عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Sep-2017

غيتمو: رمز فارغ للانتقام المضلَّل

 الغد-جوزيف مارغوليس - (نيوزويك) 24/8/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
دعونا نستجمع النقاط الأساسية في أسبوع دونالد ترامب النشيط.
في بيان عن الفراغ الأخلاقي المدهش، أشار ترامب إلى أن حادثة شارلوتسفيل لم تعدُ كونها عنفاً وتعصباً دينياً "من جهة عدة أطراف"؛ وكأن عصابات "كلان" والنازيين الجدد والتفوقيين البيض لا يختلفون في الأساس عن أولئك الذين تجمعوا لمقاومتهم وشجبهم.
ثم، بعد قراءة خطاب كتبه له آخرون، لكنه لم يصدقه، عرضَ نوبة غضب متلفزة أكد فيها على ذلك التماثل الزائف بين الطرفين، تبع ذلك دفاع كامل بتغريدات "تويتر" عن المعالم الكونفدرالية.
حتى الآن، عادت عليه إعلاناته المتكررة عن السخافة والسذاجة، بالتقريع من الجهات التالية –من بين آخرين:
• مجموعة متنامية من الساسة الجمهوريين، الذين هاجمه العديد منهم بالاسم.
• قادة أعمال، بمن فيهم أعضاء في مجلسين استشاريين. 
• بعض من أهم المسؤولين العسكريين في البلد، بمن فيهم خمسة من رؤساء سابقين لهيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية.
• كافة الأعضاء الستة عشر في لجنة الرئيس للفن والإنسانيات، الذين استقالوا احتجاجاً على "خطاب الكراهية" الذي استخدمه.
• رؤساء سابقون والرئيس بوش الأب.
• جيمس مردوخ، الرئيس التنفيذي لفوكس القرن 21.
• مسؤولون أجانب من حول العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة وألمانيا وإسرائيل وغيرها.
وتضم هذه القائمة، كما قد تلاحظون، أولئك الذين كانوا من المتوقع منهم، بسبب الموقف أو الأيديولوجية، أن لا يجاهروا بالنقد على الأقل.
وهكذا، وفي ضوء هذه العاصفة النارية، يبدو من المعقول فقط أن يقوم البيت الأبيض بتسريب نواياه لإثارة قضية راهنة مهمة بحق: توسيع السجن الأميركي في خليج غوانتنامو.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً أن البيت الأبيض يراجع مسودة أوامر تنفيذية من شأنها أن تفضي إلى مأسسة وزيادة الاعتماد على السجن سيئ السمعة.
 
حقيقة غوانتنامو
للعديد من الأعوام، كان العمل الحقيقي الذي يؤديه سجن غوانتنامو للحياة الأميركية رمزياً. وقد تم تصور السجن وتصميمه وبناؤه ليكون بمثابة حجرة الاستجواب المثالية –التي لا يمكن أن يصل إليها الجمهور ولا يشرف عليها النظام القضائي.
 لكن المحكمة العليا سمحت للمعتقلين في المعتقل بالطعن في اعتقالهم في العام  2004 (كشف تام: كنت محامياً رئيسياً في تلك القضية،" روسيل في مقابل بوش")، وأعادت التأكيد على ذلك الحق في العام 2008. ومن ذلك الحين، لم يخدم السجن الهدف الأصلي الذي كان قد أنشئ لأجله.
وفي هذه الأثناء، تم الإفراج عن الغالبية العظمى من السجناء في قاعدة غوانتانامو. وأرسل الرئيس جورج دبليو بوش أغلبهم إلى أوطانهم؛ وأرسل الرئيس أوباما عدداً أقل بكثير منهم إلى بلدانهم. وبحلول الوقت الذي غادر فيه أوباما البيت الأبيض، لم يكن قد تبقى في سجن غوانتنامو سوى 41 رجلاً فقط.
ولم يتغير ذلك الرقم منذ تولي خلفه الرئاسة. وبعد تقييدهم واعتقالهم لأكثر من عقد واعتقالهم خلال مناخ أمني مختلف جداً، لم يعد هؤلاء السجناء القليلون مصدراً للمعلومات، لو كانوا كذلك في أي وقت. إنهم مجرد سجناء وحسب. سوى أنهم، على العكس سجناء آخرين في الولايات المتحدة، لم يدانوا بارتكاب جريمة على الإطلاق.
لم يوجه الاتهام سوى لنزر يسير منهم، ولن يتم اتهام معظمهم أبداً. لذلك، وفي التحليل النهائي، يعتبر غوانتنامو ببساطة سجناً صغيراً جداً ومكلفاً جداً. وبقولي إنه مكلف جداً أعني حقاً أنه مكلف بطريقة فلكية.
مع نهاية العام 2015، كانت الولايات المتحدة قد أنفقت حوالي 5.7 مليار دولار على عمليات الاعتقال في غوانتنامو. ولا يتضمن ذلك الكلفة في المعسكر رقم 7 حيث يُحتفظ بسجناء يوصفون بأنهم أصحاب "قيمة عالية". وكانت التكلفة في العام 2015 وحده حوالي نصف مليار دولار.
تجدر الإشارة إلى أننا نتوافر على الكثير من فضاء السجون الفيدرالية غير المستخدمة في الوطن الأم، حيث نستطيع الاحتفاظ بهؤلاء السجناء الرجال الـ41 في أمن تام بجزء صغير من الكلفة. ونحن ندفع كل عام أكثر من 10 ملايين دولار عن كل نزيل في غوانتنامو؛ وبأمان، نستطيع إيواء إرهابيين مدانين في مرفق "سوبر ماكس" في فلورنسا بكلفة تصل إلى 78.000 دولار لكل نزيل في العام.
مع ذلك، وبالرغم من عدم صلته المفرطة كسجن، يعتبر غوانتنامو مهماً بشكل كبير -ليس كسجن وإنما كرمز. بالنسبة لأعدائنا يُعتبر رمزاً قوياً لنفاقنا ويشكل ذخيرة لمجندي الإرهاب –على غرار فضيحة التعذيب في أبو غريب. وهو بالنسبة لحلفائنا رمز قوي بنفس المقدار لقيمنا المفقودة، وعلامة على أننا لم نعد البلد الذي أعتقدوا بأننا كنا نمثله.
لكنه يشكل بالنسبة لشريحة معينة من الجمهور الأميركي رمزاً للامبالاة الذكورية -وحتى العدائية- للقواعد القانونية والرأي العالمي. وهم يشكلون الجمهور.
رمز غوانتنامو
يشكل تعهد ترامب بالحفاظ عليه -بل في الحقيقة بتوسيعه، وبينما نحن بصدد مشاهدة "الكثير من الأسوأ من الإيهام بالغرق"، كما وعد خلال حملته الانتخابية- يشكل ذلك عامل جذب لقاعدته المتأرجحة. وإذا ما كانت هناك لحظة يحتاج فيها من داعميه أن يقوموا بالتطبيل على الأواني والحمى التي يغذيها الإعلام، فإن هذا هو الوقت.
عبر قرع طبول غوانتنامو، وخاصة في أعقاب الهجمات المأساوية في برشلونة، يأمل ترامب في التخلص من بعض الانتقاد الذي يستحقه بجدارة، وتشتيت انتباه الناس عن الالتفات إلى عجزه الساطع في "الاستقرار" و"الكفاءة".
وإلى جانب ذلك، ليس الأمر كما لو أن لديه شيئاً أفضل لعمله، ماذا عن كوريا الشمالية قبل الخلود للنوم؟ أتتذكرون كوريا الشمالية؟ قبل أيام قليلة كنا على وشك ضربهم على ما يبدو بالسلاح النووي حتى نحيلهم إلى فُتات.
ثم هناك روسيا. والصين. والفضاء السيبراني. والمستشار الخاص. والبنية التحتية المنهارة. وحروب التجارة. وجرائم الكراهية. والعداوة العرقية. وأزمة الاستخدام المتسارع لحبوب منع الحمل. وارتفاع معدلات الانتحار. وتدني معدلات الأعمار. والبطالة المزمنة.
نعم، بكل المعايير دعونا نعيد النظر في غوانتنامو، سجن الجزيرة الصغير الذي يؤجج نار خصومنا ويغيظ حلفاءنا ويجفف خزينتنا من دون أن يتقدم بأمننا القومي قيد أنملة. هذا بالضبط هو ما نحتاج.
كانت الرموز موجودة دائماً في السياسات، وهو ليس أول سياسي ينتهز وجود رمز على أمل أن يحول الانتباه عن المسائل التي تهم حقاً. وفي الحقيقة، كانت هذه الممارسة مألوفة جداً لدرجة أن المرء قد يستخدمها كاختزال لثقافتنا السياسية –كل شيء رمز، ولا جوهر.
لذلك السبب، لو كان غوانتنامو رمزاً صرفاً، فإنه قد يغوينا تجاهل هذا ببساطة باعتباره من نوع السياسات الأميركية. لكن ثمة مجموعة لا يشكل السجن بالنسبة لها رمزاً على الإطلاق.
من الطبيعي أنني أشير هنا إلى الـ41 معتقلاً المسجونين في أقفاص من دون أي أمل واقعي بالحصول على فرصة عادلة لاختبار عدالة اعتقالهم. بالنسبة لهم، هو سجن حقيقي جداً.
أعترف بأنني أمثل واحداً من هؤلاء الرجال. ثمة العديد من الناس في هذا البلد سوف يقولون، وبتحمس كبير، أن بإمكان موكلي وكل الرجال المسجونين في قاعدتنا الأمامية الكوبية القصية أن يتعفنوا في جهنم. وفي الحقيقة فإن عدداً جيداً منهم سوف يعلق على هذا المقال، ويقولون إن هؤلاء الأشخاص يجب أن يلاقوا صنوف العذاب أولاً قبل أن يواجهوا موتاً مؤلماً.
شهوتهم النهمة لسفك الدماء هي التي تفسر بالضبط لماذا يجد الرئيس فيه الرمز غير القابل للمقاومة، وصرف الانتباه المرحب به جداً. وهكذا سيظل على الدوام.
 
*أستاذ القانون وأصول الحكم في جامعة كورنيل. وهو مؤلف "ماذا تغير عندما تغير كل شيء: 11/9 وصنع الهوية القومية" (ييل 2013) وهو أيضاً محامي أبو زبيدة الذي من أجل التحقيق معه كتبت مذكرة التعذيب.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Gitmo: An Empty Symbol of Misguided Vengeance
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات