الدستور
يتعرض الأردن أحياناً للابتزاز التاريخي بخصوص نشأته؛ علمًا أن المنطقة العربية بأكملها تشكلت حدودها الحديثة في تلك الحقبة الاستعمارية، سايكس بيكو وما تلاها، وليست الأردن استثناءً يُنابز به دون غيره.
فهذا الحمى العربي العريق في التاريخ والجغرافيا، الأردن، لم ينشأ بقرار إداري من تشيرتشل، بل شق طريقه بدم شهدائه وتضحيات جيشه وشعبه الذين كانوا دائمًا في «بوز المدفع».
الدكتور جواد العناني، خانه التعبير ليس أكثر، وشاب كلامه خلطْ بين ما جرى ووصف ما جرى، وهو وصف متعسف لكنه لا يقع في باب الاستهانة بالأردن، أردنه وبلده، الذي أعطاه وأخذ منه.
في هذه المطارحة، اتطلع إلى تفكيك أقوال الدكتور العناني، بتفعيل خاصية الجدل والنقاش المفتوح على مفهوم المخالفة.
فالسير ونستون تشيرتشل الذي رسّم خريطة حدود الأردن مع سوريا، رسّم في ذات القلم، خريطة حدود سوريا مع الأردن.
والسير تشيرتشل الذي رسّم خريطة حدود الأردن مع السعودية والعراق وفلسطين، رسّم في القلم ذاته، خريطة حدود السعودية والعراق وفلسطين مع الأردن.
ولم تكن الأردن منطقة عازلة أبدًا، المنطقة العازلة في العلوم السياسية هي منطقة «شلل دفاعي» أو «ممر محايد»، بينما أثبتَّ الأردن بالوقائع والدم، أنه كان قاعدة ارتكاز عسكري قومي: وإليك بعض المعلومات.
عبر الجيش العراقي إلى فلسطين عام 1948 من الأراضي الأردنية، واتخذت قيادة الجيش العراقي- قوات صلاح الدين، بقيادة اللواء مصطفى حسن النقيب مدينة المفرق الأردنية مقرًا لها.
كما عبر الجيش السعودي إلى فلسطين عبر الأردن عام 1948.
والتقت على الأراضي الأردنية، بعد العدوان الثلاثي على مصر، الجيوش العراقية والسورية والسعودية.
وكذلك التقت على الأرض الأردنية عام 1967، الجيوش السورية والمصرية والسعودية وقد ظل الجيش العراقي في خو والزرقاء حتى خريف عام 1970.
وثّقتُ في كتابي «مِن الكسارة إلى الوزارة» حادثة بطولية للجيش المصري الذي بنى له قاعدة رادار غربي المزار الجنوبي بترتيب سياسي وعسكري وأمني مع الأردن.
كان الرادار المصري يكشف الطائرات الإسرائيلية التي تغير على الجيش المصري في حرب الاستنزاف المصرية الإسرائيلية التي احتدمت على ضفتي قناة السويس بين 1967-1970، ولذلك عمد الكيان الإسرائيلي إلى تكرار قصف القاعدة.
هنا نص ما ورد في كتابي «مِن الكسارة إلى الوزارة» حول تلك الحادثة: في قرية مجرا المقابلة للطفيلة الواقعة على حافة طريق اللعبان، أتيح لي في ربيع عام 1969 أن أشاهد بالعين المجردة كيف تمكن المصريون من إسقاط طائرة فانتوم إسرائيلية فوق قاعدة الرادار المصري التي أقيمت إلى الغرب من مزار الكرك.
كانت الطائرات الإسرائيلية تأتي من الغرب، من فلسطين المحتلة تعبر فوق أهدافها وتقصفها وهي في طريق عودتها من الشرق إلى الغرب، لضمان أن تسقط الطائرات التي تصاب في إسرائيل، من أجل سلامة طياري تلك الطائرات الذين يقفزون بالمظلات.
أبدع المصريون في تصديهم للطائرات الإسرائيلية المغيرة على قاعدتهم، فقد ظلوا يطلقون نيران أسلحتهم المقاوِمة للطائرات في خط مستقيم واحد، فشكلوا بذلك ستارة وشبكة نارية اصطدمت بها طائرة إسرائيلية كانت تلقي قذائفها على القاعدة فانفجرت الطائرة في الجو.
سقطت الطائرة حطامًا إلى الغرب من المزار، وخرج جمع غفير من أهالي المزار وطيّبة البطوش ومجرا الخرشان وهم مسلحون ونحن معهم أنا وزميلي المعلم جليل الهلسا، للبحث عن الطيار الإسرائيلي الذي تم العثور عليه جثة هامدة متفحمة.
كنت مدرسًا غير منفرد في مدرسة مجرا الابتدائية بصحبة المعلم الصديق جليل الهلسا، كانت تربطنا صلات طيبة مع الأهالي، فقد كنا نسهر مع الشيخ النوري بن قبلان الخرشة وشقيقه الشيخ نويران ومع الأستاذ ياسين القطاونة ومع والده الشيخ طايع وشقيقه الشيخ مطيع في قرية جوير المجاورة لمجرا.
ظلت الحدود والأراضي الاردنية على الدوام مفتوحة للجيوش العربية في صراع الأمة العربية مع الغزوة الصهيونية.
وظل الشعب والجيش الأردني «بوز المدفع»، وطليعة الامة في مواجهة ومقاومة الغزوة الصهيونية، منذ ناجي باشا العزام وكايد المفلح العبيدات، الى فرحان محمد الحسبان وخضر شكري أبو درويش «الهدف موقعي».