الدستور
كن صبورًا تجاه كل ما لم يُحسم في قلبك، وحاول أن تحب الأسئلة نفسها، كما تحب الغرف المغلقة والكتب المكتوبة بلغة أجنبية بعيدة. لا تبحث الآن عن الإجابات التي لا يمكن أن تُمنح لك، لأنك لن تكون قادرًا على عيشها بعد. المهم هو أن تعيش كل شيء. عش الأسئلة الآن. وربما ستعيش تدريجيًا، دون أن تلاحظ، نحو يوم بعيد تصبح فيه الإجابة واضحة - الشاعر راينر ماريا ريلكه.
كان ليو تولستوي، في أوج مجده الأدبي، قدّم رائعته الخالدة «الحرب والسلام»، التي أصبحت واحدة من أشهر الروايات وأكثرها انتشارًا ومبيعًا في العالم، بينما كانت روايته «آنا كارينينا» تقترب من الاكتمال، وسط انتظار القرّاء والنقّاد. كانت الأموال تتدفق بين يديه، وكانت شهرته قد بلغت الآفاق. كان زوجًا وأبًا لعشرة أطفال، وقد تجاوز عامه الخمسين.
وبحسب المقاييس الظاهرة للنجاح، كان تولستوي رجلًا ناجحًا بكل المعايير؛ فقد امتلك الشهرة، والثروة، والأسرة، والمكانة التي يحلم بها كثيرون.
لكن في عام 1875، وهو في ذروة مسيرته الأدبية، توقّف كل شيء فجأة. فقد عجز عن مواصلة حياته كما كان يفعل من قبل، ودخل في أزمة وجودية عميقة هزّت كيانه. بدأ يخفي الحبال خشية أن تدفعه لحظة ضعف إلى شنق نفسه في مكتبه، وتوقف عن ممارسة الصيد لأنه كان يخشى أن يغريه السلاح بإنهاء حياته.
وصف حالته بأنها «توقف مفاجئ للحياة»، وكأن ساعته الداخلية توقفت عن العمل، وكأن كل ما كان يمنحه المعنى فقد قدرته على إقناعه.
واعترف لاحقًا قائلًا:
لم أكن أعرف حتى ما الذي أريده أنا نفسي؛ كنت أخاف الحياة، وأرغب في الهروب منها، ومع ذلك ظللت آمل في شيء منها.
وكتب أيضًا:
كان الأمر كما لو أنني عشت قليلًا، وتجولت قليلًا، حتى وصلت إلى حافة الهاوية، ورأيت بوضوح أنه لم يعد أمامي سوى الخراب.
وقد سمّى الأديب ألبير كامو هذا الإدراك بـ«العبث»، واعتبره لحظة استيقاظ يكتشف فيها الإنسان رتابة وجوده وتكرار أيامه دون غاية واضحة:
الاستيقاظ، أربع ساعات في المصنع، الطعام، أربع ساعات أخرى في المصنع، الطعام، النوم.. ثم يأتي يوم تتوقف فيه فجأة وتسأل نفسك: لماذا؟.
عندما كنّا صغارًا، كانت الحياة تبدو أمامنا مساحة واسعة من الانبهار والاكتشاف. كانت لعبة جديدة، رحلة مع الأصدقاء، مباراة كرة، عطلة نهاية أسبوع، كافية لأن تمنحنا شعورًا بالحماس والفرح. كان كل شيء يحمل في داخله وعدًا بتجربة جديدة، وكانت الأيام تبدو مليئة بالاحتمالات.
ثم كبرنا، وتكاثرت المسؤوليات من حولنا. لم يعد لقاء الأصدقاء سهلًا كما كان، وتحولت أحاديثنا من اللعب والأحلام إلى العمل والمال والالتزامات. وشيئًا فشيئًا، بدأت الحياة تثقل كاهلنا، وتسلّل إلينا شعور بالإرهاق والإحباط. حتى التوقف للتفكير في هذا الإحباط أصبح ترفًا لا نجد له وقتًا.
ومع تقدّم العمر، قد تزاح عن الإنسان كثير من المسؤوليات التي كانت تثقل كتفيه، فيجد نفسه ينظر إلى المستقبل ويتساءل: يا الله، لم يتبقَّ لي الكثير من الوقت.
لا يعود يشعر بذلك الحماس القديم، ولا بذلك الشعور الذي كان يملأه في السابق. فيبدأ بطرح الأسئلة التي لا مفر منها: هل كان هذا كل شيء؟ أين ذهب الشباب؟ وفي ماذا مضى العمر؟
ندخل خريف الحياة ونحن غير مستعدين له تمامًا، فتفاجئنا الأزمة الوجودية، ونجد أنفسنا أمام السؤال الأكثر إلحاحًا: وبعد؟
وإذا وجدت نفسك تطرح هذا السؤال، فاعلم أنك لست أول من واجهه؛ فقد طرحه قبلك ملايين البشر، من الأنبياء والفلاسفة والمفكرين، كلٌّ منهم بطريقته، وفي زمانه، ومنطلقًا من تجربته الخاصة.
وقد يكون هذا السؤال، رغم ألمه وثقله، فرصة للتحول من حياة تدور حول الذات إلى حياة تتجه نحو غاية أسمى؛ غاية لا يكتمل معناها إلا بالقرب من الله سبحانه وتعالى.
فقل يا الله، ابحث وستجد الإجابة كما وجدها مليارات البشر عبر التاريخ.