عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Feb-2018

الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله.. مذكرات تحسين قدري(1889–1986 م )

 دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة الثالثة عشرة تحسين قدري على أحرّ من الجمر :
الراي - هذه حال صاحب المذكرات بعد أن تورط بمحاولة الاتصال برجال الشريف حسين بن علي ، وبالفرار من مقرّ الجيش الرابع العثماني المحاصر في المدينة المنورة ، وهو الرجل الذي يتولى مهمة الشيفرة للجيش الرابع في الحجاز ، وبيده كل الأسرار العسكرية ، وهو مرافق فخري باشا قائد الجيش الرابع العثماني المحاصر في المدينة المنورة .. فقد قبض على الجندي الذي أرسله ومعه علبة الحلويات للطبيب الحلبي العربي ، طبيب المستشفى الصحراوي ، ومعه رسالة بخط يده ، يخبره فيها انه بناء على اتفاقهما فإنه جاهز للهرب من المقرّ في الوقت الذي يحدده الطبيب ، وكان الطبيب قد هرب من المقر وغادر المستشفى العسكري الذي يديره للجيش الرابع العثماني ، وتوجه إلى معسكر الشريف ..! فما الذي سيحدث لتحسين قدري وقد سلمّ نفسه بيده ، والرسالة بخط يده إدانة ما بعدها إدانة ..!
مرتّ ثلاثة أيام ، يقول تحسين قدري ( كنت على نار ولا أعلم ماذا حلّ بالجندي والرسالة ، وبعد مضي ثلاثة أيام ، فوجئت بطلب الحضور أمام فخري باشا من بعد العشاء وبغير المعتاد ، وعندما التزم بالحضور ، نظر إليه فخري باشا بغضب وقال له : - تحسين أفندي مكرسن عرب ميشك ..! أو أثاري أنت عربي ..؟
ثم قرأ الملف المرسل له من ديوان الحرب العرفي ، والذي يطلبني للمحاكمة ، وهذا معناه الإعدام رميا بالرصاص .. ولم اجبه بشيء ، وفضلت السكوت ، وعلمت أن رسالتي للدكتور والتي كانت بخط يدي وتوقيعي الشخصي ، بالإضافة إلى علبة الحلويات ، وصلت بيد المجلس العرفي العسكري حصلت دقائق من الصمت بيننا ، فاعتقدت أن لا خلاص لي من هذا المأزق إلاّ بالموت المحتم ّ ، ولكن فخري باشا نظر إليه وقال : - إنك مرافقي منذ سنتين ، وحافظ سريّ الحربي ، وكنت في أركان حربيتي بشعبة الحركات ، وبالشعبة الأولى ، ولهذه الأسباب فإنني لا أريد إحالتك إلى الديوان الحربي ، حيث كنت أعتمد عليك ، وأقدر مواهبك العسكرية والحربية ، وكنت أعتقد أنك معتمد من جمال باشا قائد الجيش الرابع ، ولم يخطر ببالي أنك عربي وثوري ، وتريد أن تترك الجيش لكي تلتحق بثورة الحسين ، أما الآن وقد علمت كلّ شيء عنك ، أطلب إليك أن تتدبر لنفسك وتنتقل إلى قطعة أخرى غير الحجاز ، لأن بقاءك هنا يشكلّ خطرا على حياتك ، وأترك لك فترة أسبوعين لكي تترك المقرّ والحجاز ..
بالتأكيد ، فإن فخري باشا حفظ لتحسين قدري إخلاصه بعمله معه ، والعجيب أنه لم يكن يعرف أنه عربي ، وأن هذا الأمر كان سببا من أسباب رفض فخري باشا لبقائه معه ، لكنه بالتأكيد موقف رجل نبيل ، لم يترك مرافقه لحبل المشنقة الذي سيلفه المجلس العرفي العسكري على رقبته .. وتنفس الرجل الخائف في مجلس العسكري الكبير الصعداء ، فشكره على هذه المنة والمبرة ، وأدى له التحية العسكرية باحترام ، وعاد إلى غرفته ، وهو يعرف أن مصيره معلق بما سيتخذ من قرار ..!
المأزق الذي لا مثيل له :
كيف له أن يخرج من عنق الزجاجة التي بدأت تطبق على صدره وتسلبه القدرة على التنفس ..؟ كيف سينام .. ؟ يتحسس رقبته ويحسّ بحبل المشنقة حولها ، ويعرف أن ما جرى كان معجزة ، وأن فخري باشا كان رجلا نبيلا ، وانه الآن وسط دائرة الطباشير وعليه أن يخرج من عنق الزجاجة في ظرف الأسبوعين ..! لمن سيلجأ ..؟ من سيساعده والعرب من كبار الضباط والإداريين يخافون من الحديث معه بالعربية خوفا من هؤلاء القادة الاتحاديين ..؟ من سيقف معه وهو هنا محاصر بالأقوياء الذين يكرهون كلّ ما هو عربي ..؟ وماذا لو عرفوا عن انتمائه لجمعية العربية الفتاة ..؟ عشرات الاحتمالات ظلت تلاحقه طوال الليل ، وهو يحاول الهرب من حبل المشنقة والزمن يهرب ، وقد بدأ العدّ العكسي ..؟
يقول تحسين قدري : ( رجعت إلى غرفتي في التكية المصرية ، مشغول البال فيما بالإمكان عمله ، وعبثا حاولت الخروج من المدينة لوحدي وبدون مساعدة احد من الثوار أو المعتمدين رغم اتصالي بالأشخاص الذين هم من جماعة الشريف ) وهنا خطر بباله أن يلجأ إلى قدري بك .. نعم إنه الرجل المناسب لحلّ هذا المأزق الصعب ، فلم يتأخر وأرسل له الرسالة التي ستفك حبل المشنقة عن رقبته وتنقله خارج الحجاز .
قدري بك كان قائد الفرقة 53 المرابطة في غزة ، كتب له تحسين رسالة وطلب منه أن ينقذه من مأزقه ،بأن يطلب نقله إليه كمرافق حربي ، ولا يدري تحسين قدري كيف مرّ الأسبوع وهو ينتظر الرد ّ .. هل ستصل الرسالة إلى قدري بك .. ؟هل سيقبل الأمر ويساعده ..؟ هل يخذله ..؟ عشرات الأسئلة التي كانت تترددّ في مساحات عقله ونبضات قلبه ، على ردّ هذا الرجل تعتمد حياة تحسين قدري .
الخروج من عنق الزجاجة :
مرّ الأسبوع الأول ، وفوجئ تحسين قدري بأن فخري باشا يستدعيه إلى غرفته ، تجمدّ الدم في عروقه وهو يهرول إلى غرفة الباشا ، قال لنفسه : هذه الدعوة هي لإحالتي لديوان الحرب العسكري .. لا شك في ذلك ..لا شك فيه .
وعندما دخل إلى الغرفة تظاهر بعدم المبالاة ، كان فخري باشا يبتسم بوجهه وهو يسلمه البرقية التي يحملها بيده ، وقال : - تحسين أفندي أيشني أية يونة قر يدك ..!
سلمني البرقية اللطيفة التي بعث بها قدري بك ، والتي يطلب فيها أن يكون تحسين قدري مرافق له . ، وهذا طلب نظامي ، حيث أن قائد الفرقة له الحق في طلب أي ضابط
كان ومن أي قطعة كانت كمرافق له ، يقول تحسين قدري :
- قرأت البرقية وعندها فقط تنفست الصعداء لخلاصي من هذه الورطة الخطرة ..ّ! وفي اليوم التالي ، أحضر حوائجه وذهب فورا إلى محطة القطار ، وأخذ معه الجندي الذي يلازمه من أنطاكيه ، وهو كما وصفه بالفعل رجل بمعنى الكلمة ، وفي غاية الوفاء متوجها بالقطار إلى دمشق .
تحسين قدري في دمشق :
اقتنع تحسين قدري بأن عليه أن يلتحق بالثورة العربية ، وعندما وصل دمشق أعطى شقيقه الدكتور احمد قدري تفاصيل الوضع الحربي ، فقام الدكتور بإرسال ما وصله برسائل إلى الأمير فيصل ، وكان الدكتور أحمد يتكفل بإرسال هذه الرسائل على حسابه الخاص ، وتكلفه الرسالة الواحدة أكثر من عشرين جنيها ، وقد كان دخله مرتفعا من عيادته بدمشق ، وقد عرض تحسين قدري على شقيقه ضرورة الالتحاق بالثورة فورا ، لكن أحمد قدري تريث لحين الاتصال بأعضاء جمعية العربية الفتاة ، واتفق الأخوان على بقاء تحسين في دمشق ، وكانت الحيلة طبية ، فقد أعطاه شقيقه الدكتور دواء ساعد في تسريع دقات قلبه ، فحصل على إجازة طبية ، وتمّ تعيينه بصورة مؤقتة لدى حسين عوني باشا بمركز مفتش منزل ، وكان مقر العمل في قصر المهاجرين ، وهو نفسه الذي تحولّ إلى مقرّ للأمير فيصل عندما دخل دمشق ، وفيما بعد وعندما شغل تحسين قدري منصب الوزير العراقي المفوض في دمشق ، استأجره مقرا للسفارة العراقية ، وأخيرا تحولّ هذا المبنى إلى مقرّ رئاسة الجمهورية السورية في عهد شكري القوتلي .. مبنى تقلبت عليه القوى السياسية ، وحمل تاريخ سورية المعاصر منذ أواخر العهد العثماني وحتى عهد الرئيس شكري القوتلي . بدأت مرحلة جديدة في حياة تحسين قدري ، وقد طرأت تغييرات على الحياة الإدارية والعسكرية ، فعين جمال باشا الصغير المعروف ب « مرسفلي جمال « قائدا للجيش الرابع ، وبقي في لبنان منشغلا باللهو ولعب القمار كما هو معروف عنه ، وعاد بعدها إلى اسطنبول ، في حين عين الألماني ليمان فون ساندرس باشا قائدا للجبهة في فلسطين ، وكان يعد للحملة الثانية على مصر بعد فشل الحملة الأولى ، فكيف أثرت هذه التغييرات   على تحسين قدري ..؟ وصلت أخبار وتقارير من ديوان الحرب العرفي عن حادثة الرسالة في الحجاز ، فطلب جمال باشا الصغير التحقيق مع تحسين قدري وهو في وظيفته بالمنزل عند حسين عوني باشا ، ويبدو انه لم يتم اتهامه بعد التحقيق ، لكن جمال باشا الصغير طلب إرساله إلى ديوان الحرب العرفي ، فقرر أن يتجه إلى زيارة مقر الأركان الحربية ليمان فون ساندرس في الناصرة ، وهو ما غيرّ في مجرى حياته ، ودفعه إلى الخطوة التي كان يتمنى أن يقوم بها .. أن يلتحق بجيش الثورة العربية الكبرى .
المقرّ الحربي في الناصرة
وزيارة شعبة الحركات الأولى : كان هاجس تحسين قدري أن يعرف طبيعة الموقف الحربي للجيش العثماني ، والواقع الحربي للثورة العربية الكبرى ، وما هية القوات التي تحضرّ لتواجه قوات الثورة العربية في الحجاز ، هذه هي الأسئلة التي كانت تدور بخلد تحسين قدري ، والذي كان بناء عليها سيتخذ القرار المصيري في حياته للتوجه إلى جيش الثورة العربية ، ولعبت الصدف دورها في تلك الزيارة ، فقد وجد في المقرّ الحربي احد زملائه في المدرسة الحربية باسطنبول ، مديرا لشعبة الحركات الأولى ، ومع أن تحسين قدري لم يذكر اسمه ، إلا أنه لاقى منه كل الترحيب والمودة باعتباره من رفاق الدراسة العسكرية ، وقد طلب منه العمل بالمقرّ وتبرع للمساعدة بنقله من مرافق في الفرقة 53 إلى ديوان أركان مقرّ ليمان فون ساندرس باشا القائد العام لجبهة فلسطين ، وقد سمح له بالبقاء معه ، وكان يتركه في المقر وحده في غرفة الحركات ، وكانت جميع مواقع الجيش وقواته العمومية مؤشرة على الخرائط أمامه ، ويبدو بوضوح أنه وثق به تماما ، ولم يشك أبدا في إمكانية استغلال المعلومات الخطيرة التي تخص الجيش العثماني ، وقد وجد تحسين قدري أنها فرصة من السماء للحصول على كل المعلومات العسكرية التي يحتاجها جيش الثورة ، لذا فقد أخذ جميع البيانات التي وجدها عن جيش الشريف فيصل بن الحسين ، وعن قوات البدو في الحجاز ، وفهم ( من البيانات أن هيئة الأركان كانت متخوفة من قطع طريق الاتصال من الصحراء على الجيش في فلسطين ، وان مصطفى كمال باشا « اتاتورك « كان قائدا للجيش ، واكتشف أن الجيش التركي كان متخوفا من حركة الشريف فيصل أكثر من تقدم الجيش البريطاني ، وذلك لأن نواحي فلسطين وخاصة الناصرة ومن غزة حتى القدس كانت أراض جبلية ، ويصعب على الجيش البريطاني العبور منها ، وكانت أكثر قوات اللنبي هي من الخيالة وفرق استرالية خيالة أيضا ،وأن قيادة ليمان فون ساندرس كانت تعطي أهمية عظمى لتأمين خط سكة الحديد الحجازية ، وكانت نقاط الارتكاز موجودة بكثرة على طول خط سكة الحديد الحجازية وفي حصون قوية ، وكلّ ذلك خوفا من الالتفاف المتوقع من قوى الأمير فيصل ، وفعلا رأيت أن التعبئة التركية مبنية على التخوف من العرب أكثر من قوة الإنجليز ، ولم تكن القوة الجوية تشكل خطرا آنذاك ، ولم يكن هناك دبابات قوية ، والعربات المصفحة كانت قليلة الأهمية الحربية ..) كلّ هذه البيانات كانت هدية من السماء لتحسين قدري الذي أخذها ، وكان عليه أن يعود إلى دمشق ، للقيام بحركة تشلّ الجيش التركي في دمشق ، ثم الذهاب إلى مقرّ الجيش الشمالي العربي بقيادة الأمير فيصل ، المرابط في أبي اللسن بين معان والعقبة ، هذه هي الخطة التي يجب أن يعتمدها ، ولذلك كان عليه أن يسافر خفية إلى دمشق ، فاحتاط وكتب ورقة إلى زميله السابق في المدرسة الحربية ، مدير شعبة الحركات في مقرّ الأركان الحربية بالناصرة ،وأبلغه فيها انه ذاهب إلى الفندق ليحضر حوائجه ، وأنه سيعود في صباح اليوم التالي ، وتوجه فورا إلى محطة القطار ، وركب أول قطار عسكري من الناصرة إلى دمشق ، مغامرا ومعه الجندي الأنطاكي المرافق له ، وكان ركوبه في القطار العسكري مغامرة حقيقية ، لأنه لا يجوز للضابط السفر بدون أن يكون في حوزته ورقة الإجازة ، وهو ما لا يملكه تحسين قدري ، فكيف كانت مجريات رحلته بالقطار العسكري من الناصرة إلى دمشق ..؟ كيف فرّ من القطار وهو يسير ورمى بنفسه أرضا ..؟ وماذا حدث له ..؟ هل اعتقل وكيف وصل دمشق ..؟ . إلى اللقاء في الحلقة القادمة ، ومعها سنتابع قرار تحسين قدري وشقيقه الطبيب أحمد قدري المصيري ، وهما يتركان دمشق للحاق بجيش الثورة العربية الكبرى .. إلى اللقاء .
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات