عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jul-2018

التمنّي فضاءً ذهنيّا

 القدس العربي-توفيق قريرة

حين تكون مخيّرا بين أمرين وتختار ما يثبت بعد ذلك أنّه لم يكن صائبا، فإنّك لن تعود أدراجك لتختار من جديد فالأمر قد «مضى قبل أن تلقى عليه الجـــوازم» كما يقـــول المتنبّي. سيكون متاحا لك أن تقول: « ليتني ما فعلت هذا وفعلت ذلك»: ستكون في دائرة التمنّي تنشئ كونا افتراضيّا من المستحيل أن يكون واقعا ولكنّه فضاء ذهني ينشأ بأدوات التمنّي. فالتمنّي لا يغيّر شيئا من الوقائع لكنّه يمكّن رغم ذلك من إنشاء كون في الذهن بديل عن ذلك الذي كان بقطع النّظر عن إمكانه أو استحالته. 
أن يكون التمنّي عملا لغويّا يعني أنّه قول نطق به المتكلم ليفعل به في محيطه ويشعر من يستمع إليه بأنّه كان سيكون أفضل لو كان مضمون التمنّي أمرا قابلا للتحقّق في زمن ما؛ لكن بما أنّ التمني فعل تواصلي فإنّ له فضلا عن عمله النفسي عملا اجتماعيّا إن في تأويله أو في تحديد درجة استحالته. تحديد درجة استحالة التمنّي شيء نابع من تجربتنا الثقافية مع الوقائع ففي تمني أبي العتاهية: «ألا ليت الشباب يعود يوما» تعبير عن درجة من الاستحالة أكبر من تلك التي في تمنّي الشابي إذ يقول: «ليتني كنت حطّابا * فأهوي على الجذوع بفأسي». تجربتنا الاجتماعية هي التي تبيّن أنّ الشباب مستحيل الرجوع غير أنّ الشاعر يكون حطّابا فهذا أقلّ استحالة إن نحن نزعنا طبعا عن البيت رمزيّته.
المستحيل هو هنا هو غير المحال فالمستحيل هو ما امتنع تحقّقه غير أنّه قد يكون ممكنا واقعا ومن المؤكّد أنّه ممكن قولا؛ ولكنّ المحال هو ما امتنع حدوثه وكان غير مقبول كلاما. وفي هذا السياق قال سيبويه في تعريف المحال :» وأمّا المُحال فأن تنقض أوّل كلامك بآخره فتقول : أتيْتُكَ غَدًا وسَآتيكَ أمْسِ» ( الكتاب 1/25). فما يجعل هذا القول محالا هو تدافع بين زمني الفعلين وزمني الظرفين ومن شأن هذا التدافع أن يقضي على الانسجام أو التناسق في الكلام فسآتيك تتناسب مع غد وأتيتك تتناسب مع أمس .
قول الشاعر لبيد بن ربيعة مثلا: (تَمَنّى ابْنَتَايَ أنْ يَعِيشَ أبُوهُمَا * وهَلْ أنا إلاّ مِنْ رَبِيعَةَ أو مُضَرْ) ليس محالا بالمعنى الذي أوردناه على لسان سيبويه بل هو مستحيل واقعا غير محال قولا وقابل للتحقّق افتراضا. البعد الاجتماعي في استحالة مضمون التمني وهو الخلود كامن في العجز عُبِّر عنه بالانتساب إلى البشريّة عبر الانتساب إلى القبيلة. القبيلة بما هي جماعة بشريّة زائلة فانية وكذلك «أبوهما» الفرد. فاستحالة الخلود معلّلة اجتماعيّا بالانتساب وبالعادة المعروفة جماعيّا. لا يكون التمني مستحيلا إلاّ اجتماعيّا أي وفق النواميس المعروفة واستحالته لا تعني على الإطلاق تعطّله بما هو إنشاء لكون افتراضي محبّب. حين يقول الممتحن الذي تفطّن إلى الإجابة الصحيحة و سجّلها على المسوّدة لكنّه عدل عنها في آخر لحظة و سجّل غيرها على ورقة الامتحان :» ليتني سجّلت الإجابة الأولى»، لم يكن موضوع التّمنّي شيئا مستحيلا قبل أن يسجّل لكنّ استحالته في كونه صارا فيما بعد قرارا نهائيّا . أغلب التمنّي اليومي هو من هذا الباب: استحالته من عدم القدرة الاجتماعيّة على تداركه أو على التراجع فيه؛ لقد نشأ التمنّي في هذا من صراع المتكلم مع انسياب الزمان بما هو حمّال أحداث ولّت ولن تعود وكانّ المتكلم ورغبة منه في كسر جبرية هذا الانسياب في الزمان وعدم تراجعه اخترع التمنّي.
أكبر الأشياء عبثية في الحياة أنّنا نختار ثنايانا الكبيرة ونحن لا قدرة لنا على الاختيار إمّا لقلة النضج وإمّا لأنّ علينا أن نختار فقط لأنّ الآخرين اختاروا. حين يمضي الزمان ولا يلتفت ونمضي معه ونلتفت ونكتشف أنّنا أسأنا الاختيار، نعيش حياتنا لكنّنا نقدر على أن نسترجع تلك اللحظة التي اخترنا فيها فنحلم بالتمني. التمني يسترجع ويعيد بناء الاختيار ويجعل الزّمن، في مستوى الذهن ، تراجعيّا. حين أريد إعادة الأشياء في ذهني وأعيشها شيئا افتراضيّا يمكن أن أبني عليها فأقول: «ليتني اخترت شعبة العلوم، لو فعلت لكنت الآن جرّاحا غنيّا، أنا لست الآن جرّاحا ولا غنيّا ولكنّي أستطيع بالتمنّي أن أبني لنفسي ما يسمّيه « فوكونياي» «فضاء ذهنيّا» لا أراني فيه كما أنا الآن بل أراني فيه كما وددت أن أكون بعد أن كرهت كونِيَ الحاضرَ. في هذا الفضاء الذهني الذي يُبنى بالتمنّي أنا ذاتان : أنا الآن واقعا (اخترت شعبة الأدب وصرت أستاذا فقيرا) وأنا الآن افتراضا ( أفترض أني اخترت شعبة العلوم وصرت جرّاحا غنيّا). يخلق التمنّي فضاء ذهنيّا سنسمّيه فضاء التمنّي المخالف لفضاء آخر هو فضاء الواقع. التمنّي يجعل من الممكن أن ندرك كونين كونا واقعيّا وآخر افتراضيّا وهذا يعني أن أكون أنا نفسي أستاذا وطبيبا معا أو قل أن تكون أنا الافتراضية غير نفسي الواقعيّة بل أن أكون أنا في فضاء التمنّي هاربا منّي أنا في فضاء الواقع. بالتمنّي أبني فضاء ذهنيا في ذهن المستمع يختلف عن الفضاء الذهني الذي في العالم الواقعي. التمنّي يربط بين صورتي الواقعية الراهنة وصورتي الافتراضية التي كنت سأكون عليها لو أني اخترت شعبة العلوم هذه العلاقة هي علاقة تداوليّة بين الصورة الواقعية النمط التي يعرفني بها الناس والصورة التي بنيتها بأدوات التمني؛ وهذه الصورة الأخيرة هي تمثيل لي بواسطة رابط التمني، رابط ذهني ينشئ فرقا بين نفسي أستاذا فقيرا ونفسي الافتراضيّة الأخرى التي تتيح لي افتراضا أن أكون جراحا غنيّا. 
لكنّ التمنّي قد لا يعبّر في سياقات أخرى عن استحالة بل عن طلب. ففي قولي متلطفا للنّادل: ليتك تناولني قهوة، دعوة لفعل شيء ممكن ولكنّ التمني يجعلها دعوة رفيعة بحكم أنّي بنيت الممكن البسيط في شكل فعل صعب التحقيق متمنّى: إنّه تعسير الممكن وجعله كالمستحيل فإذا تحقّق صار الممكن البسيط بطعم المستحيل المتحقّق. إنّ «ليت» لا تبني ههنا فضاءً افتراضيّا كما في التمنّي المحض بل هي تهذّب مضمون القول الأصلي وتلطّفه. هي إذن تخرج عن بابها الأصلي لتفيد جملة من المعاني التي ليست لها أن تفيدها في الأصل وعلى ذهن النّادل المتلقّي أن يعرف – وعبر استراتيجيا استنتاجيّة حسب عبارة «سيرل « – إنّي حين أتمنى أن يحضر لي قهوة فإنّي لا أبني كونا مستحيلا واقعا بل هو كون من مشمولات أنشطة النادل. لست أدري متى دُجّن التمني ليصبح دالاّ على أمر بديهي متاح؛ الأكيد أنّ ذلك كان بدوره أمنية بعد أن صار من العسير على المرء أن يتمنى ما لا يُدرك. عسر أختصره بعض الشعراء القدامى حين قال :» ليت شعري وأين منّي ليت * إنّ ليْتًا وإنّ لَوًّا عَناءُ». أكثر العناء من التمني نابع من أنّه دليل على أنّ مُمكنا ما كان سيكون فصار مستحيلا .
 
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسيّة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات