عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Nov-2018

صحفيون قتلى.. بلا رصاص!*علاء ابو زينة

 الغد-مرت نهاية الأسبوع الماضي مناسبة "اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين". وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد خصصت الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام للتذكير بهذه القضية. وتطلب الأمم المتحدة من الدول الأعضاء اتخاذ التدابير الواجبة لمواجهة ثقافة إفلات قتلة الصحفيين من العقاب، والعمل على تهيئة بيئة آمنة، تمكِّن الصحفيين من أداء عملهم باستقلال ومن دون التدخلات التي لا داعي لها.

تجيء المناسبة هذا العام وسط انتباه إقليمي وعالمي إلى قضية استهداف الصحفيين بمختلف أشكال الترهيب والإسكات: من المضايقة، إلى التسريح من العمل، إلى السجن، وصولاً إلى التصفية الجسدية. ويقول موقع الأمم المتحدة: "خلال السنوات الإثنتي عشرة الاخيرة (2006–2017)، قتل نحو 1010 صحفيين وهم يؤدون عملهم بنقل الاخبار والمعلومات إلى الناس. وفي 9 حالات من أصل 10، أفلت الفاعل من العقاب".(تضع "اليونسكو" الرقم في نفس الفترة عند أكثر من 2000). ويضيف الموقع: "كل عام، يحصل صحفي واحد على جائزة "بوليتزر". وكل عام تُطلق النار على مائة صحفي".
من مفارقات هذه القضية أن يكون فرط إخلاص الصحفي لشرف مهنته وحِرفيَّته وعمل ما يتطلبه عمله هي الأسباب التي تجعله موضوعاً للاستهداف. فعمل الصحفي هو التنقيب وكشف الحقائق التي يريد البعض إخفاءها. وعادة ما يكون هؤلاء نافذين، مذنبين بجرائم وانتهاكات ونهب واعتداءات على الحقوق. ولا تقل صعوبة التحقيقات الصحفية الاستقصائية وخطورتها عن تحقيقات أجهزة الأمن –سوى أن الصحفي يكون أكثر حرية –نظرياً- لأنه ليس موظفاً عند سلطات رسمية. لكن هذا الاستقلال نفسه يجعل الصحفي مكشوف الظهر، بخلاف المحققين المحميين بقوة الدولة وأدواتها.
لأن مهنية الصحفي ترتبط بكشف الحقيقة بعلاقة طردية، يعمل النافذون من أصحاب المصلحة في إخفاء الحقيقة على جعل هذه العلاقة عكسية: كلما كان الصحفي أقل التزاماً بكشف الحقيقة –أي أقل مهنية- كلما تمتع بالتشجيع والرضى وأفلت من المضايقات؛ وكلما كان أكثر مهنية، كلما ضُيقت طرقُه وأغلِقت آفاقه. وبذلك، يكون "الصحفي" المثالي في البيئات الاستبدادية هو ذاك الذي ليس صحفياً على الإطلاق، والذي لا يقترب مجرد اقتراب من المنقِّب العنيد والمبدئي عن الحقائق المختفية.
التصفية الجسدية للصحفيين بسبب عملهم هي أكثر أشكال الاستهداف تطرفاً فحسب. لكن إعاقة عمل الصحفيين بشتى الطرق قد يصل إلى معادلة الاغتيال من حيث النتيجة. فإذا استخدمت السلطات والنافذون أدواتهم لحرمان الصحفي من الوصول أو إلى الحقائق، أو منعوه من إيصالها إلى الناس إذا اكتشفها، فإنهم يحققون نفس النتيجة القتل: جعل جزء "الصحفي" فيه ميتاً وعدَماً. ولذلك، تكون التصفية الجسدية خياراً أخيراً لأعداء الحقيقة عندما يكون الصحفي المعني مبدئياً إلى حد يجعله عصياً على التخويف أو الشراء، ومنحازاً كلية لأخلاقيات مهنته وواجبه تجاه الذين ينتظرون منه تنويرهم.
إذا أمكن إسكات الصحفي بأقل من القتل؛ بتطبيعه وتعويده على الرقابة الذاتية والحذر والخوف، فإن الغاية تكون قد تحققت. ولذلك، يعرف المشتغلون بالصحافة في البيئات المعادية للحقيقة نوع القهر الذي تعنيه معرفة الحقيقة، والاضطرار إلى كتمها ودفنها وقطع النور عنها. ويواجه الصحفيون الجادون في هذه المناخات السؤال الصعب عن عبث عملهم وجدواه وهم يحاولون الملاحة في محيط من المحاذير والممنوعات والمحرمات، حتى لا يتبقى لهم سوى عمل الآلة الصماء: استقبال المعلومة الجاهزة المصرّح بإيصالها، وإعادة بثها كما هي بلا زيادة أو نقصان –وربما بعض المناوشات على الهوامش.
من المدهش أن يكون التضييق على الصحافة أكبر في عصر الإنترنت وزوال الحدود أمام المعلومة. سريعاً انهار الوعد الذي بذلته الفضاءات الرقمية، أمام شراسة الهجمة المضادة المنهجية للسلطات، سواء بإغلاق الإنترنت أو مطاردة الذين يريدون المجاهرة بالآراء والحقائق، على أسس واهية في كثير من الأحيان ولمجرد اختلاف المنظور.
سوف تصلح سوية أداء الإعلام ودرجة تمكين الصحفيين من أداء عملهم كمعايير صادقة لتقييم المنظومات والمجتمعات، صلاحاً أو فساداً. ولا مجال لأي حديث عن إصلاح أو صلاح عندما يكون الصحفيون مقتولين عملياً، صامتين كسكان القبور عندما يتعلق الأمر بقول الحقيقة –من دون إطلاق رصاصة واحدة، مع إفلات الفاعل من العقاب.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات