الغد-عزيزة علي
تناول الدكتور سمير حاج، في محاضرة بعنوان "جبرا إبراهيم جبرا، مبدعًا موسوعيًا"، تجربة الأديب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا بوصفه أحد أبرز المثقفين العرب الذين جمعوا بين الرواية، والقصة، والشعر، والنقد، والترجمة والفن، وساهموا في تطوير الرواية العربية الحديثة والانفتاح بها على التجارب الأدبية العالمية.
جاء ذلك في المحاضرة التي نظمتها الجمعية الفلسفية الأردنية، ضمن فعاليات ملتقى الثلاثاء الثقافي، في مقر الجمعية أول من أمس، وأدارها الروائي جهاد الرنتيسي.
وركز حاج على الحضور الفلسطيني في أعمال جبرا، ولا سيما القدس وبيت لحم، وما ارتبط بهما من ذاكرة وحنين ووجع ناتج عن النكبة والاقتلاع والاغتراب. وأوضح أن شخصيات جبرا، رغم نجاحها في المنفى، ظلت مشدودة إلى الوطن والجذور، وأن حلم العودة شكّل محورًا أساسيًا في عدد من رواياته.
كما تناول المحاضر رؤية جبرا الثقافية القائمة على الانفتاح على العالم ورفض الحدود بين الشرق والغرب، وإيمانه بالإنسان الكوني وبالحضارة الإنسانية بوصفها كلًا متكاملًا. وتوقف عند عدد من التقنيات السردية التي وظفها، ومنها "طريقة المرايا"، المتأثرة بويليام فوكنر، حيث تكشف الشخصيات ذواتها من خلال رؤيتها للآخرين.
ووضع حاج تجربة جبرا في سياق الرواية الفلسطينية، إلى جانب غسان كنفاني وإميل حبيبي، موضحًا اختلاف طرائقهم في التعبير عن القضية الفلسطينية بين الثورة والفعل، والصمود في الوطن، والحنين والحلم بالعودة، مؤكدًا أن فلسطين ظلت في تجربة جبرا بوصلة للذاكرة والهوية وركنًا أساسيًا في مشروعه الأدبي.
قال حاج: "إن جبرا إبراهيم جبرا يُعدّ نموذجًا بارزًا للمثقف العربي الموسوعي والكاتب العابر للأنواع الأدبية؛ فقد جمع بين الرواية، والقصة، والشعر والنقد، إلى جانب مشروعه الترجمي النهضوي وبراعته في الرسم".
وأشار إلى أن جبرا تميّز ببناء روائي متين وهندسي، جعل من أعماله، ولا سيما روايتي "السفينة"، 1970، "البحث عن وليد مسعود"، 1978، نموذجًا للرواية العربية الحداثية، لما اعتمدته من تقنيات سردية جديدة مستلهمة من تجارب روائيين غربيين، مثل جيمس جويس وويليام فوكنر وفرانز كافكا.
وأضاف أن أعمال جبرا الروائية، تزخر بمخزون ثقافي متنوع يشمل الميثولوجيا، والفلسفة، والموسيقا، والأديان، والآداب العالمية، والفنون، والتاريخ والجغرافيا، وتُقدم بلغة شاعرية وبناء زمني متشظ، ما يمنحها خصوصيتها الفنية والفكرية.
وأضاف حج أن أعمال جبرا تزخر بمخزون ثقافي واسع، يتداخل فيه الأدب، والفلسفة، والميثولوجيا، والموسيقا والأديان والفنون والتاريخ والجغرافيا، ضمن لغة شاعرية وبناء زمني متشظٍّ، الأمر الذي منح رواياته خصوصيتها الفنية والفكرية، وجعل شخصياتها حافلة بالمعرفة والانشغالات الفكرية والقضايا الحضارية.
وأشار المحاضر، إلى أن روايات جبرا تحمل الوجع الفلسطيني بكل ما ينطوي عليه من قتل واقتلاع وتغريب وتشتيت ومعاناة، إلى جانب انشغالات المثقفين العرب ونزعاتهم الذاتية وأوهامهم في إحداث التغيير داخل مجتمعاتهم البعيدة عن ركب الحضارة.
ورأى أن جبرا حمّل هؤلاء المثقفين مسؤولية قيادة حركة التغيير، لكنهم سرعان ما اصطدموا بعجزهم، وارتدّ صراخهم "في البرية"، دون أثر، ما دفعهم، بعد الإحباط، إلى الهرب والهجرة إلى الغرب، كما في رواية "السفينة".
غير أن هذا الهروب لم يكن خلاصًا؛ إذ عادوا اضطرارًا إلى أوطانهم، في إشارة إلى استحالة الانفصال عن الجذور ومواجهة القضايا الأصلية. ويوضح جبرا ذلك بقوله: "إن الهروب في "السفينة"، يمثل محاولة للابتعاد عن التجربة الحقيقية، لكن الشخصيات تكتشف في النهاية أنها تحمل "تجربة الصخر"، في أعماقها، وأن خلاصها يكمن في العودة إلى أرضها ومواجهة قضيتها".
في عالم بلا حدود وبلا خرائط أراد جبرا إبراهيم جبرا أن يكون جزءًا من العالم والعصر، مؤمنًا بأن العيش في هذا العالم يقتضي شمولية المعرفة والثقافة والحس، بما تستلزمه من وعي عميق بالتاريخ والجغرافيا معًا. وأوضح في هذا السياق: "أن تعيش في هذا العالم، وفي هذا العصر، يعني أن تكون شمولياً بمعرفتك، وثقافتك وحسك، والشمولية تقتضي العمق التاريخي والجغرافي معًا".
أما في قضايا الثقافة، فقد رفض جبرا، بحسب المحاضر، إقامة حدود وفواصل بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب، انطلاقًا من إيمانه بأن الحضارة الإنسانية، في جوهرها، "كل لا يتجزأ"، بصرف النظر عن المعتقد أو العرق أو اللغة، وأن الفارق الحقيقي هو بين المعرفة واللامعرفة؛ لأن اللامعرفة، في نظره، انتقاص من الإنسان أينما كان.
وحذّر جبرا من خطورة الجهل حين يتحول إلى سلطة تقمع المعرفة، مستشهدًا بحوادث تاريخية، منها ما تعرّض له الطبيب والفيلسوف أبو بكر الرازي، وما واجهه غاليليو بسبب قوله بدوران الأرض حول الشمس. ومن هذا المنطلق، آمن بفكرة "الإنسان الكوني"، رافضًا الانغلاق داخل حدود جغرافية أو ثقافية ضيقة، ومستعيدًا مقولة هاملت "اتساع العالم أمام الإنسان لولا الأحلام المزعجة التي تحاصره".
وأكد هذا التصور أن مشروع جبرا الثقافي لم يقم على ثنائية الشرق والغرب، بل على الانفتاح على الثقافة الإنسانية بوصفها فضاءً مشتركًا، تتفاعل فيه المعارف والتجارب بعيدًا عن الحدود والخرائط.
ورأى حاج، أن جبرا تعلق بالجذور "القدس وبيت لحم"، حيث ظل مرتبطًا بجذوره في القدس وبيت لحم، وهو ما انعكس في أعماله الروائية التي حضرت فيها القدس بأحيائها وشوارعها، إلى جانب المأساة الفلسطينية وحنين الفلسطيني إلى وطنه.
ويظهر أبطال جبرا، رغم نجاحهم في الغربة، بوصفهم شخصيات مأزومة بالاغتراب والحنين، غير قادرة على الانفصال عن المكان والجذور. وتتجلى هذه النوستالجيا خصوصًا في استعادة القدس، بوصفها جزءًا راسخًا من الذاكرة والهوية.
ويرى حاج، أن هذه الشخصيات تعكس جوانب من تجربة جبرا نفسه، بما فيها القلق، والغربة الروحية، والوجع، وحلم العودة. وهو ما يؤكده حليم بركات، الذي يرى صعوبة الفصل بين الكاتب وشخصياته ورُواته، إذ تحضر بصمات جبرا في مختلف أعماله، وتتداخل فيها تجربة الكاتب مع الكلمة والشخصيات والمعاناة.
وقال المحاضر: "إن جبرا في رواية "السفينة" تأثر بالكاتب الأميركي وليام فوكنر، ولا سيما روايته "الصخب والعنف"، التي ترجمها إلى العربية، واعتمد تقنية "الشخصيات العاكسة"، حيث تكشف الشخصيات عالمها الداخلي وأسرارها من خلال حديثها عن الآخرين أكثر مما تكشفه حين تتحدث عن نفسها. وتتجلى هذه التقنية في علاقة وديع بعصام، كما تمثل لمى المرآة الأبرز لشخصية عصام، إذ يكشف حديثه عنها جوانب عميقة من ذاته.
جبرا وكنفاني وحبيبي: مثلث الرواية الفلسطينية، حيث رأى حاج، أن ما يجمع جبرا وغسان كنفاني وإميل حبيبي هو "الالتزام بالقضية الفلسطينية وتجديد الرواية"، لكن لكل منهم رؤيته الخاصة. فكنفاني اتجه إلى الثورة والفعل والمقاومة، بينما انشغل حبيبي بتجربة الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد العام 1948، موثقًا صمودهم وتشبثهم بالأرض والهوية، خصوصًا في "المتشائل".
أما أبطال جبرا، في "صيادون في شارع ضيق"، "السفينة"، فهم مثقفون وناجحون في المنفى، لكنهم يعيشون على الحلم والحنين إلى العودة، بعيدًا عن الفعل الثوري المباشر. ويبرز استثناء مهم في "البحث عن وليد مسعود"، حيث يفتح اختفاء وليد على تأويلات متعددة، من بينها احتمال انخراطه في العمل الفدائي بعد استشهاد ابنه مروان.
وخلص حاج، إلى أن جبرا يكتب فلسطين من مخزون الذاكرة والحنين، بعدما شكّلت النكبة جرحًا عميقًا في الإنسان والمكان. لذلك بقيت فلسطين، في أعماله، بمثابة بوصلة وحاسة سادسة، وأصبح أبطاله أسرى حلم العودة. ويتماهى وديع عساف في "السفينة"، مع يولسيس، الذي ظل مشدودًا إلى إيثاكا، مستحضرًا فكرة العودة بقوله: "لا بد من عودة، لابد".