عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Jun-2026

"اختطاف قاصر".. قصص اجتماعية وإنسانية بقلم جراح عظام أردني

 الغد-عزيزة علي

 يطل الدكتور الأردني سعيد وصفي عبد المجيد على القرّاء، عبر مجموعته القصصية بعنوان "اختطاف قاصر.. وقصص أخرى"، حاملاً معه عوالم الحكايات التي تتقاطع فيها مهنة الطب مع أسئلة الحياة والمجتمع والإنسان. فالمجموعة لا تقدم قصصا قصيرة فقط، بل تفتح نافذة على تجارب ومشاهد وأفكار تراكمت عبر سنوات طويلة، وظلت حبيسة الأدراج حتى قرر صاحبها أن يمنحها فرصة الوصول إلى القارئ.
 
 
وتكشف المجموعة، عن وجه آخر للدكتور سعيد، المعروف طبيبًا وجراحَ العظامٍ وأستاذ الجامعة، إذ يظهر فيها الكاتب مشغولا بتفاصيل البشر، وأوجاعهم النفسية والاجتماعية، بقدر انشغاله بآلامهم الجسدية. ومن خلال لغة سلسة وأسلوب مشوق، يعالج المؤلف قضايا اجتماعية وإنسانية متعددة، مستلهمًا قصصه من مواقف واقعية وتجارب حياتية تركت أثرًا عميقًا في نفسه.
وأكد المؤلف في مقدمته، أن الكتابة بالنسبة إليه ليست ترفًا، بل حاجة داخلية ووسيلة للبوح والتخفيف، مشيرًا إلى أن "الكتابة هي التي تعالجه"، كما يعالج هو المرضى بالطب. وبين شغفه بالمهنة وشغفه بالأدب، تأتي هذه المجموعة بوصفها مصالحة متأخرة مع حلم الكتابة، ورسالة تؤكد أن الأفكار الصادقة لا يحدها الزمن، وأن الإبداع قد يتأخر، لكنه لا يموت.
وقال عبد المجيد: "أشعر أحيانًا أن حب الكتابة نوعٌ من البلاء الجميل الذي يبتليك الله به، كما يبتليك بأي حب يغزو قلبك دون استئذان". مضيفا أنه عشق القراءة والكتابة منذ صغره، وتحديدًا منذ المرحلة الإعدادية.
وأكد أن القراءة والكتابة لا تفترقان، فلا توجد كتابة صادقة دون رصيد واسع من القراءة العميقة التي لا تثري الكاتب بالأفكار فحسب، بل تصقل أسلوبه أيضًا. كما أنه اعتاد تدوين مذكراته اليومية، حتى البسيطة منها، مذ كان تلميذًا صغيرًا، كما كتب خواطر وقصصًا قصيرة نُشرت بعضها في مجلات كويتية أثناء عمله طبيبًا هناك.
وقال المؤلف: "كنت وما أزال فخورًا بمهنتي طبيبًا وجراحَ عظامٍ وأستاذًا جامعيًا، لكنني أدرك أن انغماسي في الطب كان على حساب الكتابة الأدبية، وها أنا اليوم أستفيق قليلًا، وأتجرؤ على نشر بعض كتاباتي التي بقيت محفوظة في أدراج مكتبي لسنوات طويلة".
وبين عبد المجيد أنه كتب هذه المجموعة القصصية في تسعينيات القرن الماضي، لكنها ظلت حبيسة الأدراج حتى الآن، كما أنه أنهى رواية طويلة قبل سنوات، ما تزال تنتظر النشر، معربًا عن أمله في أن ترى النور قريبًا.
وأوضح المؤلف أن شغفه بالطب لا يقل عن شغفه بالأدب، لكن ربما كان نجاحه في الطب، ولو بقدر من التواضع، سببًا في إهماله نشر ما كتب، قائلا: "أعلم أن هذا ليس عذرًا، فكم من أطباء أصبحوا أدباء كبارًا يُشار إليهم بالبنان، من يوسف إدريس إلى أنطون تشيخوف، وصولًا إلى صديقي الدكتور زياد الزعبي، الذي أصدر مؤخرًا كتابين ناجحين، رغم تأخره، مثلي، في نشرهما".
وتابع: "أن تأتي متأخرًا خيرٌ من ألّا تأتي أبدًا". ويشير عبد المجيد إلى أن لكل قصة في هذه المجموعة جزء من روحه، قائلًا: "أنا أعالج المرضى بالطب، لكن الكتابة هي التي تعالجني"، مضيفا "قصصي هي نبض روحي، وإن بدت من نسج الخيال، فإن خلف كل واحدة منها ومضة من واقع، أو فكرة، أو مشهد ترك أثره في نفسي. فقصة "مطعم الطبق الخفي" وُلدت من عبارة قالها والدي، رحمه الله: "إذا رضيت أن تكون عامل وطن، فعليك أن تكون أفضل عامل وطن في البلاد".
وأوضح أن قصة "الكبار لا يفهمون الصغار"، استُلهمت من تجربته في ممارسة جراحة العظام، فيما انطلقت قصة "ليلة العيد"، من موقف واقعي هزّ مشاعره وأطلق خياله.
وخلص، إلى أن قصص هذه المجموعة كُتبت في تسعينيات القرن الماضي، قبل انتشار الهواتف المحمولة وتقنيات الخرائط الحديثة، لافتًا إلى أن قصة "اختطاف قاصر"، تعد مثالًا واضحًا على ذلك، إلى جانب عدد من قصص المجموعة الأخرى.
وكتب نقيب الأطباء الأسبق الدكتور زياد محمد الزعبي تقديمًا للمجموعة، قال فيه: "عرفت الدكتور سعيد عبد المجيد منذ عقود طويلة، جراحَ عظامٍ يمسك بمبضع الجراحة بيد واثقة، ويطرق بمطرقته وإزميله على العظام المكسورة أو المعتلة بثقة عالية، مستندًا إلى علم غزير وقرار حكيم".
وأضاف الزعبي: "لا أبالغ إن قلت إنه كان من بين قلة من جراحي العظام الذين زرعوا في نفسي، وأنا حديث التخرج من كلية الطب، حبَّ جراحة العظام". مبينا أنه "قبل أشهر قليلة، أسرّ لي عبد المجيد بأنه يكتب مجموعة قصصية تنتمي إلى فن القصة القصيرة، وطلب مني قراءتها وإبداء الرأي فيها. قلت له إنني قارئ جيد، لكنني لست ناقدًا أدبيًا، فأجابني: هذا ما أريده، رأي القارئ لا الناقد".
وأشار الزعبي إلى أن عبد المجيد ليس أول طبيب يتجه إلى الكتابة الأدبية، سواء في مجال القصة القصيرة أو الرواية، موضحًا أن بعض الأطباء تفرغوا لهذا المسار وابتعدوا عن مهنة الطب، فيما نجح آخرون في الجمع بين مهنتهم وشغف الكتابة.
وقال: "إن ما يلفت النظر في المجموعة القصصية للدكتور سعيد أنها تتناول عللًا وأمراضًا اجتماعية سائدة في المجتمع العربي، لم يبتدعها الكاتب، بل عايشها وشاهدها كما يراها الجميع"، مضيفًا أنه تناولها وحللها وناقشها بأسلوب مشوق، يشبه إلى حد بعيد طريقته جراحا وأكاديميا متمرسا في التعامل مع مرضٍ عظمي أو مفصلي مستعصٍ".
وأضاف أن الفارق يكمن في أن نهايات القصص قد تكون سعيدة أو حزينة، خلافًا لما يتمناه القارئ دائمًا من نهايات مفرحة. لافتا إلى تمكن الدكتور عبد المجيد اللغوي، مشيرًا إلى أن استخدامه للأمثال الشعبية أو العبارات المأثورة جاء منسجمًا مع السياق الأدبي، وساهم في خدمة الحدث وتعزيز المعنى المراد إيصاله إلى القارئ.
ويرى الزعبي، أن المؤلف أبدع في هذه المجموعة القصصية، وأتمنى أن يكون نجاحها دافعاً له للمزيد من العطاء، وإثراء المكتبة العربية بالكثير من الأعمال الأدبية التي تشرح أحوالنا وأمراضنا الاجتماعية وما أكثرها. أما رسالتي للقارئ الكريم أنه إن بدأ بقراءة هذه الكتاب فلن يستطيع الفكاك منه حتى يأتي على نهاية القصة الأخيرة فيه. هنيئا للصديق سعيد على باكورة إنتاجه الأدبي، ومرحباً به في ملتقى الأطباء الكتاب والأدباء.
ويذكر أن الدكتور سعيد وصفي عبد المجيد، استشاري جراحة عظام ومفاصل، وزميل في الكلية الملكية للجراحين/غلاسكو. كما عمل أستاذاً في كليات الطب لجامعتي الكويت وجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، نشر ثلاث قصص في مجالات كويتية في السبعينيات من القرن الماضي.