"الأردن في عصور ما قبل التاريخ".. توثيق علمي لمسيرة الإنسان الأولى
الغد-عزيزة علي
صدر كتاب "الأردن في عصور ما قبل التاريخ"، من تأليف ميسون النهار، وسحر الخصاونة، وزيدان كفافي، الذي يوثق مسيرة الإنسان على أرض الأردن منذ أقدم العصور الحجرية وحتى نشوء الاستقرار وبناء القرى وإنتاج الطعام.
يتألف الكتاب من ثلاثة فصول: كتبت ميسون النهار الفصل الأول عن بدايات الإنسان المتنقل وجامع القوت ( 2.4 مليون سنة - 20 ألفا)، وكتبت سحر الخصاونة الفصل الثاني عن المرحلة الانتقالية من الصيد والتنقل إلى الاستقرار وإنتاج الغذاء (20ألفا 10،500-سنة)، فيما كتب زيدان كفافي الفصل الثالث عن الاستقرار وبناء القرى والزراعة في الأردن
(10،500-6،500 سنة).
يبين المؤلفون، في مقدمة الكتاب، أن هذا العمل يهدف إلى تقديم معلومات عن أطول مرحلة في تاريخ الإنسان، وهي العصور الحجرية، التي تمتد زمنيا من نحو 2.5 مليون سنة حتى ظهور الكتابة في منطقة الشرق الأدنى القديم، في وادي الرافدين ووادي النيل، قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
ولإلقاء الضوء على هذه الفترة في الأردن، تقدم فريق مشترك من جامعة أكسفورد، وجامعة اليرموك، وجامعة أكسفورد بروكس، ودائرة الآثار العامة الأردنية، بخطة عمل إلى مؤسسة نيوتن-خالدي (Newton-Khaldi Fund)، أسفرت عن حصول المشروع على التمويل اللازم.
ومن أهداف المشروع تنمية المعرفة بعصور ما قبل التاريخ لدى غير المتخصصين، ولا سيما فئة الشباب في الأردن، من خلال تكليف مؤلفي هذا الكتاب إعداد نص بلغة سهلة ومبسطة، مدعم بالرسومات التوضيحية.
وبناء على ذلك، شُكلت لجنة لإنجاز هذه المهمة، وجرى توزيع العمل بين أعضائها وفق ما هو مثبت في محتوى الكتاب. ويعبر المؤلفون بهذه المناسبة عن اعتزازهم بالعمل الذي أنيط بهم، كما يتقدمون بالشكر إلى القائمين على المشروع.
ويذكر في هذا السياق أن المؤلفين سعوا، من خلال النص والشروحات والرسومات والصور التوضيحية، إلى تعريف القارئ بالموروث الأثري الغني الذي يزخر به الأردن في عصور ما قبل التدوين، وبمواقعه المتميزة التي تشكل جزءا مهما من التراث الأردني، آملين أن تحظى هذه المواقع باهتمام أكبر من أصحاب القرار، وأن تدرج على الخريطة السياحية، إلى جانب الهدف الرئيس المتمثل في زيادة المعرفة بها.
الفصل الأول، من تأليف ميسون النهار، بعنوان "بدايات الإنسان على أرض الأردن: الإنسان المتنقل والصياد وجامع القوت (2,400,000-20,000 سنة من الحاضر)"، يسلط الضوء على تطور الإنسان في الأردن خلال فترة البلايستوسين، وهي العصور الجليدية قبل نحو مليونين ونصف المليون عام.
ويبين الفصل أن بلاد الشام حظيت آنذاك بمناخ مطير ذي ترددات جليدية، أسهم في توفر غطاء نباتي متنوع شمل الغابات والأشجار المثمرة والسهول الخضراء، إضافة إلى انتشار البحيرات، مثل بحيرة اللسان، وبحيرة الأزرق، وبحيرات وادي الحسا، وبحيرة الجفر. وقد أدى هذا التنوع البيئي إلى ازدهار الحياة الحيوانية، بدءا من الحيوانات المفترسة وانتهاء بالقوارض؛ إذ عاشت في المنطقة الفيلة، مثل "الماموث" المنقرض، والثيران بأنواع منها منقرضة، إضافة إلى الغزلان والخيول والكلاب والثعالب والسلاحف والطيور بمختلف أنواعها.
وقد جذبت هذه البيئة الغنية الإنسان القديم، فاستفاد من مواردها الطبيعية من ثمار ومياه عذبة وغطاء نباتي، وسكن الكهوف واستظل بالأشجار، متنقلا من مكان إلى آخر بحثا عن مصادر الغذاء. وفي هذه المرحلة المبكرة لم يكن يمتلك الخبرة الكافية لصناعة الأدوات الصوانية أو الصيد أو حماية نفسه من الحيوانات المفترسة، لذا اعتمد في غذائه على النباتات. ومن خلال تفاعله مع البيئة المحيطة، بدأ بتكوين خبراته التراكمية، وكان من أبرز ملامحها الأولى ظهور فكرة الربط بين الشكل والوظيفة.
