الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ياكوف م. رابكين* - (كاونتربنش) 24/7/2026
"إذا كانت الدولة ترسل أشخاصاً، جنوداً، من أجل شرف الدولة، ويقومون بقتل الناس، هل هذا مسموح؟ إنه قتل واضح. إنهم [الحكومة] يحرضون على القتل. هذا ما يفعلونه. إنهم لا يشنون الحروب لإنقاذ الأرواح وإنما فقط من أجل شرف الدولة. وهذا بالتأكيد ليس شيئاً جديداً. إذن، هل هذا مسموح؟ فقط من أجل رفع مكانة الدولة أو شيء آخر؟".
ليست هذه الكلمات صادرة عن ناشط يساري مناهض لإسرائيل في إحدى جامعات رابطة "آيفي ليغ" (رابطة اللبلاب). كان الذي قالها هو الحاخام دوف لاندا -البالغ من العمر 96 عاماً، وهو أحد كبار أعضاء "مجلس حكماء التوراة" في إسرائيل- في 19 تموز (يوليو) 2026. ويمثل المجلس اليهود الحاريديين، أو الحريديم، وهم اليهود شديدو الالتزام بالتعاليم الدينية الذين يبلغ عددهم نحو مليون ونصف المليون شخص في إسرائيل وحدها، وغالباً ما تشير إليهم وسائل الإعلام باسم "اليهود الأرثوذكس المتطرفين".
يمكن تمييز الرجال الحريديم بصرياً عن طريق نمط من الملابس ذي لونين: الأسود والأبيض. وهم يشكلون نحو سدس السكان اليهود في إسرائيل، كما يسجلون أعلى معدل نمو ديموغرافي بينهم (4 في المائة). وهم فئة شابة؛ حيث ما يقرب من ثلث جميع الأطفال اليهود الذين يلتحقون بالمدارس في إسرائيل هم من الحريديم. ولديهم نظامهم التعليمي المستقل، ويعيشون إلى حد كبير بعيداً عن التيار العام للمجتمع الإسرائيلي.
هذا الإصرار على العيش بمعزل عن المجتمع -وليس أي نزعة سلمية أيديولوجية- هو الذي يفسر مقاومتهم للتجنيد العسكري. ولم تتصرف القلة من الحريديم الذين التحقوا بالجيش في وحدات خاصة منفصلة تم إنشاؤها لهم بوحشية أقل من الجندي العادي في الجيش الإسرائيلي. وقد استخدم الحاخام لاندا في إدانته كلمة "ريتساح" retsah التي تعني القتل -وهي من الجذر نفسه المستخدم في وصية: "لا تقتل" في الوصايا العشر. وقد جعل هذا الاختيار اللغوي اتهامه بالغ الخطورة والوقعية.
في الحقيقة، لا تنطوي إدانة الحاخام على الكثير من الجدة. فقد انتقد الحاخامات الحريديم المشروع الصهيوني منذ فترة طويلة -وخاصة طابعه العنيف. وعلى خلاف الصهاينة اليهود والمسيحيين، لا ينظر الحريديم إلى الدولة الإسرائيلية باعتبارها تحقيقاً لنبوءة توراتية، ولا باعتبارها تجسيداً لأمر ديني باحتلال الأرض المقدسة.
وفقاً لأحد أعضاء البرلمان من اليهود الحريديين: "الصهاينة مخطئون. ليست هناك حاجة إلى تعزيز حب أرض إسرائيل من خلال الحكم السياسي والعسكري على كامل الأرض. يمكن للمرء أن يحب الخليل حتى من تل أبيب... حتى لو كانت تحت الحكم الفلسطيني. إن دولة إسرائيل ليست قيمة. الأمور الروحية وحدها هي التي تنتمي إلى عائلة ’القيم‘".
يرفض معظم الحريديم الصهيونية -علمانية كانت أم دينية. وهم لا يحتفلون بـ"يوم الاستقلال" أو بأي عيد رسمي آخر. كما يتجنبون، مثل غالبية الحريديم، الاحتكاك بالأغلبية العلمانية. ولا يخدم أبناؤهم في الجيش الإسرائيلي، كما لا تؤدي بناتهم الخدمة البديلة الإلزامية على الإطلاق. بل إن كثيرين منهم لا يتوقفون عن العمل عندما يتم إطلاق الصفارات سنوياً لدعوة السكان إلى الوقوف دقيقة صمت تخليداً لذكرى الجنود الذين ماتوا من أجل دولة إسرائيل. ويرى هؤلاء الحريديون أيضاً أن العنف المزمن الذي أفرزه الاستيطان الصهيوني على مدى أكثر من قرن سيظل عقاباً مستمراً لليهود على انتهاك القسم التلمودي الذي يحظر غزو الأرض المقدسة بالقوة.
لا يقل سياق الإدانة الشديدة التي وجهها الحاخام لاندا دلالة عن كلماته نفسها. فقد خاض الحريديم لسنوات معركة للحفاظ على امتياز الإعفاء من الخدمة العسكرية -الخدمة الإلزامية للرجال والنساء على حد سواء في إسرائيل. وقد مُنح لهم هذا الامتياز في الأصل بهدف تهدئة معارضة الحريديم للإعلان أحادي الجانب عن قيام الدولة الصهيونية، الذي صدر في أيار (مايو) 1948.
لكن هذا الاتفاق فقد صلاحيته منذ فترة طويلة بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية. وهناك معركة تشريعية طويلة حول هذه القضية ما تزال مستمرة، ترافقها احتجاجات قوية -وأحياناً عنيفة- في الشوارع، يشارك فيها آلاف اليهود الحريديم. وقد اقتحموا منشآت عسكرية. وفي مرة واحدة على الأقل حاصروا منزل أحد قضاة المحكمة العليا.
نتيجة للسياسات الائتلافية، أقرّ الكنيست في وقت سابق من هذا الشهر قانوناً أساسًيا يعلن أن دراسة التوراة هي "قيمة تأسيسية" للشعب اليهودي. ويكرّس هذا القانون قيمةً يهودية تقليدية باعتبارها قانوناً للدولة. ولا تمتلك إسرائيل دستوراً -وهو شأن يُعتبر تنازلاً آخر للمجتمع الحريدي. وتتمتع القوانين الأساسية في إسرائيل بمكانة شبه دستورية.
كما يمنح قانون آخر، أُقر في وقت سابق من صيف العام 2026، عشرات الآلاف من الحريديم المتهربين من التجنيد حصانة مؤقتة من الاعتقال. ويحمي هذا القانون الشباب الحريديين الذين يتهربون من الخدمة العسكرية، ويعلّق الإجراءات الجنائية الجارية بحق أولئك الذين سبق أن بدأت بحقهم إجراءات إنفاذ القانون. وقد جمّدت المحكمة العليا تنفيذ هذا القانون في اليوم التالي، وحددت جلسة للنظر في القضية في 28 تموز (يوليو). وما تزال المعركة مستمرة.
وثمة خبر آخر يتعلق بالحريديم يلقي ضوءاً على جانب من تغريبهم. فقد حشدت السلطات الإسرائيلية مؤثرين وحاخامات من الحريديين لتحذير اليهود الحريديم من التعاون مع الاستخبارات الإيرانية. وكانت إسرائيل والولايات المتحدة قد شنتا هجمات متكررة على إيران منذ صيف العام 2025، كما ظهرت تقارير عن وجود يهود من الحريديم بين عشرات الإسرائيليين الذين اعتُقلوا بتهمة التجسس لصالح إيران.
كل هذا يفسر تصاعد العداء تجاه الحريديم داخل التيار الإسرائيلي العام. ويشعر كثير من الإسرائيليين العلمانيين بأنهم محاصرون بين تهديدين متناميين: الفلسطينيون من جهة؛ والحريديم من جهة أخرى. وتواصل إسرائيل خوض القتال على سبع جبهات، بينما يعبّر القادة العسكريون عن قلقهم من النقص الحاد في أعداد الجنود. وفي الوقت الذي تم فيه تمديد الخدمة العسكرية الإلزامية إلى ثلاث سنوات للرجال والنساء على حد سواء، يرفض أكثر من 80 ألفاً من الحريديم حتى التسجيل في مكاتب التجنيد. وقد عاش كثير من الإسرائيليين المنتمين إلى التيار العام منذ فترة طويلة تجربة فقدان أبنائهم وبناتهم في الحروب، وهو ما يجعلهم بطبيعة الحال يشعرون بالاستياء من الإعفاء الممنوح للحريديم.
تجدر ملاحظة أن دورة العنف الحالية دفعت عشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين أنهكتهم فترات الخدمة الاحتياطية المتكررة في الجيش إلى الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة. وغالباً ما يكون هؤلاء من الشباب والأكثر تعليماً -من الفئات التي تضمن لإسرائيل تفوقها في المنطقة. كما يهدد الحريديم بدورهم بالرحيل إذا أقدمت الدولة على تجنيدهم في الجيش. وحتى إذا بقوا، فإن معظمهم سيتجنبون الخدمة العسكرية. وبالإضافة إلى ذلك، لا يلبي انخفاض مستوى تعليمهم العلمي والتكنولوجي احتياجات الصناعات الإسرائيلية عالية التقنية.
يمثل اغتراب الحريديم القائم على أسس مبدئية أحد أخطر التحديات الداخلية التي تواجه الدولة الصهيونية، في الوقت الذي تواجه فيه عداءً متزايداً من الخارج.
*ياكوف م. رابكين Yakov M. Rabkin: مؤرخ ومفكر عام كندي، وأستاذ فخري للتاريخ في جامعة مونتريال، حيث يدرّس منذ العام 1973. تتركز أبحاثه في التاريخ اليهودي المعاصر، وتاريخ الصهيونية وإسرائيل، وتاريخ العلوم، والعلاقات بين العلم والدين والسياسة -بالإضافة إلى تاريخ الاتحاد السوفياتي. ألّف عدة كتب وأكثر من مئتي مقال. ومن أبرز كتبه: "تهديد من الداخل: قرن من المعارضة اليهودية للصهيونية" A Threat from Within: A Century of Jewish Opposition to Zionism؛ و"ما هي إسرائيل الحديثة"؟ What Is Modern Israel؛ و"إسرائيل في فلسطين" Israel in Palestine؛ و"تفكيك الصهيونية في 101 اقتباس" Zionism Decoded in 101 Quotes.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel in Crisis: A Threat from Within
هامش المترجم:
(1) "رابطة اللبلاب" Ivy League: رابطة رياضية وأكاديمية تضم ثماني جامعات أميركية خاصة عريقة تقع أساساً في شمال شرقي الولايات المتحدة. تأسست الرابطة رسمياً في العام 1954 بوصفها رابطة رياضية، لكن اسمها أصبح مرتبطاً بالتميز الأكاديمي والنفوذ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وليس بالرياضة فقط. وتضم الرابطة جامعات هارفارد، وييل، وبرينستون، وكولومبيا، وبنسلفانيا، وبراون، ودارتموث، وكورنيل.