عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Jan-2026

"البيان العربي".. مجلة تدعم الدراسات اللغوية والأدبية لتعزيز مكانة اللغة

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن مجمع اللغة العربية الأردني العدد السابع من مجلة البيان العربي، وهي مجلة دورية ثقافية تهدف إلى تعزيز مكانة اللغة العربية والارتقاء بها، والدفاع عن مقوماتها اللغوية والفكرية، وتمكينها من مواكبة متطلبات العلوم والفنون الحديثة.
 
 
ويأتي هذا الإصدار، تأكيدا للدور الريادي للمجمع في دعم الدراسات اللغوية والأدبية، ونشر البحوث والتحليلات النقدية التي تعكس التحولات الفكرية والثقافية في الساحة العربية المعاصرة.
تضمن العدد افتتاحيات كتبها عضو المجمع الدكتور عيد الدحيات والدكتور محمد شاهين، بعنوان "مسيرة النقد الأدبي والنظرية الأدبية". وركزت الافتتاحية على بدايات النقد الأدبي الحديث، من خلال الناقد الفكتوري ماثيو أرنولد، الذي يعتبر رائدًا مبكرًا رغم أن ازدهار النقد الأدبي، جاء لاحقًا في القرن العشرين.
ويبرز دور أرنولد في تأكيد استقلالية الناقد وقدرته المحورية على تفسير النص الأدبي، إذ رأى أن الناقد يمتلك قدرة أعلى من القارئ العادي، على فهم روح النص وتأويله ونقل هذا الفهم إلى الجمهور.
ويرتبط هذا التصور بالتحولات الفكرية في العصر الفكتوري، حيث أدى التقدم العلمي إلى تراجع الدور الديني التقليدي، فحل الناقد محل الراهب بوصفه مرشدًا ثقافيًا وفكريًا. ومن هذا المنطلق، يعد أرنولد مؤسسًا مهمًا في تاريخ النقد الأدبي، قبل تطوره الواسع في القرن العشرين.
يمتد تأثير الناقد الفكتوري ماثيو أرنولد، إلى النقد الأدبي في القرن العشرين، رغم التحولات التي شهدها مفهوم النقد، إذ نجد صدى أفكاره لدى نقاد مثل ت. س. إليوت، الذي رأى أن الناقد يمتلك قدرة إبداعية خاصة تمكّنه من الكشف عن الإبداع الكامن في النص دون اختزاله، مما يجعله شريكًا أساسيًا للمؤلف.
ويتقاطع هذا التصور مع رأي ليفيس، الذي اعتبر أن النقد مسؤولية نخبة فكرية محدودة، وشكك في قدرة الجمهور العام على التعامل النقدي مع النص الأدبي. ويظل هذا الموقف متوافقًا مع تصورات أرنولد وإليوت التي كرّست هيمنة الناقد والنص على المشهد الأدبي.
ومع مرور الوقت، تحوّل مركز الاهتمام النقدي من سلطة الناقد والمؤلف إلى النص ذاته، فأصبح النص محور النقد الحديث، مع إقصاء كل من المؤلف والناقد عند تلقيه. وتركّزت الدراسة على البنية اللغوية والشكل أكثر من المحتوى، ما شكّل تحولًا نوعيًا من القراءة التقليدية التي تعتبر الأدب مرآة للحياة، إلى قراءة حداثية تتعامل مع النص ككيان لغوي مفتوح على احتمالات ودلالات متعددة، وبذلك دخل النقد الأدبي مرحلة الحداثة.
هيمن الاهتمام بالشكل على النقد الأدبي لعقود عدة، منذ العقد الثاني من القرن العشرين، وبرز ذلك بشكل واضح خلال عشرينيات القرن الماضي مع الشكلانيين الروس. وفي هذا السياق، ظهر الناقد ريتشارد في جامعة كامبريدج مؤكّدًا مركزية الشكل، إذ رأى أن التجربة الإنسانية لا يمكن أن تُنقل أو تُفهم إلا بعد أن تتخذ شكلاً محددًا، مما رسخ مكانة الشكل كأساس لفهم النص الأدبي.
ومن أبرز مساهمات ريتشارد تمييزه بين نوعين من اللغة: الأول لغة العلم والمعرفة، وهي لغة حرفية أو رمزية تنقل المحتوى مباشرة، من دون الحاجة إلى تأويل، وأسماها Denotation، وهذه اللغة خارج نطاق الاهتمام النقدي والأدبي.
أما النوع الثاني من اللغة عند ريتشارد، فهو لغة الأدب والفن، التي تقوم على الإيحاء وتعدد الدلالات وتستدعي التأويل ولا سيما في الشعر، وقد أطلق عليها Connotation. ومن خلال هذا التصنيف، أكد ريتشارد تميز اللغة الأدبية عن اللغة غير الأدبية، وارتباطها بثنائية المعنى والتفسير.
أصبح ريتشارد رائدًا في التركيز على الشكل، وتأثر به نقاد النقد الجديد الذين نظروا إلى النص بوصفه كيانًا مستقلًا عن مؤلفه، ولا يصل إلينا إلا من خلال شكله. وبلغ هذا الاتجاه ذروته مع رولان بارت، الذي دعا مجازًا إلى "موت المؤلف"، واستقلال النص، وهو ما لخصه ماكليش بعبارة: "الكلمة على الصفحة".
وصلت هيمنة النص أقصاها في المدرسة البنيوية، إلا أنها تراجعت بعد سبعينيات القرن العشرين بسبب إغفالها البعد الإنساني للغة واختزالها في كونها نظامًا لغويًا مجردًا. وقد جاء النقد الثقافي بوصفه بديلاً من البنيوية، إذ ركز على الثقافة باعتبارها عنصرا أساسيا في العملية الإبداعية، ودمجها مع الاهتمام بالشكل.
وترسخت مكانة النقد الثقافي على يد نقاد بارزين مثل، ريموند وليامز وستيوارت هول وإدوارد سعيد، الذين أكدوا ضرورة قراءة الأدب ضمن سياقيه الثقافي والاجتماعي. وقد عرف ريموند وليامز الثقافة: "بأنها أسلوب حياة شامل لأمة معينة في زمن محدد، بما يتجاوز الأدب والفن ليشمل جميع أبعاد الحياة الاجتماعية والمعرفية".
ولم يتخل النقد الثقافي عن الاهتمام بالشكل، بل دمجه مع الثقافة، فأنشأ بذلك نقدًا ذا بنية مزدوجة، أعاد من خلاله للغة مكانتها بوصفها جوهر الإبداع وصانعة للمعنى، لا مجرد أداة لنقل المحتوى. ويعبّر عن هذا المعنى قول الشاعر محمود درويش: "أنا لغتي"، الذي يؤكد الرابط العميق بين اللغة والهوية والإبداع.
وتضمن العدد في باب "قضايا لغوية"، ثلاثة مقالات، هي: "الهمزة" لعضو المجمع الدكتور محمد عصفور، و"قياسية الرُّخَص النحوية: باب الحال أنموذجًا"، د. عبد الكريم مرداوي، "المعجم. رحلة كلمة" لنادر رزق.
أما باب "دراسات في الأدب العربي"، فضم أربع دراسات هي: "الحكمة في شعر زهير بن أبي سلمى" للدكتورة سهى مشرقي، "اللغة العربية في لغة الخطاب الثالث بين جدلية الانفصال وإكراه الارتباط"، د. هشام ميري، "ميخائيل نُعيمة والحضارة الغربية"، لسمير الشريف، "المستوى التركيبي في خطبة هاشم بن عبد مناف"، لرنين أبو شريخ.
وفي باب "إبداعات أدبية" قدمت خمسة نصوص متنوعة بين الشعر والنثر، وهي: "عمان" لنزيه القسوس، "رسول الأمل"، لعلاء الدين حسن، "أم المؤمنين"، لمصطفى ملح، "مرآة الشعوب"، لمايا الطاهر، "مقام الهوى: من التلميح إلى الاعتراف"، لتقى أبو حسان.
أما باب "علماء وأدباء"، فقد احتوى على مقالة واحدة لعضو المجمع الدكتور محمد السعودي، بعنوان: "الأستاذ محمد شاهين ورحلة المعرفة". وفي باب "الترجمة"، قدم الباحث حسن الحضري دراسة بعنوان: "أدبيات الترجمة والمثاقفة عند جمال التلاوي في ضوء علم اللسانيات التقابلية"، لحسن الحضري.
وأخيرًا، احتوى باب "مراجعات" على مقالات ومراجعات عدة منها: "جولة في حديقة إحسان عباس" د. عبد الرزاق حسين، "من تحديات اللغة العربية في ظل التطور التكنولوجي"، د. هشام خليل، "الأدب التفاعلي والذكاء الاصطناعي: هل يمكن أن تصبح الرواية الرقمية فنا عربيا أصيلًا؟"، لحنان أبو سليم، "تطور الكتاب العربي"، لأميرة السيد، "قراءة في كتاب: مدخل إلى علم الأسلوب لشكري عياد"، لسارة شطناوي.