عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Sep-2026

"هكذا كان يفكر".. يستعيد مقالات مؤنس الرزاز وأسئلته عن الحرية والديمقراطية

 الغد-عزيزة علي

 صدر كتاب "مؤنس الرزاز، "هكذا كان يفكر"، الذي يجمع عدد من المقالات التي كتبها الروائي والمفكر الراحل مؤنس الرزاز ونشرها في صحيفتي "الدستور"، و"الرأي"، خلال الفترة الممتدة من 1990 إلى 1993، مقدماً من خلالها رؤيته تجاه قضايا الحرية والديمقراطية والكرامة والإنسان، وموقفه النقدي من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي.
 
 
يستعيد الكتاب جانبا من تجربة الرزاز الفكرية والصحفية، من خلال مقالات تكشف انشغاله الدائم بأسئلة الإصلاح والديمقراطية، وضرورة مراجعة التجارب السياسية العربية، بعيداً عن فكرة "الزعيم الملهم"، والحلول الجاهزة، ومؤمناً أن التغيير يبدأ بالحوار، وطرح الأسئلة، وإتاحة المجال أمام الاختلاف.
وكتب رئيس الوزراء الأسبق وشقيق مؤنس، الدكتور عمر الرزاز، مقدمة للكتاب، أشار فيها إلى أن جمع هذه المقالات كان أمانة تطلبت جهداً تحريرياً صادقاً من أصدقاء مؤنس وزملائه في الصحافة، لتخرج بهذا الشكل الموثق الذي يليق به.
وأضاف: "من الصعب عليّ أن أكتب عن مؤنس بموضوعية كاملة؛ فهو لم يكن أخي الأكبر فحسب، بل كان أيضاً صديقي الأقرب في مراحل كثيرة من حياتي، والإنسان الذي ترك أثراً عميقاً في وجداني وفي طريقة نظرتي إلى كثير من الأمور. رحل مؤنس، لكن غيابه لم يتحول يوماً إلى ذكرى بعيدة".
ويرى الرزاز، أنه قبل التعرف إلى مؤنس كاتباً للمقال، لا بد من التعرف إلى مؤنس الإنسان في مراحل تشكله، وقراءة هذه المقالات في سياقاتها الإنسانية والأسرية والتاريخية.
وقال: "إن مؤنس كان يكبره بعشر سنوات، وإنهما نشآ في بيت جمع منيف الرزاز ولمعة بسيسو؛ "بيتاً صغيراً في حجمه، لكنه كان يضج بالهم العام والجدل السياسي والانخراط المتواصل في الشأنين الوطني والقومي". وأضاف أن والديهما لم يكتفيا بالتنظير، بل كانا منخرطين حتى النخاع في العمل العام السياسي والاجتماعي. وفي هذا الجو تشكل مؤنس، ومنذ وقت مبكر أخذ يدون خواطره وملاحظاته، محاولاً أن يفهم ما يجري حوله، وأن يجد موقعه وسط عالم كان يتغير بعنف وسرعة.
وأشار الرزاز، إلى أن مؤنس درس الفلسفة في الجامعة، وانخرط في العملين الحزبي والنقابي بشغف الشباب المؤمن بالتغيير، وانتُخب رئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين. غير أن أعصابه الهشة – التي كانت في حقيقتها تعبيراً عن حساسية مفرطة تجاه الزيف والقسوة – لم تحتمل "السياسة"، بمعناها الضيق، بما تنطوي عليه من مناكفات وانتهازية. فآثر الانسحاب وتقديم استقالته، واختار ما كان أكثر صدقاً بالنسبة إليه.. التفرغ للكتابة.
وكتب مجموعة خواطره الأولى في مقتبل العمر، تحت عنوان: "يختزل جانباً كبيراً من روحه".. "مد اللسان الصغير في وجه العالم الكبير"، وهو عنوان يكشف الكثير من شخصيته، وتلك الرغبة الدائمة في المشاكسة والسؤال والتمرد على المسلمات. ثم انتقل إلى كتابة القصة والرواية، وهناك وجد مساحته الأوسع للتعبير. وحظيت رواياته باهتمام ملحوظ على المستويين الأردني والعربي، لأنها لم تسر في الدرب المعبّد، بل كسرت الشكل والمضمون التقليديين بجرأة لافتة.
ويتوقف الرزاز عند أبرز أعمال مؤنس الروائية، "متاهة الأعراب في ناطحات السراب"، وهو عنوان يختزل رؤية كاملة قبل أن تُقلب الصفحة الأولى. فـ"الأعراب"، ليسوا مجرد صورة تاريخية، بل استعارة لتقهقر العرب من أمة إلى قبائل متحاربة فقدت بوصلتها. أما "المتاهة"، فليست ضياعاً عارضاً، بل حالة بنيوية تنتج عن غياب الإرادة الحرة والمشروع المشترك.
وأما "ناطحات السراب"، فيرى الرزاز أنها ترمز إلى الحضارة المستوردة والمفروضة، التي لم يرسم العرب معالمها ولم يبنوها بسواعدهم، فأصبحوا متلقين في أرضهم، وغرباء في بيتهم.
وعبر هذه المسيرة كلها، كان مؤنس يلجأ إلى الرسم التشكيلي كلما ضاق به القلم. فعندما كانت الأحداث تزلزله، صعوداً أو هبوطاً، وحين كانت الكلمات تخذله، أو يخذلها الرقيب الداخلي أو الخارجي، كان يمسك بالريشة والألوان الحمراء والسوداء، ويرسم لوحاته الدامية، المثخنة بالمشانق والدمار والتهجير. لكنه لم يستسلم لليأس، فرسم الوطن أيضاً كما أراده أن يكون: ربيعاً أخضر مزهراً، وطبيعة خلابة تنبض بالحياة رغم كل شيء.
ثم يتحدث الرزاز عن المقالات التي يضمها الكتاب، موضحاً أن مؤنس بدأ كتابتها ونشرها خلال الفترة من 1990 إلى 1993. وكي نفهم ما الذي يجعل هذه المقالات مختلفة، علينا أن نفهم أولاً ما الذي لم يكنه مؤنس. فلم يكن كاتب مقال مهنياً "بالمعنى التقليدي": محايداً، متمسكاً بالأرقام والوقائع والتواريخ والمصادر، ينظر إلى الحدث من بعيد بعين الباحث الموضوعي. بل كان يكتب كما يتنفس: بوحاً متواصلاً، نابعاً من إنسان عربي مكلوم ما يزال يبحث عن الحرية، والكرامة، والاستقلال والتحرير.
وكان مؤنس قارئاً نهماً للتاريخ والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع، وللأدب فوق ذلك كله. لكنه لم يكن أكاديمياً في نهجه، إذ سمح لنفسه بالجمع بين نقد التجارب القومية والاشتراكية المرّة، التي انقلبت على شعاراتها، ونقد الرأسمالية الغربية التي همّشت الإنسان وكالت بمكيالين؛ ترفع راية الحرية وحقوق الإنسان، ثم تحصرها في الرجل الأبيض وتتركها لبقية العالم فارغة من مضمونها.
ويتابع الرزاز أنه، بينما كان مؤنس يشخّص في أعماله الأدبية حالة "المتاهة" التي يرزح فيها الإنسان العربي، حرص في مقالاته الصحفية على طرح فكرة مختلفة ومكمّلة: ضرورة الخروج من تلك المتاهة.
وطالب مؤنس مراراً، بمراجعة التجارب المرّة؛ من ثورات وانقلابات رفعت شعارات براقة، ثم راحت تصفي مخالفيها بالسجن والاغتيال والإعدام شنقاً وسحلاً وبالرصاص، إلى حروب خسرناها واحدة بعد الأخرى مع عدونا الوجودي، وصولاً إلى معاهدات سلام، لم تجلب إلا المزيد من القتل والدمار.
وقال الرزاز: "إن مؤنس لم يؤمن بفكرة الزعيم الملهم الذي يأتي بالحلول السحرية. كان يؤمن بالديمقراطية، لا باعتبارها وصفة جاهزة، بل باعتبارها طريقاً صعباً وطويلاً، يسمح للمجتمع بالتقاط أنفاسه، ومراجعة أخطائه، وفتح المجال أمام الحوار والاختلاف".
وعبّر عن هذا الإيمان بالمسار الديمقراطي حين كتب: "التقاط الأنفاس يمنحنا فرصة للتأمل وإعادة النظر والمراجعة. وإعادة النظر تحتاج إلى نقاش، والنقاش يتطلب أطرافاً ذات اجتهادات مختلفة، نجلس حول طاولة مستديرة ونبدأ بمراجعة تجاربنا دون توتر أو انفعال يعيدنا إلى الدوامة التي بدأنا منها".
ولم يكن مؤنس متفائلاً على نحو ساذج، كما لم يكن متشائماً على نحو مطلق. كان يرى حجم التراجع الذي أصاب الواقع العربي ويتألم له بصدق، لكنه كان يحتفظ دائماً بمساحة للأمل. كان يفرح كالأطفال حين يرى شعوبنا تعبّر عن نفسها بحرية ومسؤولية، ويتألم كلما رأى القمع أو الفوضى أو الاحتلال، يتقدم على حساب الإنسان.
وفي مقالاته، لم يستسلم للرقابة التي كانت تحاصر الكلمة أحياناً، فتشطب كلمات أو فقرات أو مقالاً برمته. وكان يبحث دائماً عن طرق جديدة للالتفاف على القلم الأحمر، ووسائل مختلفة لإيصال فكرته إلى القارئ. ومن بين تلك الوسائل شخصية "كثير الغلبة"، ذلك الصديق المتخيل الذي كان يحاوره ويجادله، ويستعين به لطرح القضايا الخلافية والإشكالية.
وعندما تضيق مساحة الكلام، كان يعود إلى الرسم، فيرسم أفواهاً مكممة أو وجوهاً محبوسة داخل قوارير مغلقة، معبراً بطريقته الخاصة عن ضيق المساحة المتاحة للاختلاف والتعبير.
وقال الرزاز: "عندما دعاني أخي وصديقي محمد التل إلى كتابة مقدمة لهذا الكتاب، عدت إلى قراءة مقالات مؤنس من جديد، بعد عقود على قراءتي الأولى لها. وأعترف أن تلك العودة لم تكن سهلة من الناحية الشخصية، لأنها أعادت إليّ صوت مؤنس كما عرفته، وأعادتني أيضاً إلى مرحلة كاملة من تاريخنا العربي".
وأضاف: "ذكرتني تلك المقالات بحرب الخليج الأولى قبل ثلاثة عقود، ثم بحرب الخليج الثانية، وها نحن اليوم وقد شهدنا حروباً أخرى وأزمات جديدة. وذكرتني بما جرى ويجري في فلسطين، وبازدياد عدد الدول العربية الهشة أو الفاشلة، وبكثير من الأسئلة التي شغلت مؤنس في حياته وما تزال مطروحة حتى الآن".
ويرى الرزاز، أن قيمة مقالات مؤنس لم تكن في استشراف المستقبل، فهو لم يسعَ إلى ذلك أصلاً، بل في دعوته المستمرة إلى أن يكون الإنسان العربي شريكاً في صنع مستقبله. وكان يؤمن أن التغيير يبدأ بالسؤال، وأن المجتمعات التي تكف عن مساءلة نفسها تفقد قدرتها على التقدم.
وكتب مؤنس في أحد مقالاته: "نحن لا نهزم حين نخسر المعركة، بل حين نتوقف عن طرح السؤال".
ويعتقد الرزاز أن هذه العبارة تختصر جانباً كبيراً من شخصية مؤنس ومشروعه الفكري؛ فقد أزعجت مقالاته كثيراً من القراء، ودفعتهم إلى إعادة التفكير في كثير من المسلمات، وحثتهم على البحث عن إجاباتهم الخاصة.
وربما كانت هذه، ببساطة، الرسالة التي أراد مؤنس أن يتركها لنا: أن نبقي باب السؤال مفتوحاً، لأن السؤال هو بداية المعرفة، وبداية الحرية أيضاً.