عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jul-2017

رحلة البحث عن السعادة في رواية «حفيد سندباد»

القدس العربي-نازك بدير
 
أين نحن.. ما هو موقعنا، ما هدفنا، إلى أين نسير؟ ما السعادة؟ كيف نفكّر؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرحها رواية «حفيد سندباد» للكاتب اليمني حبيب عبد الرّب سروري (دار السّاقي 2016) التي يقدّم من خلالها السّفرَ وسيلةَ عبور نحو الجزء الآخر الغامض من الذات البشرية، بل هو من طرق البحث عن الذات، حيث لجأ إليه نادر الذي لم يكن حنينه إلى الشرق (كمبوديا، عدن) لكونه مكانًا تقليديًّا، وإنّما في وجه من الوجوه، هو بحثٌ عن سعادة مفقودة، وإعادة خلْق واقعٍ آخر كما يشتهي. نادر مغربيّ الجذور، لكنّ عالمه لم يكن له حدود، بل قل كان يبحث عن شذرات نفسه المبعثرة في هذا العالم، ويحاول إعادة نسجها. عاش حفيد سندباد حياته رحّالةً، متنقّلا بين الموانئ والمطارات زاهدًا في الحياة، كان يبحث عن نفسه في هذا العالم المتشعّب. وكأنه كان يدرك نهايته المؤلمة، وأنّ الحياة لن تكافئه، فحرص على أن يعبَّ منها قبل أن تغدر به.
يجد «علوان»، عالِمُ الرياضيات والبرمجيات، «ماكينتوش» ملقى في القمامة، ويكتشف -عندما يفتح ملفّاته- أنّه يعود إلى صديقه أثناء الدراسة الجامعية نادر الغريب (من أصل مغربي) فيه كل ما يتعلّق بحياته. ويتداخل في الرواية الاسترجاع والاستباق، فينقل إلينا الراوي، من خلال ذلك، الصراعات الداخلية التي عاشتها الشخصيات، ونظرة عامّة إلى التمزّقات التي شهدها اليمن، وصولا إلى التفتت الذي يعصف بوحدته اليوم.
ومن خلال الاسترجاع ينقلنا علوان إلى الأجواء التي كان يعيشها الاتحاد السوفييتي قبل تفككه، من خلال تقديمه عالم الرياضيّات ديمتري الذي بقي في فرنسا بعد دعوة التكريم التي وُجِّهَت إليه.
وعلى الرغم من أنّ القارئ في هذه الرواية المستقبلية يقع على عالم الروبوتات المؤنسنة التي تتحكّم في قرارات الإنسان، إلّا أنّه سيطمئنّ في النّهاية إلى «القرية» التي أسستها والدة نادر في جنوب فرنسا، بوصفها ملاذا للذاتِ، وكأنّ الروائيّ يعيدنا بذلك إلى الطبيعة بدلا عن عالم الآلة.
قدّم الحبيب سروري في هذه الرواية طرْحًا مغايرًا على مستوى الأفكار والمضمون. وتمكّنت الشّخصيات من تحقيق برامجها، وطموحاتِها العمليّة على الأقل، وإن كان علوان قد أخفق في حياته العاطفية، لكنّ ذلك لم ينعكس على تصرفاته، ولا على علاقاته الاجتماعيّة أو العاطفيّة، أو على نظرته إلى المرأة.
والشخصيّات، في معظمها، نامية متحرّكة لا تستقر،ّ جوّالة، سواء في الواقع أو في عالم البرمجيات في حركة دائبة إلى الأمام، وهو ما يجعل المتلقّي أمام نظرة «سويّة» إلى الشّخصيّة، شخصيّة متوازنة، تحبّ، تتقبّل الإخفاق، تحلم، تنجز، تلمع، ومع ذلك تحافظ، من الداخل، على بساطتها وطبيعتها. ولعلّ اللافت للنظر في هذا الشأن هو تحّرر الشّخصيّات العربيّة في حفيد سندباد (نادر، علوان، أميمة، نماذج) من عقدة الدونية للغرب. وتمايزها وانتماؤها إلى عوالم مختلفة وطبائع متغايرة، وتاليًا إلى مصائر غير متشابهة.
تبدو فنيّة السّرد جليّةً في تركيبة الشخصيّات، وإذا صحّ التّعبير في»خلطتها»؛ فعلى الرّغم من التّقارب ما بين علوان وإيزابيل في البداية إلى حدّ يوحي إلى المتلقّي بأنّ هذين الخطين ممتدان معا، ينكسر خطّ السرد عندما تسافر إيزابيل، وتترك شريكها، لأنها أخفقت في الدخول إلى اليمن. هذا التغيّر المفاجئ في شخصية إيزابيل يضع القارئ في حالة تساؤل عن حالة الحب، وعن صدقها وعمقها، وعن المغزى منها.
أما بالنسبة إلى مايا ونادر، فهما يلتقيان في الفقْد والتخلي: كلاهما عاش المحنة نفسها. لم يعترف والد نادر أثرى أثرياء المغرب به. وكذلك العالم ديمتري تخلّى عن زوجته وطفلته مايا عندما طلب اللجوء السياسي إلى فرنسا، وتزوّج من فرنسيّة. كما أنّه لم يتجرّأ، حين مناقشة مايا أطروحتها، على الاعتراف بها ابنة له. ومن خلال شخصية علوان، تعرّفنا الرواية إلى معظم طبائع شخصيّاتها الأخرى، وإلى مجرى حياتها. وإن كان العنوان يتمحور حول شخصيّة نادر» حفيد سندباد»، الذي كان غائبًا عن مسرح الأحداث في بداية القصّ، إلّا أنّ علوان، ومن خلال مراجعته للمعلومات في «ماكينتوش» نادر، استرجع مسيرته ومغامراته ولحظات حبّه وفرحه، ناهيك عن آلامه وصولًا إلى غيبوبته، في حبكة حكائية مشوّقة. ومن جانب آخر، تسافر هذه الرّواية في عالم الروبوتات المتطوّرة، وتدخل في نظريّات الرياضيّات، وكلّ ذلك بفنيّة سرديّة تجعلك تعيش ما تعانيه الشّخصيّة من قلق وضغط، قبل المناقشة وأثناءها. يجعلك الراوي تبحر في أعماق الشخصيّة، تكتشف أسرارها، كما حفيد سندباد، المولع باكتشاف البلاد.
رواية» حفيد سندباد» رواية جديدة من حيث لغة السّرد والوصف وبناء الشخصيات، هي أشبه ما تكون بفسيفساء، انصهرت فيها جماليّات الشّرق وسرّ البحث الدّائم عن إنسانيّة الإنسان، بتقنية استشرافيّة، إلى جانب رصانة العقل والاحتكام إليه.
 
كاتبة لبنانية
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات