عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Mar-2026

الإعلام الجديد.. ‏إعادة تشكيل الرأي العام: من التلقي إلى التفاعل.*سليمان عبدالله الوردات

 الدستور

‏لم يعد تشكيل الرأي العام في السنوات الأخيرة عملية بطيئة تمر عبر قنوات محددة وواضحة، بل أصبح مسارا مفتوحا، سريع الإيقاع، تتداخل فيه الأصوات، وتتزاحم فيه الروايات، إلى حد يصعب معه أحيانا التمييز بين ما هو معلومة، وما هو انطباع، وما هو مجرد تفاعل لحظي.
‏فالإعلام الجديد، بما يحمله من منصات رقمية وتطبيقات تواصل، لم يغير فقط أدوات التعبير، بل أعاد تعريف العلاقة بين المتلقي والمحتوى.
‏لم يعد الفرد مجرد مستهلك للخبر، بل أصبح مشاركا في صياغته، وتفسيره، وإعادة إنتاجه، ضمن دائرة واسعة من التأثير المتبادل.
‏وهذا التحول، على ما يحمله من مساحة حرية واتساع في الرأي، أوجد أيضا نمطا جديدا من التلقي، يقوم على السرعة أكثر من التحقق، وعلى الانطباع أكثر من التحليل، وعلى القرب العاطفي من الفكرة أكثر من دقتها الموضوعية.
‏ومع تكرار هذا النمط، يتشكل وعي عام مختلف، ليس بالضرورة أقل عمقا، لكنه أكثر تقلبا، وأسرع استجابة للمؤثرات اللحظية، سواء كانت صورة، أو تعليقا، أو مقطعاً قصيرا يحمل دلالة جزئية يتم تعميمها بسرعة.
‏اليوم لم نعد نركز على الذي يقال فقط، بل أصبحنا نسأل: كيف يقال؟ وأين؟ وبأي سياق يصل إلى الناس؟
‏فالمنصات الرقمية لا تعمل كوسيط محايد، بل تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح بعض الموضوعات حضورا أكبر من غيرها، بناء على تفاعل المستخدمين، لا بالضرورة على أهميتها الفعلية.
‏وهذا ما يجعل بعض القضايا تبدو مركزية في لحظة ما، ثم تتراجع سريعا، لتحل محلها قضايا أخرى، في دورة متسارعة من الاهتمام المؤقت.
‏وفي هذا السياق، تتغير أيضا طبيعة النقاش العام،
‏إذ تميل الحوارات إلى الاختزال، وتختصر القضايا المعقدة في جمل قصيرة، أو مواقف حادة، ما يحد من القدرة على بناء فهم تراكمي، ويعزز في المقابل ثقافة الاصطفاف السريع.
‏لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذا الفضاء نفسه أتاح فرصاً غير مسبوقة للتعبير، وكسر احتكار المعلومة، وإبراز أصوات كانت بعيدة عن المشهد العام.
‏وهو ما يجعل التقييم المتوازن لهذه الظاهرة ضرورة، بعيدا عن التبسيط الذي يختزلها في كونها إيجابية بالكامل أو سلبية بالكامل.
‏التحدي، إذًا، لا يكمن في وجود الإعلام الجديد بحد ذاته، بل في كيفية التفاعل معه.
‏في القدرة على التمييز بين الخبر والرأي، بين المعلومة والانطباع، بين ما يستحق التوقف عنده، وما يمر مرورا عابرا.
‏كما يكمن في تطوير حس نقدي هادئ، لا يرفض كل ما يُطرح، ولا يقبل كل ما يُنشر، بل يسعى إلى الفهم ضمن سياق أوسع، يتجاوز اللحظة إلى ما وراءها.
‏وفي النهاية، يمكن القول إن الإعلام الجديد لم يغيّر فقط شكل الرأي العام، بل غيّر سرعته، وأدواته، وآليات تشكّله.
‏وأصبح الوعي السياسي، بدرجة كبيرة، نتاجا لهذا التفاعل المستمر بين ما نراه، وما نختار تصديقه، وما نعيد تداوله.
‏وربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو:
‏كيف نعبّر عن آرائنا؟
‏بل: كيف تتشكل هذه الآراء في الأساس، وتحت أي تأثير؟
‏وكل عام وأعياد الوطن مباركة بسلامته وسلامة قيادته وأهله.