الغد
هآرتس
عميرة هاس
هذه ليست "عملية". كفى استخداما للمصطلحات العسكرية المبتذلة. إن طرد الناس من بيوتهم، حتى لو كان "حتى إشعار آخر"، لا يُعدّ عملية عسكرية. فما يقوم به الجيش، الذي يُوصف بأنه "الأكثر أخلاقية في العالم"، هذه الأيام في الخليل ليس سوى مرحلة أخرى وجزء آخر من خطة الحسم التي وضعها بتسلئيل سموتريتش، والمكوّنة من 70 بندا.
قد يكون الجنود أبناء 19 عاما، والضباط أبناء 24 عاما (أبناؤكم وأبناء إخوتكم وخطيباتكم)، وقد يكونون ينفذون الأوامر فحسب، لكنهم لا يشاركون في تدريب ليلي. إنهم يطردون الناس: يطردون النساء وكبار السن والشباب والأطفال. وتحت حراب بنادقهم، خرجت حشود من الناس بملابس النوم، وهم يحملون معهم الأموال والمجوهرات التي حصلوا عليها في حفلات الزفاف، إن لم تكن قد بيعت منذ زمن، نتيجة سلسلة الهجمات الاقتصادية التي شنّها سموتريتش على الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية.
أما سائقو الجرافات الذين يهدمون المزيد من بيوت الفلسطينيين لكسب الرزق، أو بدافع المتعة، أو لكليهما معا، فهم لا "ينفذون القانون". فهذا المفهوم ليس سوى ستار تختبئ وراءه أجيال من المسؤولين والضباط المتحمسين.
إن ما يحدث كله عمليات إخلاء جماعي؛ فهؤلاء ينفذون أوامر عسكرية صُمّمت أصلا للإضرار بفئة معينة من الناس، أي أوامر لسلب الممتلكات تحت غطاء "التخطيط والإدارة السليمة".
إن الإدارة المدنية التي وقّعت أوامر الهدم ليست سلطة تنفيذية تعمل ضمن إطار يحترم مبدأ الفصل بين السلطات. فـ"القانون" لم يصادق عليه برلمان منتخب، بل هو جزء من منظومة أوامر تفرض نظاما عسكريا، يكون فيه مرتدو الزي العسكري ومن يرسلونهم شيئا واحدا: الحكام والمشرّعون والقضاة والجلادون.
ليست البيوت التي تُهدم هي "غير القانونية"، بل إن حكم إسرائيل على السكان الأصليين المحرومين من الحقوق هو الحكم غير القانوني والإرهابي. فليس سكان البيوت المهدمة هم الذين خالفوا القانون، بل القادة والجنود الذين أمروا بهدمها، أبناؤكم وجيراننا الذين امتثلوا لهذه الأوامر بسرور. إنهم يعرفون جيدا سبب اختبائهم وراء "أقنعة لاهاي": فهم يريدون التجول في الخارج من دون خوف، أو الحصول على وظيفة مربحة في شركة أمنية دولية.
وكلمة "إخلاء" هي أيضا مخدّر لتغييب الوعي. ففي جنين وطولكرم، أُخلي عشرات الآلاف من سكان مخيمات اللاجئين، وحتى بعد مرور سنتين، لا يُسمح لهم بالعودة إلى أحيائهم المدمرة. وفي قطاع غزة، أتاح "الإخلاء" هدم البيوت وترك نحو مليوني شخص بلا مأوى، بعدما نجوا من القصف المستمر. والمطلوب منهم الآن أن يهاجروا إلى مصر. أما في الدولة الديمقراطية لليهود — وهذا اسم مؤقت — فإن "الإخلاء" يعني طرد الفلسطينيين من بيوتهم لصالح الاستيطان اليهودي.
بطاعتهم العمياء، يربط الجنود في الخليل بين عمليات الطرد السابقة، التي نفذها آباؤهم وأجدادهم منذ عام 1948، وبين عمليات الطرد الحالية التي ينفذونها هم، أو نفذها إخوتهم الأكبر سنا في قطاع غزة. إن عملية الترحيل التي أُمروا بتنفيذها في نهاية الأسبوع الماضي ليست سوى حلقة في سلسلة "العمليات" الأخرى: طرد تجمعات الرعاة في الضفة الغربية، بقيادة الإدارة المدنية وتوجيهها، وسط قمع المستوطنين؛ وتدمير تجمعات البدو في النقب، بعد سلسلة من عمليات الترحيل؛ وطرد سكان الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، سواء عبر حظر البناء أو هدم البيوت، بقيادة البلدية ووزارة الداخلية وتوجيههما.
لا أعرف ما إذا كنا في المرحلة الثالثة عشرة أم الرابعة والخمسين من خطة الحسم. والأدق أن نقول إننا نمر بمراحل متعددة في الوقت نفسه، وكلها مقنّنة ومخفية. ومن ذلك حظر قطف الزيتون. أين المزارعون اليهود في الجليل والنقب والكيبوتسات، ليعبّروا عن صدمتهم واحتجاجهم؟ يضرب المستوطنون قاطفي الزيتون حتى ينزفوا. إنه روتين معتاد. أما الجنود فيقفون مكتوفي الأيدي، في أفضل الأحوال. ويمكن تفهّم موقفهم؛ فهم من البؤرة الاستيطانية نفسها أو يعيشون هناك.
ويُجوَّع السجناء أو يُعذَّبون بأوامر تصدر باختيار من يصدرونها. أما المدمنون على ألعاب الفيديو، فيواصلون قصف غزة، وهم يتوقعون مسبقا مقتل الأطفال والشيوخ. ويستولي المستوطنون على بيت ويحرقونه، فيزول كل شيء، يا عزيزي. وبأوامر من الحاخامات، يغلق الجنود مداخل الأحياء الفلسطينية ومخارجها.
لغتنا مليئة بالكلمات التي تُضفي طابعا طبيعيا على حكم الزمرة العسكرية الاستيطانية وفظائعها. والقرابة العائلية بين الجناة تخدّر أي إحساس بالارتباط التاريخي. أما قصر النظر فيشوّه الواقع. وكل ما يُنشر ليس سوى الحد الأدنى مما يحدث، ولا يعكس السادية الجماعية التي تغرق فيها إسرائيل. إن التطبيع والتستر والتجاهل تتيح جميعها استمرار سلسلة عمليات الطمس، وصولا مباشرة إلى قلب الكابوس المستقبلي الذي نسجه سموتريتش، العقل المدبّر الذي يقف بثبات على أكتاف أسلافه.
وبفضل هذا الكابوس المستقبلي، سيذهب المستوطنون الراسخون في أرض إسرائيل، والشباب المولودون فيها، وأصحاب اللهجات الراقية، سواء كانت جنوب أفريقية أو فرنسية ساحرة، إلى صناديق الاقتراع للتصويت لسموتريتش. في نهاية المطاف، ليست الانتخابات هي الهدف، بل الطرد. ومع ذلك، فإن ما يحدث يُعدّ أيضا دعاية انتخابية فعّالة.
وليس من قبيل المصادفة أن يسارع بنيامين نتنياهو إلى الخليل، مستغلا حادثة إطلاق النار التي قُتل فيها جنديان إسرائيليان ومسلحان فلسطينيان، وأن يحاول منافسة إسرائيل كاتس وإيتمار بن غفير في إطلاق أشد التهديدات خطورة. لا تقلقوا، فأنتم جميعا مخيفون، لأنكم تصرّون على إفراغ هذه البلاد من الفلسطينيين. أما خصومكم المناوئون لبيبي، فإما أنهم لا يكترثون بذلك، وإما أنهم لا يعارضونه.