الراي-ثمة ما يثير الاعجاب في شخصية الصديق الباحث نواف الزرو، وهنا لا اتحدث عن هدوئه اللافت وطيبته الزائدة بقدر ما اود الاشارة الى قدرته المدهشة ومثابرته والدأب الذي هو عليه، رغم الصعاب التي يواجهها وهي ليست مالية فحسب، ورغم ما يواجهه من عنت وخذلان على اكثر من موقع ومحطة، لم تبدأ بمحاولة الآخرين السطو على جهوده ونسبها الى انفسهم، واذا ما اعيتهم الحيلة، فإنهم يطرحون «المشاركة» ويقاسمونه ليس فقط العوائد المادية – على ندرتها – وانما ايضاً الظهور بمظهر الباحثين والنشطاء الوطنيين الذين يتصدون للمشروع الصهيوني الكولنيالي الاحلالي..
جديد نواف الزرو كتاب ضخم يتجاوز الألف صفحة من القطع الكبير ويأتي في اطار المشروع «الشخصي» الذي عكف عليه منذ اختار له العنوان الرئيسي المثقل بالدلالات والمعاني والمقصود (كما يجب التذكير) «موسوعة الهولوكوست الفلسطيني» في بابها العريض الهولوكوست الفلسطيني المفتوح – اختلاق (اسرائيل) وسياسات التطهير العرقي .. والذي كان صدر منها الجزء الاول من موسوعة الهولوكوست الفلسطيني المفتوح في العام 2008، دشن من خلاله الزرو مشروعه الطموح، الذي يكاد لا يختلف اثنان على انه وان كان طُموحاً مشروعاً ونبيلاً، الا ان شخصاً واحداً مهماً كانت ارادته وشغفه ومنسوب التضحية لديه، غير قادر على النهوض به دون دعم (حتى لا نقول الكلمة المبتذلة مساعدة) من جهات ومؤسسات ذات صلة بالمشروع او مستعدة لتوفير الدعم المالي واللوجستي والبحثي..
وبخاصة ان الباحث نواف الزرو يواصل العمل على مشروعه، رغم تلك العقبات التي لم تعد في ايامنا هذه سهلة التجاوز لأسباب عديدة، ذاتية وموضوعية وخصوصاً بعد الفشل الذريع الذي لحق بمشاريع وخطط تم الترويج لها بكثافة واتساع افقي وعامودي تحت عنوان «اعرف عدوك» ما لبثت ان بقيت حبيسة الادراج او ضحية للبيروقراطية والكسل السياسي والثقافي والميوعة الوطنية، فضلاً وهذا هو الاساس، أن مَنْ تنطحوا لتلك المهمة النبيلة، لم يقصدوا استكمالها او التأسيس لها بقدر ما ارادوا استثمارها للفت الانظار واكتساب «المجد» الاعلامي (الزائف بالطبع) والتقرب من جهات وحكومات ومنظمات وفصائل ودائماً في تضخيم ارصدتهم البنكية والاتّجار بمشروعات وهمية تجد من يصغي لها ولا يتردد في سحب دفتر شيكاته و»التبرع» مقابل شكر او اعلان في صحيفة او مأدبة على شرفه (وبأمواله)..
يصعب – كما انه ليس في نيتي – تقديم عرض لهذا المجلد الضخم الغني بالمعلومات والصور والوثائق والاحصاءات وتوثيق الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني سواء في اغتصاب ارضه وتدمير ممتلكاته وبناه التحتية ام في تشريده وقتله والطمس على تاريخه وحضارته وثقافته وتقاليده وفولكلوره، كما يصعب التعليق عليه في شكل شامل ومنهجي، لأن الانتقائية في التناول، لا تضيء على المشهد المتكامل الذي ذهبت اليه الموسوعة والاهداف الوطنية النبيلة التي رمى اليها الباحث.
ولعل ما يمكن اعادة التأكيد عليه، هو ما كتبه الصديق نواف الزرو في معرض تقديمه للكتاب «.. لفت انتباهي واثار ذهولي، خبر قرأته في صحيفة هآارتس العبرية تحت عنوان : نكتب كي لا ننسى.. حتى لو لم يكن هناك من يقرأ .. وجاء في الخبر - يواصل الزرو – أن مؤسسة «يد فشيم» أي متحف المحرقة اليهودية في القدس، تصدر سنوياً 200 كتاب مذكرات شخصية ليهود عايشوا – على حد زعمهم – الكارثة اليهودية»..
هنا في هذا الاقتباس تبرز طبيعة التحدي الذي انتدب نفسه نواف الزرو لمواجهته، رغم كل ما يعانيه من مصاعب في هذا الشأن، واحسبه يحس برضى كبير ومتعة أكبر عندما يرى «وليده» الأخير الذي يحمل الرقم «28».. في سلسلة الكتب والأبحاث التي اصدرها حتى الآن.
فله كل التحية والتقدير على جهده الموصول الذي يساعدنا «كي لا ننسى ولا نغفر ... حتى لو لم يكن هناك من يقرأ»..