|
ميدل ايست اونلاين ـ أحمد فضل شبلول - نجيب الريحاني: كانت أجرة المترو عشرة مليمات في الذهاب ومثلها في الإياب، فأين لي العشرون مليما أدفعها. فستقرأ مذكرات نجيب الريحاني كأنك تراه في أحد أفلامه الخالدة. العبارات نفسها التي نسمعها في هذه الأفلام نراها على صفحات مذكراته. وهذا يدل أن على شخصية الريحاني في أفلامه ومسرحياته هي شخصيته في كتاباته.
القفشات والإفيهات وخلط العامية المصرية بالفصحى المبسطة والصراحة والوضوح وبساطة الشخصية وخفة دمها هي ما يميز الجزء الأول من مذكرات الريحاني التي انتهت دون أن يذكر شيئا عن أفلامه المتعددة، وكيف وصل إلى الشاشة الفضية، ويصبح أحد نجومها اللامعين. ذلك أنه اعتمد في هذا الجزء على سرد ما يتعلق بالمسرح وكيف كان طريق إليه محفوفا بالفشل الدائم لأنه أصر أن يكون ممثلا مسرحيا تراجيديا، فلم يفلح.
عندما اكتشف الآخرون في الريحاني أنه ممثل كوميدي من الطراز الأول لم يكن هو يرى في نفسه ذلك، وكان يصر على أداء الأدوار التراجيدية التي كان يؤديها بنوع من الكوميديا دون أن يدري. وكان هذا هو سر شقائه في البداية وسقوطه، بل طرده من أكثر من فرقة مسرحية، إلى أن اكتشف شخصية "كشكش بيه" التي كانت فاتحة الطريق لمجد فني عريق مازلنا نتذكره.
ومن هنا قامت دار المدى للثقافة والنشر بدمشق بإعادة إصدار مذكرات نجيب الريحاني التي سبق أن أصدرتها دار الهلال عام 1958 بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاة الريحاني كما ذكر الفنان بديع خيري في مقدمة الكتاب.
ويعد بديع خيري توأم الروح الفني لنجيب الريحاني فقد حققا معا مجدا فنيا لا ينسى، وقدما معا عشرات المسرحيات الناجحة على مسرح الإجيبسيانة التي لا زلنا نتذكرها حتى الآن، فضلا عن الأوبريتات التي شارك في تلحينها والغناء بها الموسيقار خالد الذكر سيد درويش، مثل "العشرة الطيبة" و"فشر" و"رن" وغيرها.
ولا يخجل نجيب الريحاني (ذو الأصول العراقية المسيحية من ناحية الأب، والأصول المصرية من ناحية الأم) من سرد معاناته في المعيشة وعدم وجود القرش معه لركوب المترو الذي ينقله من وسط البلد حيث العمل والمسارح إلى مصر الجديدة حيث كان يقيم، وأحيانا لا يجد ثمن العشاء.
يقول "لم نكن نعمل طيلة أيام الأسبوع، بل كنا نكتفي بثلاث ليال فقط. كنت أحصل في أثنائها على مبلغ يتراوح بين الاثني عشر والأربعة عشر قرشا أسبوعيا. أما بقية أيام الأسبوع، فقد كانت تشغلها البروفات، والبروفات بالطبع لا أجر عليها.
كنت أسكن كما سبق القول ـ في مصر الجديدة ـ وكانت أجرة المترو عشرة مليمات في الذهاب ومثلها في الإياب، فأين لي العشرون مليما أدفعها للحضور والعودة في أيام البروفات".
ويكشف الريحاني عن سر عشقه للتمثيل والمسرح، إنه الشيخ بحر الذي كان يسر كثيرا عندما كان يلقي التلميد نجيب الريحاني بعض المحفوظات بصوت جهوري ونبرات تمثيلية وإشارات تفسيرية، وما إلى ذلك مما كان يعتبره الشيخ نبوغا وعبقرية. ومن ثم تكلفه المدرسة بين وقت وآخر بتمثيل بعض الروايات على مسرحها.
غير أنه عندما بدأ يخرج للحياة العملية كانت بدايته موظفا في البنك الزراعي بالقاهرة مع الفنان عزيز عيد الذي لم يمنعه عمله من موالاة التمثيل، فألف فرقته التمثيلية وكان يسند بعض الأدوار الثانوية الصغيرة لنجيب الريحاني الذي رفت من عمله في البنك لكثرة تغيبه، وعندما تنفد فلوسه يضطر للعمل موظفا ولكنه هذه المرة في نجع حمادي بالصعيد، ويرفت ويعود ويستقيل وتلطش به الدنيا. وعندما يجد مالا في يديه ينفقه على السهرات المسرحية، ويشاهد فرقة جورج أبيض ويتوسع في الإنفاق هنا وهناك كمن ينتقم من أيام "الجفاف" التي أمضاها في الصعيد.
يقول عند نهاية إحدى إجازاته من عمله بالصعيد "لم تأت نهاية الإجازة إلا بعد أن أتت على آخر قرش أبيض من قروشي المدخرة للأيام السوداء. وأخيرا اقترضت أجرة القطار إلى نجع حمادي في الدرجة الثالثة يعني (ترسو) وكان الله بالسر عليما".
وهكذا تمضي الأيام بالريحاني إلى أن يحزم أمره ويتفرغ للتمثيل، ويجعله قضية حياته، فكان في البداية يكتب ويؤلف ويخرج ويمثل من واقع أحوال الناس وقضاياهم اليومية ولكن في إطار كوميدي، فينج نجاحا كبيرا، ويكوّن فرقته "فرقة الريحاني" ويزداد جمهور مسرحه، ثم يلتقي ببديع خيري الذي يكتب مسرحياته بعد ذلك، ليكونا أشهر ثنائي مسرحي في تاريخ المسرح المصري.
وينتهي الجزء الأول من مذكرات نجيب الريحاني بتحقيقه مكسبا قدره 70 % من إيراد التياترو الذي كان يعمل فيه في عام واحد، وكان عشرين ألف جنيه تقريبا قائلا: "فآخ ..آخ من زمان وفلوس زمان".
ولكن لا أدري ما علاقة نجيب محفوظ بمذكرات نجيب الريحاني. لقد كتب في الصفحة رقم 3 من الطبعة التي في يدي من سلسلة "كتاب للجميع" والتي توزع مجانا مع عدة جرائد عربية منها: "القاهرة" في مصر، و"القبس" في الكويت، و"السفير" في لبنان، عبارة (بقلم: نجيب محفوظ) والمقصود بقلم: نجيب الريحاني، وقد لزم التنويه حتى لا يتكرر الخطأ نفسه مع الجزء الثاني من مذكرات نجيب الريحاني التي بالتأكيد سيتعرض فيها لمشواره مع السينما التي وصل فيها إلى القمة، حيث يختم من خلالها مشواره الفني بل حياته كلها عام 1949 بفيلم من أهم أفلام السينما المصرية وهو "غزل البنات" مع ليلى مراد وأنور وجدي ويوسف وهبي ومحمود المليجي وفريد شوقي، وهند رستم.
أحمد فضل شبلول ـ الكويت
|