عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Mar-2026

حروب بلا ذاكرة*جمال الكشكي

 الغد

العالم اليوم يعود إلى ما قبل مفهوم الدولة، فلم تعد الحروب امتدادا لذلك النسق الذي عرفته البشرية منذ نشوء الدولة الحديثة، حيث كانت القوة تتحرك داخل حدود من الأعراف والمواثيق، وحيث كانت السياسة تحاول، ولو شكليا، أن تضبط اندفاع السلاح.
 
 
 ما نشهده الآن هو انكسار هذا الإرث كله، كأن البشرية تعود خطوات طويلة إلى الخلف، إلى ما قبل مفهوم الدولة ذاته، إلى زمن كانت فيه الجماعات البشرية تتحارب بلا ضابط سوى القدرة على الإبادة.
لقد سادت في الأدبيات السياسية طويلا فكرة أن الصراع بين الدول تحكمه قواعد، وأن هناك توازنا دقيقا بين القوة والشرعية، وأن القانون الدولي يمثل الحد الأدنى من الضوابط التي تمنع الانحدار إلى الفوضى الكاملة، غير أن هذا البناء الذي استغرق قرونا لتشييده يتعرض اليوم لعملية هدم ممنهجة، إذ بات الطرف الذي يمتلك القوة الكاسحة يستخدمها مباشرة، بلا اكتراث بالحق أو الشرعية أو التوازنات.
الأخطر أن هذه الحروب الجديدة تستند إلى رؤى غير عقلانية، وإلى مبررات غارقة في التاريخ، تم استخراجها من طبقات سحيقة من الذاكرة، ثم إعادة ضخها في الواقع بواسطة عقول مشحونة بالأوهام.
إننا أمام مفارقة مرعبة، حيث تتلاقى عقائد قديمة أقرب إلى الأساطير مع أسلحة صاغها عصر الحداثة بأقصى درجات الدقة والفتك، هكذا يصبح الماضي المظلم مسلحا بتكنولوجيا المستقبل.
هذه الحروب تنتفي فيها الصراعات الحدودية، ويحل مكانها صراعات السيطرة الكاملة على الموارد، وعلى الممرات البحرية التي تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، ومن أجل هذا الهدف يجري تفكيك الدول نفسها، وتحويلها إلى تجمعات سكانية فاقدة للسيادة، خاضعة للقوة الغاشمة.
 الدولة، التي كانت الإطار السياسي الأعلى لتنظيم المجتمعات، يجري تكسيرها وتحويلها إلى كيان هش، وإلى مجرد ساحة مفتوحة للصراع.
وفي الطريق إلى ذلك يجري تدمير ما تبقى من مفهوم القانون الدولي، فالمواثيق التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، واتفاقيات حماية المدنيين، والقواعد التي تحظر استخدام أسلحة بعينها، كلها تتعرض للتهميش أو الانتهاك الصريح، لم تعد الشرعية الدولية مرجعا، فقد تحولت إلى خطاب يرفع عند الحاجة ويهمل حين تتعارض مع القوة.
ضمن أدوات هذه الحرب غير المسبوقة يظهر سلاح شديد الخطورة، اغتيال قيادات الدول بشكل مباشر، فبدلا من مواجهة دولة بجيشها ومؤسساتها، يجري استهداف رأسها السياسي أو العسكري لإرباك بنيتها بالكامل.
الفلسفة الجديدة مرعبة، تفقد فيها الدولة رأسها، وتتحول بسرعة إلى جسد مضطرب، يسهل دفعه إلى الفوضى، ومن هنا تبدأ المرحلة التالية، صناعة حروب داخلية طويلة، تتغذى على الانقسامات الاجتماعية والعرقية والطائفية.
في هذه البيئة تصبح كل الأسلحة مباحة، المدن ليست ملاذا آمنا، والمستشفيات ليست محمية، والمدارس لا تتمتع بأي حصانة، المدنيون أنفسهم يتحولون إلى جزء من المعركة، سواء كضحايا أم أدوات ضغط، وهكذا تتآكل الفكرة الأساسية التي قامت عليها الحضارة الحديثة، وهي حماية الإنسان من الحرب حتى في لحظات الحرب نفسها.
إن ما يجري انحراف عميق في سلوك القوى الكبرى، وتحول خطير في مفهوم الحرب ذاته، فالحرب التي عرفها القرن العشرون كانت، رغم قسوتها، تخضع لمنطق إستراتيجي يسعى في النهاية إلى تحقيق توازن ما، أما الحروب الراهنة فتبدو وكأنها تدار بعقلية مختلفة، عقلية ترى في الفوضى نفسها أداة للسيطرة، وفي انهيار الدول طريقا للهيمنة على الجغرافيا والموارد.
ولذلك فإن الخطر لا يقتصر على منطقة بعينها، هذه اللعبة يمكن أن تتكرر في أي مكان، لأن المنطق الذي يحكمها لا يعترف بالحدود، إذا نجح نموذج تفكيك دولة هنا فقد يتحول إلى وصفة جاهزة لتطبيقها في مكان آخر، والعالم كله يصبح ساحة مفتوحة لتجارب خطرة.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه السياسات تقودها حسابات غير واقعية، وتغذيها جماعات غارقة في عقائد خرافية، تعيد تفسير التاريخ بمنطق الاصطفاء والقدر والرسالات المزعومة، وحين تتلاقى هذه الذهنية مع القوة العسكرية والتكنولوجية يصبح العالم أمام خليط شديد الانفجار.
ولهذا فإن المواجهة الحقيقية لم تعد صراعا سياسيا بين متنافسين، إنما هي دفاع عن فكرة الحضارة ذاتها، فإذا قبل العالم أن تتحول الحروب إلى عمليات اغتيال للدول، وإلى تدمير شامل للمجتمعات، فإننا سنكون قد دخلنا عصرا جديدا، يعود فيه الإنسان إلى ما قبل الدولة والقانون.
إن اللحظة الراهنة تتطلب موقفا عالميا واضحا، من أجل إعادة تثبيت القاعدة الأساسية التي قامت عليها العلاقات الدولية، إن القوة لا يمكن أن تكون بديلا عن الحق، وأن الحروب، مهما كانت، يجب أن تبقى محكومة بحدود إنسانية وقانونية.
فإذا لم يحدث ذلك، وإذا استمر هذا الانحدار، فإن ما نراه اليوم لن يكون سوى مقدمة لعالم أكثر اضطرابا، عالم تتكرر فيه معارك الشياطين في كل مكان، ويصبح فيه الإنسان مرة أخرى مجرد وقود لصراعات لا نهاية لها.