عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Apr-2017

ثورة أكتوبر في روسيا ما بعد الحقيقة

الغد-أندري كوليسنيكوف
 
موسكو- تعيش روسيا الآن في خضم معركة بين التاريخ الرسمي (قصة الدولة) والتاريخ المضاد (قصة المجتمع المدني وذكريات الناس). ومع حلول الذكرى المئوية لثورة أكتوبر، فإن هذا الصراع سيصبح في قلب الحياة العامة.
يشكل الرئيس فلاديمير بوتين تجسيداً للحنين -ليس إلى الاتحاد السوفياتي بالضرورة، وإنما إلى حقبة تقديس الدولة، الذي جعل الحكومة تستخدم بلغة عصرية "أخباراً كاذبة" من أجل تحقيق أهدافها. وفي واقع الأمر، يتم تذكر ثورة أكتوبر بمشاعر تفيض بالتناقض والخوف؛ حيث تبغض النخب الروسية كلمة "ثورة" التي عادة ما تعقبها ألقاب مثل "البرتقالية" أو "الملونة"، وهي بمثابة بعبع لنظام بوتين. وفي الوقت نفسه، كانت الثورة لحظة مهمة في تاريخ روسيا، مما يعني أنها مصدر للهوية الوطنية.بالنسبة للحزب الشيوعي، فإن الذكرى هي فرصة سانحة لتقديم نفسه كخليفة لتقليد طويل وعظيم من التقاليد المعادية للرأسمالية، وإن كان التقليد الآن هو عبارة عن خليط من التعاليم الماركسية -اللينينية وتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. ولكن الحزب الشيوعي لم يعد في السلطة. وبالنسبة لأولئك الموجودين في السلطة، فإن صياغة نهج متماسك لهذه الذكرى المئوية هي عملية أصعب بكثير.
نظراً للأهمية التاريخية للثورة، فإن الكرملين لا يستطيع تجنب الاحتفاء بها. ولكن، عوضاً عن محاولة التوصل إلى مصالحة بين الخصوم -الحمر والبيض- فإن من المرجح أن يقف النظام مع أحد الأطراف من أجل تطويع القصة بما يخدم مصلحته. ومن المرجح أن يكون هذا التطويع إمبريالياً.
طبقاً للطرح المتعلق بالإمبراطورية، فإن فلاديمير لينين كان عبقرياً شريراً نجح في تعطيل الأمبراطورية في وقت كانت روسيا فيه تزدهر ومليئة بالروحانية، وقام جوزيف ستالين بعد ذلك بإعادة بناء الأمبرطورية ظاهرياً على أساس الماركسية-اللينينية، لكنه قام ببنائها في الواقع على أساس القيم الروسية التقليدية المحافظة.
كان ما قام به نيكيتا خروتشوف في مرحلة ما بعد ستالين هو "إذابة للجليد". وعندما تم التخفيف من القمع والرقابة، فقد أدى ذلك إلى تقويض القيم الأساسية للإمبراطورية. كما أهمل خروتشوف عندما أعطى شبه جزيرة القرم لأوكرانيا. ولكن، منذ نهاية العام 1964 عندما تمت الإطاحة بخروتشوف، تحسنت الأمور وأصبح الروس يعيشون بهدوء وسعادة. وكان سقوط الإتحاد السوفياتي، الذي شكل تعطيلاً آخر للإمبرطورية، كارثة جيوسياسية كبيرة في تاريخ روسيا.
طبقا لهذا التفسير، فإن العصور الجليدية في التاريخ الروسي-الفترات التي ساد فيها حكم القادة بدم بارد وبقبضة حديدية– كانت جيدة للبلاد، في حين أن فترات إذابة الجليد -فترات الديمقراطية والتحديث- كانت فترات سيئة تميزت بالعنف والتعطيل. ويجب أن تعزز كل إشارات نظام بوتين إلى الحقبة الستالينية صورة بوتين كدكتاتور عصري يحب الخير، وقادر على استعادة نفوذ روسيا العالمي وجلب الازدهار لها.
دفع هذا الطرح بعض السلطات المحلية إلى بناء نصب تذكارية لستالين وإيفان الرهيب، بينما احتفت السلطات الفيدرالية بإقامة نصب تذكاري لفلاديمير العظيم الذي أدخل الأرثوذكسية إلى منطقة كييفان رس. وكان من حسن الطالع أنه يشترك بالاسم نفسه مع الرئيس الحالي.
بهذا المعنى، يكون التاريخ أقوى من السياسات؛ حيث تقوم الدعاية بالتركيز على الانتصارات العسكرية لروسيا والتي يمتد تاريخها إلى ألف عام (حقوق النشر: فلاديمير بوتين)، وذلك من أجل تعزيز صورة روسيا كقلعة محاطة بالغرب العدائي. أما الحرب العالمية الثانية التي أدت إلى ظهور ديمقراطية ليبرالية امتدت لسبعين عاما في غرب أوروبا، فيتم استخدامها في روسيا لإضفاء الشرعية على النظام الاستبدادي الحالي.
يتمثل الهدف من تمجيد الماضي في التعويض عن العواقب السياسية للأداء الاقتصادي السيء. وقد تعزز موقف بوتين بعد ضمه لشبه جزيرة القرم -وهي خطوة دافع عنها من منطلق تاريخي، على الرغم من التأثير المدمر لتلك الخطوة على الاقتصاد الروسي. وبالنظر إلى أن ذلك التأثير جاء من خلال العقوبات الغربية بشكل عام، فإن ذلك يناسب تماماً طرح بوتين الإمبريالي.
ولكن، وفيما عدا السيرة الذاتية للدولة -قصص الحرب والمدافع والقادة العسكريين ورجال الدولة والتراتبية الإدارية وبناء الإمبرطورية التي تشكل التاريخ الرسمي الروسي- فإن هناك تاريخاً آخر، وهو تاريخ الحرية الذي يتضمن قصص وذكريات لأناس عاديين ومنشقين ومفكرين مستقلين.
يسعى النظام الروسي في معركته التي يستخدم فيها التاريخ المضاد إلى أن يقوم بتأميم القصص والسير الذاتية الشخصية. وعندما انضم بوتين إلى مسيرة كتيبة "بيسميرتناي بولك" أو الكتيبة الخالدة، والتي يقوم فيها المواطنون بإحياء ذكرى أحبتهم الذين قضوا في الحرب العالمية الثانية، قام بوتين بتحويل المناسبة إلى مبادرة من الكرملين.
لكن مثل تلك الجهود لا تستطيع أن تحجب التصادم بين هذين التاريخين؛ حيث ربما ينعكس ذلك بشكل أكثر وضوحاً في الانقسام بين المحافظين والليبراليين على إدانة القمع الستاليني، كما أنه يظهر في المناقشات المتعلقة بالحرب العالمية الثانية، أو الحرب الوطنية العظمى كما يسميها الروس، وبفترة التسعينات المضطربة. وبهذا المعنى، فإن من الممكن أن ينظر إلى ذكرى ثورة أكتوبر على أنها مناسبة ثانوية على الرغم من رمزيتها الكبيرة.
مهما يكن من أمر، فإن الذكرى المئوية ستقدم لبوتين فرصة لتعزيز طرحه المفضل، وهو أن روسيا التي كانت دائماً الأعظم تحت حكم قادة وطنيين أقوياء، أخذت تعود الآن إلى العظمة بفضل القوة الذي قام بوتين بنفسه بتعزيزها. وهذا هو التاريخ على الطريقة الروسية: الاستفادة من الماضي لتحقيق أغراض تتعلق بالحاضر.
 
*هو أحد كبار المشاركين ورئيس برنامج السياسة المحلية والمؤسسات السياسية الروسية في مركز كارنيغي موسكو.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات