عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Apr-2018

300 متر في غزة: قناصة، وإطارات محترقة، وسياج متنازع عليه

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ديفيد هالبنغر؛ إياد أبو حويلة؛ وجوغال باتل - (نيويورك تايمز) 13/4/2018
 
أصبح السياج الذي يفصل بين إسرائيل وغزة آخر نقطة اشتعال في الصراع المستمر منذ عقود؛ حيث يستخدم الجنود الإسرائيليون القوة المميتة ضد المتظاهرين العرب العزل في معظمهم، والذين تظاهروا كل يوم جمعة في الأسابيع الماضية.
استؤنفت الاحتجاجات يوم الجمعة الماضي، ويعتزم الفلسطينيون إبقاء الاحتجاجات الأسبوعية مستمرة وبأعداد كبيرة حتى 15 أيار (مايو)، عندما يخطط الكثيرون منهم لمحاولة عبور السياج الحدودي بشكل جماعي. ويحتج سكان غزة على الحصار الذي تفرضه إسرائيل، والذي ما يزال يخنق القطاع الساحلي الفقير على مدى أكثر من 10 سنوات. كما يريدون إعادة تأكيد حقوق اللاجئين وأحفادهم في استعادة أراضي أجدادهم في إسرائيل، بعد مرور 70 عاماً على تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من بلدهم في العام 1948.
من وجهة نظر إسرائيل، ليس هناك ما يبرر المطالبة الفلسطينية بحق العودة. وسوف يكون ذلك بمثابة تدمير لإسرائيل بالوسائل الديموغرافية. كما أنها تنظر إلى الاحتجاجات باعتبار أنها توفر غطاء لهجمات عنيفة. يمكن أن تُشن عليها
لا يشكل السياج الذي يفصل بين مليوني إنسان في قطاع غزة عن إسرائيل أكثر العوائق صعوبة. فمن أجل اختراق الحدود إلى داخل إسرائيل، يجب على القادم من غزة أن يتخطى حاجزاً من الأسلاك الشائكة ويقطع مسافة قصيرة، ثم عليه أن يعبر فوق -أو عبر- "سياج ذكي" يصل ارتفاعه إلى 10 أقدام، والذي يغص بأجهزة الاستشعار المخصصة لاكتشاف المتسللين. أما إذا اندفع حشد من آلاف الناس نحو السياج، فسوف يستغرق عبوره 30 ثانية تقريباً، على حد قول المقاول الذي قام ببنائه لموقع "بلومبيرغ" الإخباري.
يقول جيورا إيلاند، الجنرال المتقاعد والرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي: "إننا لا نريد أن نكون في وضع يرتِّب علينا أن نتعامل مع وجود مئات أو آلاف الأشخاص داخل إسرائيل. ذلك شيء لن نتمكن من احتوائه. ولذلك، فإن الطريق الصحيح هو التأكد من أن لا يحدث شيء للسياج".
وهذا يعني منع الناس من لمسه، حتى لو كان ذلك باستخدام القوة المميتة. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات وُصِفت في البداية بأنها غير عنيفة، فإن الإسرائيليين يقولون إنهم اكتشفوا مراراً قنابل يدوية ومتفجرات أخرى على طول السياج، وأن الفلسطينيين ألقوا في بعض الأحيان قنابل حارقة على جنودهم، وليس الحجارة فقط. وقد ردت القوات الإسرائيلية باستخدام القوة القاتلة.
ولا يعتقد معظم الإسرائيليين أن حماس؛ الجماعة الإسلامية المتشددة التي تحكم غزة والتي تدير الاحتجاجات، قادرة على الاحتجاج بشكل سلمي.
كلما اقترب المتظاهرون من السياج، أصبحت الأمور أكثر خطورة بالنسبة لهم. وقد أوضح الإسرائيليون أن الأشخاص الذين تعتقد قواتهم بأنهم "محرِّضون" سوف يشكلون أهدافاً عادلة لجنودهم. وظهرت أشرطة فيديو تعرض أشخاصاً أطلِقت النار عليهم بينما كانت ظهورهم إلى السياج، أثناء أداء الصلاة، أو من دون أن يحملوا أي شيء في أيديهم.
وفق أحد التقارير الإسرائيلية، تسمح أحدث قواعد الاشتباك للجنود بإطلاق النار على الفلسطينيين المسلحين ضمن مسافة 300 ياردة من السياج، والأشخاص العزل على بعد 100 ياردة منه. وقد أدى استخدام الإسرائيليين للذخيرة الحية إلى المطالبة بإجراء تحقيق في ارتكاب جرائم حرب محتملة.
تمركزَ القناصة الإسرائيليون فوق سواتر ترابية كبيرة، والتي يقوم مهندسون عسكريون بإعادة تشكيلها باستمرار بواسطة الدبابات المتمركزة في مكان قريب. وبعد أن أحرق المتظاهرون الإطارات لمنع الجنود من الرؤية ودفعوهم نحو السياج، أحضر الإسرائيليون مراوح صناعية عملاقة لتفريق الدخان الأسود الكثيف، واستخدموا مدافع المياه القوية لإخماد الحرائق. كما أطلق الجنود عدداً لا يحصى من وابل قنابل الغاز المسيل للدموع في محاولة لصد حشود المتظاهرين ودفعهم إلى التراجع.
يصر الجيش على أن التعليمات التي لدى جنوده هي إطلاق النار للتحذير، ثم إطلاق النار للإصابة قبل إطلاق النار للقتل. لكن وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، قال: "كل من يقترب من السياج يعرض حياته للخطر".
منطقة الصراع
بعض المتظاهرين يجلسون بينما يتجول آخرون حولهم ويندفعون في اتجاه القناصة الإسرائيليين. والبعض يخاطرون بحياتهم عندما يحاولون الوصول إلى السياج.
بين الفلسطينيين، يشكل الاقتراب من السياج إعلاناً قوياً عن روح التحدي والشجاعة والكرامة الوطنية. بل إن مصوراً فلسطينياً شرع في إعطاء المحتجين الجرحى صوراً مؤطرة تم التقاطها لهم قبل وقت قصير من تعرضهم لإطلاق النار. وقال القيادي في حماس، إسماعيل هنية، في خطاب له الأسبوع الماضي "إن المتظاهرين علّموا العالم كيف يكون الرجال".
لدى الفلسطينيين في غزة الكثير ليغضبوا بشأنه. فالاقتصاد المتدهور وأزمة الصحة العامة التي تزداد سوءاً، إلى جانب الحصار الذي دام 11 عاماً على منطقة الصغيرة مكتظة، كلها تجعل الرحيل مستحيلاً تقريباً. لكن هذه الجهود الكبيرة تُبذل في مسيرة العودة الكبرى لسبب: إن معظم الغزيين من اللاجئين الفلسطينيين أو أبنائهم وأحفادهم، والذين تعبر مسيراتهم نحو السياج عن رغبتهم في استعادة الأراضي والمنازل التي هُجروا منها منذ 70 عاماً في الحرب التي أحاطت بقيام إسرائيل.
المستشفى الميداني
عندما يتم إطلاق النار على أحد المتظاهرين، يهرع إليه آخرون وينقلونه بسرعة خارج الميدان إلى سيارات الإسعاف المنتظرة أو الخيام التي تجري فيها عمليات الفرز وتقديم الإسعافات الأولية إلى الجرحى. وأبعد عن السياج، إلى جوار الطريق المؤدي إلى وسط خان يونس، ثمة مستشفى ميداني مزود بالأطباء وما يكفي من المعدات لإجراء مداخلات جراحية باستثناء الجراحات الكبرى. وهناك خيام طبية أخرى يشغلها بشكل رئاسي متطوعون من خريجي كليات ومعاهد التمريض.
حتى يوم الجمعة، كان 34 فلسطينياً قد لقوا مصرعهم في الاحتجاجات، ثلاثة منهم دون الثامنة عشرة من العمر، بينما أصيب أكثر من 3.000 في المظاهرات، وفقاً لمسؤولي الصحة في غزة. وقد أصيب أكثر من 1.000 شخص بالرصاص الحي؛ وعانى نحو 1.000 من استنشاق الغاز؛ ونحو 300 من الإصابة بالرصاص المطاطي، وفقد ثمانية أشخاص أصابعهم أو أقدامهم.
عائلات وصلاة
تم إنشاء قرى كاملة من الخيام في ميادين الاحتجاج لتلبية الاحتياجات الأساسية للمتظاهرين. ويبيع الباعة الفلافل والمكسرات والحلويات والعصير في أكواخ مؤقتة في المكان. ومرة واحدة في اليوم أو نحو ذلك، تصل إرسالية مجانية من شرائح البيتزا أو الكعك. وهناك مناطق كبيرة مخصصة للصلاة لاستيعاب المتدينين الورعين. ويشغل صحفيو غزة ومضيفو البرامج الإذاعية خياماً أخرى.
الخيام الأقرب من السياج، والتي تظل غير آمنة من القناصة الإسرائيليين، تؤوي الشباب، بعضهم مجرد مجموعات من الأصدقاء، والبعض الآخر تضم مجموعات منظمة لأداء مهام مختلفة مثل توفير الإطارات لحرقها.
وأبعد إلى الوراء، صنعت العديد من عائلات غزة خياماً أكثر تطوراً تحتوى على البطانيات ومواقد الغاز في داخلها، والتي تخلق شعوراً بالتئام شمل ناشز لأفراد الأسرة عبر الكثير من مناطق الاحتجاج. وعند مدخل إحدى الخيام، خبزت النساء خبز الصاج على نار الحطب يوم الخميس لتوزيعه على المتظاهرين. وتم حجز خيمة أخرى، مزودة بالقهوة والأرائك المريحة في الداخل، للمسؤولين الدينيين.
صنع المنظمون في المكان شيئاً يشبه جو المهرجان، بجدول زمني قوي من الأحداث اليومية: ألعاب الكرة الطائرة وكرة القدم التي يمارسها أشخاص مبتورو الأطراف، وقراءات شعرية، وعروض موسيقية، وحتى سباقات للخيول. وتشكل فرقعة إطلاقات النار وعويل صفارات الإنذار في بعض الأحيان الإشارات الوحيدة لما يحدث على مسافة قصيرة أبعد من الخيام إلى الشرق.
الجانب الإسرائيلي
تنمو نباتات الأفوكادو والجزر ووفرة من المحاصيل الأخرى على طول حدود غزة في الجانب الإسرائيلي. ويعيش مئات من المواطنين الإسرائيليين ضمن مدى الممكن وصول قذائف الهاون من أراضي غزة في مجتمعات صغيرة للمزارعين، مثل نير عوز وكيسوفيم. ويقول الجيش إن دفاعه الشرس عن السياج يحمي هؤلاء المواطنين -ويمنع المتسللين من إمكانية خطف جندي أو اثنين -وهو تكتيك تستخدمه حماس منذ وقت طويل.
يوم 6 نيسان (أبريل)، تسلق مجموعة من الشباب في المجتمع الإسرائيلي في ناحال عوز بالقرب من غزة برج مراقبة قديم عند الطرف الغربي للمدينة، لينظروا إلى الاحتجاجات الفلسطينية وكأنهم يجلسون في مقاعد المصابين بالرعاف في لعبة للبيسبول.
تشكل مواقف السيارات المليئة بالدبابات المتمركزة أبعد خلف الحواجز مجرد جزء من الوجود العسكري الكثيف على طول حدود غزة. وثمة مشروع لبناء سور تحت الأرض بكلفة تبلغ ملياري دولار، والذي يجري تنفيذه لمنع حماس من حفر أي أنفاق أخرى إلى داخل إسرائيل يمكن أن يستخدمها المهاجمون. وتحمي بطاريات الصواريخ الإسرائيلية المضادة للصواريخ المدن الجنوبية مثل سديروت من صواريخ غزة -على الرغم من أن أجهزة استشعارها يمكن أن تنطلق بسهولة كبيرة، بحيث عادة ما تنطلق صفارات الإنذار من وقوع غارة في المنطقة لمجرد إطلاق نيران بندقية فقط.
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: 300 Meters in Gaza: Snipers, Burning Tires and a Contested Fence
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات