عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Sep-2026

الأمم المتحدة أكثر قدرة على الصمود مما يظن ترامب

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
يوداه غرونشتاين* – (وورلد بوليتكس ريفيو) 22/9/2026
افتُتحت يوم الثلاثاء الاجتماعات السنوية رفيعة المستوى لـ"الجمعية العامة للأمم المتحدة"، مع استعداد نحو 130 من قادة العالم للتوجه إلى نيويورك على امتداد الأسبوع لإلقاء كلمات أمام الجمعية. وكما حدث العام الماضي، تنعقد هذه المناسبة مرة أخرى في ظل ما يخيّم عليها من هجوم شرس يشنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القواعد والمعايير التي تحكم النظام الدولي الليبرالي، والذي تمثل الأمم المتحدة ذروته المؤسسية.
 
 
سيكون شبح التغير المناخي المتسارع حاضراً مرة أخرى في مقر الأمم المتحدة -وكذلك في الاجتماعات الثنائية العديدة بين القادة، ومؤتمرات أصحاب المصلحة التي تُعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة.
لكن اجتماعات هذا العام ستهيمن عليها أيضاً مخاوف أكثر حداثة أثارتها الوتيرة السريعة لتطور التقنيات القائمة على الذكاء الاصطناعي. كما تنعقد وسط أزمة عالمية في الطاقة وأزمة في تكاليف المعيشة ناجمتين عن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، التي لا تظهر أي مؤشرات تُذكر على قرب انتهائها في أي وقت قريب.
وأخيراً، ستكون هذه آخر دورة لـ"الجمعية العامة" يترأسها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي سيغادر منصبه في كانون الأول (ديسمبر) بعد إتمام ولايته الثانية التي استمرت خمس سنوات، بينما يُنظر على نطاق واسع إلى الأمم المتحدة -وإلى التعددية بصورة أوسع- على أنهما في حالة احتضار. من صنع السلام والمساعدات الإنسانية إلى مساعدات التنمية وإغاثة اللاجئين، يتعرض نظام الأمم المتحدة لضغوط غير مسبوقة يرجع بعضها إلى التخفيضات الهائلة في التمويل التي أقرتها إدارة ترامب -حتى وإن كانت المنظمة ما تزال قادرة على مواصلة أداء وظائفها.
وقد أقرّ غوتيريش بذلك إلى حد كبير في كلمته الافتتاحية أمام الجمعية العامة يوم الثلاثاء، وقال إن "آليات عملنا الجماعي تتعرض لضغوط متزايدة"، محذراً من أن "خطوط التصدع في عالمنا تتسع". لكنه شدد، في مواجهة ما وصفها بأنها "تهديدات وجودية"، على أن "التعاون الدولي أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى".
على النقيض من ذلك، لم تتضمن كلمة ترامب نفسها الكثير عن الأمم المتحدة أو التعددية أو التحديات العابرة للحدود، باستثناء رفضه التام لفكرة الاحترار العالمي، واعتباره إياها خدعة، ورفضه القاطع لأي محاولة للحد من تطوير الذكاء الاصطناعي بدعوى اعتبارات السلامة. وبدلاً من ذلك، استعرض قائمة طويلة بما يعتبرها إنجازات في سياسته الخارجية، والتي شملت العملية العسكرية لاختطاف نيكولاس مادورو والإطاحة به من السلطة في فنزويلا؛ والحصار الأميركي القاسي على كوبا؛ وفوق ذلك كله، الحرب على إيران التي هدد مرة أخرى بإبادتها. واللافت أن جميع هذه الأفعال تشكل انتهاكات واضحة لميثاق الأمم المتحدة ولأعراف سيادة الدول التي يقوم عليها ميثاق الأمم المتحدة.
تفرض طبيعة السياسة العالمية أن يحظى ترامب على الأرجح بإشادة طيف من القادة الذين يتوافقون معه، سواء لأسباب أيديولوجية أو بدافع الانتهازية السياسية. وفي المقابل، من شبه المؤكد أن ينتقِد آخرون الأمم المتحدة بسبب عجزها عن الوفاء بمهمتها الأساسية المتمثلة في منع الحروب، وإعادة السلام عند الضرورة.
ومع ذلك، يغلب أن تميل غالبية قادة العالم إلى مواقف غوتيريش أكثر من مواقف ترامب -حتى لو أنهم يحرصون على التعبير عن دعمهم للتعددية من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي. وكما أوضحت تصريحات ترامب، انتقلت الولايات المتحدة من قوة تسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم والنظام العالمي الذي أسهمت في بنائه إلى قوة "تعديلية" تسعى إلى مراجعة النظام لإعادة تشكيله. وبالنسبة لدول كثيرة ظلت تخشى طويلاً التأثير المزعزع للاستقرار الذي قد يترتب على صعود الصين، أصبح مكمن القلق الرئيسي الآن هو التأثير المزعزع للاستقرار بالقدر نفسه الذي ربما يترتب على تراجع أميركا.
سوف يتوقف ما إذا كان العالم سيتمكن -وكيف- من إعادة بناء توازن مستقر يمكن إقامة نظام دولي عليه على مجموعة من العوامل، من بينها قدرة الولايات المتحدة والصين على إدارة علاقتهما الثنائية بنجاح بحيث تسهمان في إيجاد حلول عالمية لتغير المناخ وتنظيم الذكاء الاصطناعي وسائر التحديات الجماعية بدلاً من مفاقمة هذه المشكلات وغيرها من المشكلات العالمية. وبعبارة أخرى، سيتوقف الأمر على ما إذا كان ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ سيكونان مستعدَّين، عندما يلتقيان هذه الأيام -وقادرَين على- ممارسة قدر من ضبط النفس سعياً إلى تحقيق المصالح المشتركة بدلاً من السعي إلى تحقيق مكاسب أحادية الجانب في منافسة تقوم على منطق المحصلة الصفرية.
لكن الكثير سيتوقف أيضاً على الكيفية التي ستستجيب بها الدول الأخرى في النظام الدولي لتفكك نظام عالمي كان يوفر -على الرغم من كل عيوبه ونقائصه- طيفاً واسعاً من المنافع العامة التي ما يزال الطلب عليها مرتفعاً، ومن بينها ضمان المساواة في السيادة بين الدول الذي يوفره النظام الدولي الليبرالي؛ وتحرير التجارة وما يقود إليه من تنمية اجتماعية واقتصادية؛ وقدسية حقوق الإنسان وكرامته.
في نواحٍ كثيرة، لا تنتظر القوى الوسطى في العالم إطلاق بيانات رمزية في "الجمعية العامة للأمم المتحدة" كي تعلن خياراتها. وتُظهر التحركات الأخيرة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي وكندا لتعميق علاقاتهما السياسية والأمنية، والتي توازيها مبادرات مماثلة بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في آسيا، كيف أن التفكير الجدّي في كيفية تدعيم الأسس المتداعية للتعددية قد بدأ بالفعل. كما أن مواصلة هذه الدول وغيرها السعي إلى إبرام اتفاقات تجارية شاملة تُظهر أن ترامب يشكل استثناءً في تفضيله للحمائية.
أما إلى متى يمكن أن تستمر حالة "الليمبو" القائمة، فلا أحد يستطيع أن يتكهن. ولكن، مثلما سيكون من الخطأ الاستخفاف بالاضطراب الذي يتسبب فيه ترامب، سيكون من الخطأ أيضاً تجاهل الحاجة إلى النظام العالمي والتعددية التي يتحدى ترامب وجودها. ربما تعيش الأمم المتحدة الآن على أجهزة دعم الحياة، لكنها تظل محاطة بدول وقوى قادرة، والتي ترى في بقائها مصلحة وتصر على ضمان استمرارها.
ولعل المفارقة أن ترامب نفسه قد ينضم قريباً إلى هؤلاء؛ وقد يدرك فائدة الأمم المتحدة عندما يفشل الاستخدام الأحادي للقوة الأميركية في تحقيق المكاسب المستقرة التي يسعى إليها.
 
*يوداه غرونشتاين Judah Grunstein: صحفي ومحلل أميركي للشؤون الدولية، ومحرر متجول في مجلة "وورد بوليتكس ريفيو" World Politics Review، التي كان قد تولى رئاسة تحريرها 17 عاماً (2008–2025). يكتب في السياسة الأميركية والفرنسية والسياسة الخارجية والأمن القومي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The U.N. Is More Resilient Than Trump Thinks
Judah Grunstein