عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Aug-2017

هل تصاعد التوتّر بين واشنطن وموسكو مدعاة للسرور؟*جلبير الأشقر

القدس العربي-إن الصراع الحالي بين روسيا والولايات المتحدة صراعٌ بين دولتين إمبرياليتين على شاكلة الصراع الذي أدّى إلى الحربين العالميتين أكثر مما هو استمرار للحرب الباردة التي كان فيها خطاب موسكو معادياً للإمبريالية (بحلّتها الرأسمالية، علماً بأن موسكو كانت تمارس من جهتها اضطهاداً قومياً وهيمنة دولية في فلكها). وكان الاتحاد السوفييتي يدعم حركات التحرّر الوطني خارج دائرة نفوذه الخاص، بما في ذلك منطقتنا من الجزائر إلى فلسطين مروراً باليمن الجنوبي. فكان تصاعد الصراع بين القطبين العالميين في زمن الحرب الباردة يؤدي إلى تصعيد في الدعم السوفييتي لمعظم حركات التحرر. والحال أن الحرب الباردة أدّت إلى انقلاب موسكو على دولة إسرائيل بعد أن أيّدت تأسيسها، وإلى مساندة الاتحاد السوفييتي للأنظمة القومية العربية ضد الأنظمة الرجعية الموالية للغرب.
أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً بكثير بحيث أن أوساط السلطة في الولايات المتحدة ذاتها منقسمة إزاء روسيا بين من ينظر إليها بالدرجة الأولى كمنافس إمبريالي ويرى في تسعير العداء ضدها وسيلة لضمان ولاء أوروبا لواشنطن، وبين الذين يرون في بوتين في المقام الأول حاكماً غارقاً في اليمينية يشاطرون منحاه الرجعي وينظرون إليه كحليف. وتشمل الفئة الأولى غالبية المؤسسة الحاكمة وكافة المصالح الأمريكية المرتكزة إلى مواصلة استراتيجية الحرب الباردة، وهي المصالح التي حدت الرئيس الأمريكي السابق كلينتون إلى الإبقاء على الحلف الأطلسي وتوسيعه شرقاً. أما الفئة الثانية فتضمّ التيار الأيديولوجي اليميني المتشدّد في الولايات المتحدة، الذي تشكّل كراهية الإسلام إحدى سماته البارزة والذي غدا يحتل مركزاً مرموقاً في البيت الأبيض.
والمحصّلة أن قضية التحرّر الديمقراطي في منطقتنا العربية ما لها ناقة ولا جمل في هذا الصراع بين قوتين إمبرياليتين تتساويان في لهثهما وراء التعاون مع الأنظمة الرجعية الاستبدادية العربية على اختلافها. وقد تكون المعزّة التي يبديها كل من الرئيسين بوتين وترامب تجاه الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي خير دليل على ما نقول. فجلّ ما يهمنا اليوم في العلاقات بين واشنطن وموسكو هو كيف تنعكس على المعركة الكبرى في سبيل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي دشّنها «الربيع العربي». وبما أن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي كانت ولا تزال تقع في دائرة النفوذ الروسي، والدولة العربية الوحيدة التي تشهد تدخّلاً عسكرياً روسياً واسع النطاق، فمن الطبيعي أن تكون هي الساحة الأكثر تأثراً بمجرى العلاقات الأمريكية/الروسية.
فما هي إذاً معطيات الوضع السوري من منظور قضية التحرّر الديمقراطي التي انطلقت الثورة السورية على أساسها سنة 2011، قبل أن تتحوّل إلى نزاع مسلّح بين نظام قمعي مضطهِد وقوى معارضة له لا يختلف معظمها عنه من حيث القمع والاضطهاد. وقد نتج عن ذلك التحوّل أن الاحتمال الديمقراطي في سوريا بات محصوراً بالأمل في التوصّل إلى تسوية بين النظام والمعارضة، تُوقف النزاع المسلّح وتُفسح مجالاً للنضال السياسي أمام مناوئي المعسكرين. بيد أن التوصّل إلى مثل تلك التسوية كان يقضي إضعاف النظام إلى حدّ اضطراره إلى المساومة. وهذا ما حال دونه التدخّل الإيراني الميداني منذ ربيع 2013 ومن ثمّ التدخّل الروسي بدءًا من خريف 2015، بعد أن بلغ الدعم الإيراني حدوده وبات النظام مرة أخرى في وضع عسكري حرج.
في ذلك الوقت، لو كانت واشنطن متشدّدة في وجه موسكو لحالت دون التدخّل الروسي بما كان من شأنه أن يفرض المساومة على النظام تداركاً لاندحاره. إلّا أن التخاذل الذي ميّز إدارة أوباما قد شجّع فلاديمير بوتين على التدخّل في سوريا بعد تدخّله في أوكرانيا وضمّه لشبه جزيرة القرم في السنة السابقة. وكانت نتيجة تضافر جهود إيران وروسيا في دعم نظام آل الأسد أن كفة هذا الأخير رجحت في ميزان النزاع السوري، على الأخص بعد معركة حلب في خريف 2016. إثر ذلك استعدّ بوتين للتعاون مع رئيس أمريكي جديد كان يعلن للملأ رغبته تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو. فانقلبت موسكو من طرف في النزاع إلى حكَم بين أطرافه الرئيسية السورية والإقليمية، جامعةً في آستانا النظام والمعارضة وإيران وتركيا.
في هذا الإطار، كانت الصيغة الوحيدة التي بوسعها أن تحقق في آن واحد رغبة الدول الغربية جمعاء في إنهاء النزاع السوري وعودة اللاجئين ورغبة إدارة ترامب بوجه خاص في إخراج إيران من سوريا، هي اتفاق دولي يكرّسه مجلس الأمن الدولي وينصّ على انتشار قوات حفظ سلام دولية في سوريا، تشكّل القوات الروسية عمودها الفقري، كما ينصّ على خروج كافة القوى الأجنبية غير المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة بما يشمل القوات الإيرانية وحلفائها الإقليميين. ومثل هذه التسوية لو تمّت لشكّلت أفضل ما يمكن توخّيه لسوريا ولقضية الديمقراطية فيها في الأفق المنظور. وهي ترتهن طبعاً بعقد صفقة كبرى بين واشنطن وموسكو، تشمل كافة نقاط التوتّر بينهما.
ومن هذه الزاوية فإن التصعيد الراهن للتوتّر بين العاصمتين بنتيجة قرار الكونغرس الأمريكي زيادة العقوبات على روسيا ومنع ترامب من إلغائها بدون الرجوع إليه، هذا التصعيد إنما هو مصيبة علينا. فمن شأنه وأد أفق التسوية في سوريا الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق من خلال جملة بوادر، منها الاتفاق الروسي/الأمريكي الأخير على وقف النزاع في الجنوب السوري. ومن شأن ذلك التصعيد توطيد العلاقات بين روسيا وإيران وتعاونهما في الساحة السورية بما ينذر بمواصلة الحلف الثلاثي الروسي/الإيراني/الأسدي حملته من أجل توسيع رقعة سيطرته، ويُبعد بالتالي أفق إنهاء القتل والتدمير.
 
٭*كاتب وأكاديمي من لبنان
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات