب عنها في العام 2019، برواية "معسكر القديسين" The Camp of the Saints الصادرة في العام 1973 للكاتب جان راسباي. وتحكي الرواية قصة أسطول من شعوب جنوب آسيا يقوم بغزو فرنسا ويدمّر الحضارة الغربية. ويُوصَف المهاجرون -الذين أصبحت إدارة ترامب تطاردهم اليوم- بأنهم "أشباح لطالما كانوا محتقرين، ذوو شعر مجعّد وبشرة داكنة"، وبأنهم "نمل متكاثر يكدح من أجل راحة الرجل الأبيض". كما تُصوَّر الجموع القادمة من جنوب آسيا على أنها "متسولون، أقزام، مشوّهون من شوارع كالكوتا"، يقودهم "هندي عملاق" يأكل البراز، يُعرف باسم "آكل الغائط".
هذا، في أكثر صوره انحطاطًا وابتذالًا، هو جوهر أطروحة "نظرية الاستبدال العظيم": الاعتقاد بأن الأعراق البيضاء في أوروبا وأميركا الشمالية تتعرّض لـ"الاستبدال" على يد "السلالات الدنيا من الأرض".
يتباهى دونالد ترامب بأنه سيكون "رئيس التخصيب". وسوف تمنح إدارته حوافز للأزواج الأميركيين -أي الأزواج البيض- لإنجاب مزيد من الأطفال، في محاولة لمواجهة تراجع معدلات المواليد. وفي قاموس اليمين، يُعرَف الذين يروّجون لهذه النسخة المُحدَّثة من "تحسين النسل الإيجابي" باسم "الإنجابيّون" Pronatalists. كما ستعمل إدارة ترامب على خفض عدد اللاجئين الذين يُسمَح بدخولهم إلى الولايات المتحدة في العام المقبل إلى مستوى رمزي لا يتجاوز 7.500 شخص، على أن يشغَل معظم هذه المقاعد بيض من جنوب أفريقيا.
ويعكف حلفاء ترامب في شركات التكنولوجيا الكبرى على إنشاء بنية تحتية للخصوبة تهدف إلى إنجاب أطفال بسمات وراثية "إيجابية". وقد استثمر سام ألتمان، الذي منحته إدارة ترامب عقدًا عسكريًا لمدة عام بقيمة 200 مليون دولار، في تقنيات تتيح للآباء تعديل جينات أطفالهم قبل الحمل لإنتاج ما يُسمّون "الأطفال المصمَّمين وراثيًا".
كما دعم بيتر ثيل، الشريك المؤسِّس لشركة "بالانتير" التي تُسهِم في تسهيل جهود الترحيل الجماعي التي تنفّذها إدارة ترامب، شركةً لفحص الأجنّة تُدعى "أوركيد هيلث". وتَعِد "أوركيد" بمساعدة الآباء على تصميم أطفال "أصحّاء" من خلال تقنيات فحص الأجنّة واختيارها.
ويقال إن إيلون ماسك، وهو إنجابيّ متحمّس ومؤمن بنظرية "الاستبدال العظيم"، من بين عملاء هذه الشركة الناشئة. والهدف، كما تذكر صحيفة "وول ستريت جورنال"، هو تمكين الآباء من فحص الأجنّة وفقًا لمعدّل الذكاء واختيار "ذكاء أطفالهم قبل الولادة".
من الواضح أننا نكرّر الأخطاء نفسها التي ارتكبتها الطبقة السياسية البريطانية التي أشرفت على تدهور الإمبراطورية البريطانية. ودبّرت الحماقة الانتحارية المتمثّلة في خوض الحرب العالمية الأولى. إننا نلوم الفقراء على فقرهم، ونؤمن بتفوّق العِرق الأبيض على سائر الأعراق، ونقمع تعدّد الأصوات والثقافات والتجارب التي تُشكّل جوهر أي مجتمع حيوي وديناميكي.
إننا نسعى إلى مواجهة الظلم، إلى جانب اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال فرط الذكورية والعسكرة واستخدام القوة، وهو ما يُسرّع من التحلّل الداخلي لمجتمعنا ويدفعنا نحو حرب عالمية كارثية، قد تكون -في حالتنا- مع الصين.
كان هـ. ج. ويلز قد سخر من غباء طبقة حاكمة متعجرفة عجزت عن تحليل المشكلات الاجتماعية التي صنعتها أو التمكن من معالجتها. وهاجم النخبة السياسية البريطانية بعنف بسبب جهلها وعجزها. وكتب أن أعضاء هذه النخبة شوّهوا الديمقراطية بعنصريتهم، وقوميتهم المفرطة، وخطابهم العام السطحي المليء بالكليشيهات، والذي غذّته صحافة شعبوية مثيرة.
وحين تحلّ الأزمة، كما حذّر ويلز، فإن هؤلاء "الماندرين" -مثل نظرائهم الذين لديكم اليوم- سيُشعلون محرقة الإمبراطورية الجنائزية بأيديهم.
 
*كريس هيدجز Chris Hedges: صحفي حائز على جائزة بوليتزر، عمل مراسلًا أجنبيًا لمدة خمسة عشر عامًا في صحيفة "نيويورك تايمز"، حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان. كما عمل سابقًا في الخارج مع صحيفتي "دالاس مورنينغ نيوز"، و"كريستيان ساينس مونيتور"، وإذاعة الراديو الوطني. وهو مقدّم برنامج "تقرير كريس هيدجز" The Chris Hedges Report.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Decline and Fall
(1) تشير عبارة "المتأنّقون بالفلانيل عند الويكِت" إلى لاعبي الكريكيت، الذين اعتادوا ارتداء ملابس الفلانيل البيضاء. وتشير عبارة "الذين يغطيهم الوحل عند المرمى" إلى لاعبي كرة القدم أو الرجبي، الذين يخرجون من المباريات غالبًا وقد غطاهم الطين.
(2) "الماندرين" Mandarins: كانوا كبار موظفي الدولة في الصين الإمبراطورية. وهم نخبة بيروقراطية متعلّمة، تصل إلى مناصبها بعد امتحانات صارمة، وتحتكر الإدارة والمعرفة والسلطة باسم الكفاءة والحكمة. ويشير المفهوم اليوم إلى نخبة الدولة العميقة أو الصفوة البيروقراطية-الفكرية التي تحكم من فوق، وتدفع الكيانات الكبرى إلى الهلاك عند الأزمات.