الفصل الثاني، من تأليف سحر الخصاونة، بعنوان "الانتقال من التنقل والصيد وجمع القوت إلى الاستقرار وإنتاج الطعام (20،000-10،500 سنة من الحاضر)"، يركز على العصر الحجري القديم الانتقالي (Epi-Palaeolithic)، الذي يمثل التحول من حياة الصيادين وجامعي الثمار إلى الاستقرار وإنتاج الغذاء، ويقع بين العصر الحجري القديم الأعلى والعصر الحجري الحديث (Neolithic).
وفي بدايات العصر الحجري القديم الانتقالي في بلاد الشام، اتبعت غالبية المجتمعات البشرية نمط حياة قائما على الصيد وجمع الثمار والتنقل المستمر بين المواقع، فيما يعرف أثريا بمعسكرات الصيادين. ومع مرور الوقت، بدأت هذه المجتمعات بالاستقرار وتطوير مستوطنات سكنية صغيرة في مواقع ثابتة، عاش فيها الصيادون طوال العام أو معظمه. كما استقر الإنسان في جماعات متباعدة في أرجاء بلاد الشام، ورافق هذا الاستقرار تطورات اجتماعية واقتصادية وتقنية، إلى جانب زيادة في حجم المجتمعات البشرية.
ويعزو علماء الآثار هذا التحول نحو الاستقرار إلى التغيرات المناخية وانحسار الصفائح الجليدية وانتهاء الفترات الباردة، مما جعل منطقة بلاد الشام أكثر دفئا ورطوبة مقارنة بالمراحل السابقة. وفي أواخر العصر الحجري القديم الانتقالي، تمكن الإنسان من إنتاج الطعام من خلال جمع بذور الأعشاب البرية، مثل القمح والشعير، وطحنها واستهلاكها، كما تخصص في صيد أنواع محددة من الحيوانات، أبرزها الغزلان. وتعد صناعة الأدوات الصوانية الصغيرة جدا، المعروفة بالشفرات المُظهَرة (Microliths).
يتناول زيدان كفافي في الفصل الثالث، المعنون "الاستقرار وبناء القرى وإنتاج الطعام في الأردن قبل أكثر من عشرة آلاف عام (نحو 10,500-6,500 سنة من الحاضر)"، أهمية دراسة العصر الحجري الحديث، بوصفه المرحلة التي شهدت تحولات اقتصادية كبرى تمثلت في الانتقال من الجمع والالتقاط إلى الإنتاج، من خلال معرفة الزراعة واستئناس الحيوانات وتدجينها. كما تميزت هذه المرحلة بظهور الاستقرار الدائم في مواقع ثابتة، ما أدى إلى نشوء قرى زراعية سكنها الإنسان طوال العام.
وسعى عدد من الباحثين إلى تتبع مواقع وجود النباتات والحبوب البرية التي دجّنها الإنسان وزرعها في جنوبي بلاد الشام، ومنها الأردن، حيث ركزت الدراسات الأولى على مناطق غور الأردن، اعتقادا بأن البدايات كانت هناك.
غير أن النشاطات الميدانية التي أجريت في وادي فينان في وادي عربة، وقصر مشاش في البادية الشرقية، وموقع خريسان في حوض نهر الزرقاء، كشفت عن مخيمات وقرى زراعية مبكرة تعود إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.
ويشير الفصل إلى حدوث تحول مناخي قبل نحو 12 ألف سنة دفع الإنسان إلى الاعتماد على نفسه في تأمين غذائه، فاختار الاستقرار الدائم قرب مصادر المياه الدائمة وفي أراض صالحة للزراعة وسهلة الوصول والدفاع. ونتيجة لذلك، تركزت التجمعات البشرية في أحواض الأنهار، مثل حوض نهر الأردن، ووادي الزرقاء، ووادي اليرموك، ووادي فينان.
ولا يعني هذا أن جميع سكان الأردن اتجهوا إلى الاستقرار والزراعة؛ إذ استمر سكان البادية في الاعتماد أساسا على صيد الحيوانات، وبنوا مخيمات بسيطة استخدموها فترات طويلة من السنة. ومع مرور الوقت، وبعد استقرار المجتمعات الزراعية، عرف الإنسان زراعة الحبوب، مثل القمح والشعير، والبقوليات كالحمص والعدس، ثم دجّن الحيوانات، كالأبقار والماعز والخراف، واهتم بتربيتها والاستفادة من منتجاتها ولحومها.