| دمشق ـ الدستور الثقافي ـ محمد ديبو - يصدر ، قريبا ، عن دار الساقي في بيروت ، كتاب جديد للمفكر السوري جورج طرابيشي ، يحمل عنوان "من إسلام القرآن الى إسلام الحديث ـ النشأة المستأنفة".
ويتابع طرابيشي ، في هذا الكتاب ، تجواله النقدي في أروقة التراث الإسلامي ، وهو التجوال الذي بدأه منذ ربع قرن تقريبا ، مع بداية نقده لمشروع الجابري الفكري.
وقال جورج طرابيشي ، المقيم في باريس ، في تصريح خاص لـ "الدستور" حول كتابه الجديد: "يتراءى لي أن هذا الكتاب أهم وأخطر ما كتبته في حياتي الفكرية ، وقد اقتضى مني العمل ست سنوات متواصلة ، قارب خلالها ما طالعته من كتب التراث ألف كتاب ، ومع ذلك أشعر أنني مقصر ، إذ اضطررت إلى الاختصار بعد أن تجاوز حجم الكتاب ستمئة صفحة".
ويرصد طرابيشي بهذا الكتاب الآليات الداخلية لإقالة العقل في الإسلام ، خاتما بذلك سلسلة مشروع "نقد نقدً العقل العربي" ، الذي كرس قسما كبيرا منه لنقد المشروع الجابري في قراءة التراث.
وعن مكمن الخطورة في الكتاب ، أجاب طرابيشي: "الخطورة في هذه النقلة بالمرجعية في الإسلام من القرآن إلى الحديث تتمثل في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي ، ففي القرآن لم يكن هناك من مشرًّع سوى الله وحده ، ولم يكن من نصاب للرسول سوى أنه مشرَّع له ، ولكن مع الحديث لم يحوَّل الرسول إلى مشرًّع فحسب ، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه قد نصّبوا أنفسهم ، في الواقع ، مشرًّعين له كما لله تعالى.
وشرح طرابيشي أن إسلام الصدر الأول ركّز كل مجهوده "الإبستمولوجي" على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول ، وأما إسلام القرون التالية قد صرف كل جهده ، بالمقابل ، إلى تثبيت السنة ، أي الحديث المنسوب إلى الرسول ، في نص مؤسس ثانْ ، من خلال المقولة الشهيرة ، التي ما فتئ يرددها ، بصوت واحد ، الإمام الأوزاعي في القرن الثاني والإمام الشاطبي في القرن الثامن ، من أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ، ولم يجئ الكتاب قاضياً على السنة.
وبيّـن طرابيشي ، في كتابه ، أن عدد الأحكام الملزمة للمكلّف في القرآن محدود للغاية: أما المدوّنة الحديثية ، التي حكمها قانون التضخّم المتسارع ، فتتضمن آلافاً وآلافاً من الأحكام ، وعلى هذا النحو يكون المكلّف في الإسلام قد تحوّل إلى ما يشبه الإنسان الآلي الذي لا يتحرك في كل نأمة من نأماته إلا بالنصوص التي تتحكم بكل ما جلّ ودقّ من شؤون حياته العامة والخاصة.
ويختم طرابيشي بالإشارة إلى أن "ما سبق حكم على العقل العربي الإسلامي ، ابتداءً من القرن الخامس الهجري ، بالإنكفاء على نفسه وبالمراوحة في مكانه في تكرار لا نهاية له: وهذا أيضاً ما سدّ عليه الطريق إلى اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم وما يستتبعانه من تغيّر في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي: وهذا ما أسّسه أخيراً في ممانعة للحداثة تنذر في يومنا هذا بالتحوّل إلى ردّة نحو قرون وسطى جديدة.
يذكر أن طرابيشي متفرغ للكتابة النقدية ، وله العديد من الكتب والأبحاث ، منها: "هرطقات 1" ، "هرطقات 2" ، "المعجزة أو سبات العقل في الإسلام" ، وسبق له التنقل بين محطات فكرية متعددة من القومية إلى الشيوعية والفرويدية فالليبرالية ، دون أن يستقر على أية منها ، ليأخذ من كل ما سبق زاده المعرفي الذي جعل من كتاباته حقلا مفتوحا لأينع الأفكار.
|