عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-May-2026

إيران: حدود القوة الأميركية وفرص التفاوض

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريستوفر تشيفيس*- (الغارديان) 8/5/2026
يتطلب كسر حالة الجمود الحالية في الحرب الإيرانية موقفًا تفاوضيًا أكثر واقعية يعترف بأن الحد الأدنى الأميركي لا يمكن أن يكون نزع سلاح إيران فعليًا. ولن تكون هناك أي حكومة إيرانية تستطيع القبول بذلك وتتوقع البقاء بعد ذلك.
 
 
بعد أشهر من الحرب، كافحت الولايات المتحدة بشدة لإجبار إيران على إعادة ضمان المرور المستقر للتجارة العالمية عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى دفعها إلى قبول المطالب الأساسية لواشنطن: التخلي عن البرنامج النووي الإيراني؛ وتفكيك القوة الصاروخية؛ وإنهاء شبكات الوكلاء الإقليميين التابعة لها.
وعلى الرغم من أن القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت لتدهور كبير، وأن النظام نفسه أصيب بحالة من الاضطراب، فإن إيران ما تزال، حتى كتابة هذه السطور، تمنع معظم الدول من شحن النفط والغاز والأسمدة والهيليوم عبر المضيق. وأصبح الاقتصاد العالمي في دائرة الخطر، بينما تتراجع شعبية دونالد ترامب داخليًا، وتستفيد روسيا من الوضع الراهن. كما تتأثر سوية الجاهزية العسكرية الأميركية، وخصوصًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
تتفوق الولايات المتحدة على إيران في كل عناصر القوة الوطنية المهمة. فهي تمتلك قوات عسكرية هائلة الحجم، وأكبر اقتصاد في العالم، وقدرة على عزل الدول عن الأسواق العالمية بفضل هيمنة الدولار. وإذن، لماذا تمكنت إيران من إحباط الأهداف الأميركية إلى هذا الحد؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن ترامب، على الرغم من ادعائه الانخراط في التفاوض، اعتمد عمليًا بصورة شبه كاملة على الضغطين العسكري والاقتصادي بدلًا من نهج الأخذ والرد اللذين تقوم عليهما الدبلوماسية الحقيقية. وكان يمكن لنهج أكثر قابلية للعمل أن يقدم لطهران ضمانات وحوافز كافية تجعل مخاطر توقيع اتفاق مع واشنطن تستحق المجازفة. وكان ينبغي لهذا النهج أن يحترم الخطوط الحمراء التي أظهر النظام الإيراني أنه غير مستعد للتراجع عنها.
يمثل نهج ترامب الحالي في التعامل مع الحرب شكلًا من أشكال "الدبلوماسية القسرية". وقد نجحت هذه الدبلوماسية في السابق، لكنها تتطلب تقديم مطالب يستطيع الخصم تلبيتها من دون تعريض بقائه للخطر. وكان هذا، على سبيل المثال، هو المنطق الذي استندت إليه الدبلوماسية القسرية التي دفعت الزعيم الصربي، سلوبودان ميلوشيفيتش، إلى طاولة المفاوضات بشأن أزمة البوسنة في العام 1995، ثم إلى القبول بتسوية حول كوسوفو في العام 1999.
في حالة إيران اليوم، اقتربت مطالب واشنطن من الدعوة إلى عملية نزع سلاح من جانب واحد. ومن وجهة نظر طهران، يعني قبول هذه المطالب التخلي عن أدوات الدفاع التي يعتقد النظام أنها تحميه من السقوط. والمفارقة أن تصعيد واشنطن للضغط العسكري يدفع طهران أكثر فأكثر إلى الاقتناع بأن امتلاك قدرات ردع أقوى- بما في ذلك الحفاظ على قدر من السيطرة على مضيق هرمز- هو أمر ضروري لبقاء النظام. كما أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني في العام 2018 يعزز لدى الإيرانيين القناعة بأن واشنطن ربما تحصل على التنازلات ثم تعود لاحقًا إلى التصعيد والعداء.
بالإضافة إلى ذلك، تمتلك إيران اليوم أيضًا قدرة أكبر على تحمل الضغوط مقارنة بمعظم الحالات السابقة التي استُخدمت فيها الدبلوماسية القسرية. وتمنح الطائرات المسيّرة والصواريخ والأدوات السيبرانية وعمليات التأثير الإعلامي طهران وسائل لإزعاج وتهديد الأصول الأميركية في المنطقة، وكذلك حلفاء واشنطن وحركة التجارة العالمية. والأهم من ذلك هو أن إيران تحظى بدعم خارجي قوي. وفي حين تقدم لها الصين دعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا حيويًا، تواصل روسيا توفير الغطاءين العسكري والسياسي.
لذلك، يتطلب كسر حالة الجمود الحالية موقفًا تفاوضيًا أكثر واقعية يعترف بأن الحد الأدنى الأميركي لا يمكن أن يكون نزع سلاح إيران فعليًا. ولن تكون هناك أي حكومة إيرانية تستطيع القبول بذلك وتتوقع البقاء بعد ذلك. وكما أشار مفاوضون أوروبيون سابقون، فإن أي اتفاق جوهري حول القضايا الأساسية سيتطلب على الأرجح تخفيفًا ملموسًا وسريعًا للعقوبات بما يكفي لجعل المخاطر السياسية للتنازلات مقبولة بالنسبة لطهران. كما ستحتاج إيران أيضًا إلى قدر من الثقة بأن واشنطن ستحترم الاتفاق الذي توقّعه بدلًا من العودة لاحقًا إلى سياسة تغيير النظام. ومن شأن مشاركة أطراف ثالثة- مثل الصين وأوروبا، وربما دول الخليج- أن تساعد في تحقيق ذلك.
لكن إظهار قدر أكبر من المرونة في الموقف الأميركي سيكون صعبًا، خاصة وأن حلفاء واشنطن في المنطقة سيعارضون تخفيف العقوبات ما لم تقدم إيران تنازلات كبيرة في الملفين النووي والصاروخي. ومع ذلك، سيكون البديل هو استمرار حالة الجمود الحالية. وسيسمح ذلك لروسيا بتحقيق المكاسب، ويزيد نفوذ الصين، ويدفع حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى مراقبة استنزاف الموارد الأميركية في حرب شرق أوسطية جديدة، بينما يقترب الاقتصاد العالمي من الركود.
في حال ثبتت استحالة التوصل إلى اتفاق شامل بشأن القضايا الكبرى، فإن الحد الأدنى الواقعي يتمثل في التفاوض على العودة إلى حرية الملاحة عبر المضيق كما كانت قبل الحرب، مع تجميد أي تصعيد عسكري إضافي. وربما يكون هذا هو الاتجاه الذي تسلكه الإدارة الأميركية فعليًا، استنادًا إلى تقارير صحفية حديثة. وربما يحاول ترامب تسويق الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية والنووية الإيرانية باعتبارها انتصارًا للمصالح الأميركية. لكن الحقيقة، بطبيعة الحال، هي أن ذلك لن يكون نجاحًا حقيقيًا، ولو أنه سيوقف تآكل القوة الأميركية الذي تسببت به هذه الحرب.
كان مأزق ترامب في إيران هو النتيجة المتوقعة لوهم الاعتقاد بأن القوة العسكرية والاقتصادية الساحقة يمكن أن تكون بديلًا عن الاستعداد لتقديم تنازلات. وهو وهم قاد في مرات كثيرة إلى خيبات إستراتيجية للقوى الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة- من العراق إلى أوكرانيا- مثبتًا مرة أخرى أن القوة العسكرية ليست بديلًا عن الدبلوماسية الحقيقية.
*كريستوفر إس. تشيفيس Christopher S. Chivvis: باحث وخبير أميركي في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي، وزميل بارز ومدير برنامج "فن الحكم الأميركي" في مؤسسة منحة كارنيغي للسلام الدولي. عمل سابقًا في مؤسسة (راند)، كما شغل مناصب في الحكومة الأميركية، بينها "مدير الشؤون الأوروبية" في "مجلس الأمن القومي" خلال إدارة باراك أوباما. تتركز أبحاثه على الإستراتيجية الأميركية، والعلاقات عبر الأطلسي، وروسيا، والشرق الأوسط، وتصدر له مقالات وتحليلات منتظمة في أبرز المنصات الأميركية والدولية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Military force has got the US nowhere with Iran – here is what a realistic negotiation would look like