عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jul-2026

"ذكاء المسافات": رؤية لإدارة العلاقات واستعادة التوازن بالعصر الرقمي

 الغد-عزيزة علي

يطرح المستشار والخبير الأردني في الإدارة التطويرية وهندسة السلوك الإنساني محمد نصار، في كتابه "ذكاء المسافات: كشف الروابط الخفية في عالم المسافات والذكاء البشري"، رؤية فكرية وسلوكية جديدة لإدارة العلاقات الإنسانية، تقوم على إعادة تعريف مفهوم "المسافة" بوصفه أداة لتحقيق الاتزان النفسي، وصون الهوية الشخصية، وبناء علاقات أكثر نضجًا ووعيًا.
 
 
ويقدم الكتاب مقاربة تجمع بين التحليل النفسي والاجتماعي، والمرجعية الإسلامية، والخبرة التطبيقية في مجالات السلوك والإدارة، ساعيًا إلى ترسيخ ثقافة الحدود الشخصية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء الشخصية المتزنة، بعيدًا عن الإفراط في الانفتاح أو الانغلاق، ومؤكدًا أن جودة العلاقات لا تُقاس بمدى القرب أو البعد، وإنما بحسن إدارة المسافات بينها.
ويبحث المؤلف في تأثير التحولات الرقمية والاجتماعية على العلاقات الإنسانية، وما أفرزته من تداخل في الخصوصيات واستنزاف للطاقة النفسية، ليقدم من خلال سبعة فصول إطارًا عمليًا يعين القارئ على إعادة تنظيم دوائره الشخصية والمهنية والعائلية والاجتماعية، وصولًا إلى بناء علاقة أكثر توازنًا مع الذات والعالم المحيط.
وأهدى نصار كتابه إلى "العقول اليقظة التي أدركت أن جمر الأرواح لا يظل متقدًا بالاقتراب الحارق، وأن عمق الروابط الإنسانية لا يحميه سوى وقار الهيبة، ونقاء الخُلق، وصفاء الجوهر".
يتضمن الكتاب سبعة فصول تتناول مفهوم "ذكاء المسافات" وتطبيقاته في مختلف جوانب الحياة. فيما يتناول الفصل الثاني "فن المسافة في المحيط المهني"، ويركز على مفهوم مسافات الهيبة.
أما الفصل الثالث، "الهندسة العاطفية"، فيتناول العلاقة مع شريك الحياة، بينما يبحث الفصل الرابع، "مسافات الدم"، في هندسة الروابط الأسرية وعلاقات القرابة. ويخصص الفصل الخامس، "سيكولوجية العتبات"، للحديث عن الأصدقاء والدائرة الاجتماعية، في حين يناقش الفصل السادس، "المسافة مع الذات"، مفاهيم الخلوة الذكية والعلاقة مع النفس.
ويختتم الكتاب بفصل سابع بعنوان "مختبر الواقع"، يتناول ذكاء المسافة في العصر الرقمي وزحام الحياة، قبل أن يختتم المؤلف كتابه بخاتمة تنفيذية بعنوان "بيان السيادة الشخصية وإشراقة العبور الجديد".
وفي مقدمة الكتاب، يرى محمد نصار أن "ليس ثمة بؤس يفوق بؤس إنسان يعيش في بيت بلا جدران، تطأ عتباته أقدام العابرين، وتعبث بتفاصيله الرياح دون إذن أو ضابط".
ويضيف أن ملايين البشر يعيشون هذا البؤس اليوم، ليس في بيوتهم المادية، وإنما في أعمق مساحاتهم النفسية والوجدانية، حيث تلاشت الحدود التقليدية في ظل ما يصفه بـ"المشاعية الرقمية والاجتماعية"، وأصبحت النفوس مستباحة بفعل العفوية غير المنضبطة أو التعلق المرضي بالأشخاص والأشياء والمواقف.
ويتابع: "أصبح التعاطي مع الواقع يتسم بالجمود والحرفية، حتى بات كل ما يبدو ممتعًا يقودنا إلى حيث يشاء، ويتسلل إلى خلواتنا، ويغلف حياتنا دون مقاومة أو وعي كافٍ". ويؤكد أن العصر الحديث يقدم للإنسان، بحسب وصفه، "مقايضة ناعمة لكنها قاتلة"، إذ يدعوه إلى الانفتاح الكامل تحت مسميات مثل الحداثة، والزمالة، و"الميانة" (رفع الكلفة والحواجز)، وصلة الدم المذابة، مقابل وعد بالقبول الاجتماعي، بينما يكون الثمن الحقيقي هو التفريط بأثمن ما يملك: هويته، وهيبته، وسلامه النفسي، بل وحتى عمره.
ويتابع نصار أن الإنسان المعاصر تحول إلى كائن مستنزف، تحركه "أيادٍ خفية" تعمل على انتزاع مشاعره الأصيلة واستبدالها بمشاعر مصطنعة تُفرض عليه من الخارج.
ويقول: "إنه الإنسان الذي يقترب من الآخرين طلبًا للدفء فيحترق بأشواكهم، ويبتعد هربًا من الأذى فيرتجف في صقيع الجفاء والعزلة".
ويضيف أن فلسفة الكتاب ولدت من هذه الحيرة الوجودية بين ما يسميه "الاندماج والانتحار السلوكي" من جهة، و"الانكفاء والوحشة" من جهة أخرى، لتقدم مفهوم "ذكاء المسافات" بوصفه مقاربة لتحقيق التوازن.
ويؤكد أنه لا يدعو إلى بناء جدرانٍ تعزل الإنسان عن محيطه، ولا إلى الانفصال العاطفي الذي يقطع روابط الود والرحمة، وإنما يقدم ما يصفه بـ"مخطط هندسي اجتماعي" ودليل عملي للسيادة الشخصية، يتعلم من خلاله القارئ، "بوعي القائد ونضج العاقل"، كيف يعيد رسم حدوده وتنظيم دوائره السبع.
ويشرح أن هذه الدوائر تبدأ بعلاقته مع عابر السبيل في الفضاء العام، ثم شريك الحياة والجوانب العاطفية، فالعائلة والأقارب في إطار "مسافات الدم"، والزملاء في بيئة العمل، والأصدقاء ضمن دوائر الانتقاء الواعي، وصولًا إلى العلاقة الآمنة مع الذات، ثم إدارة الحضور في الفضاء الرقمي.
ويؤكد نصار أن القارئ لن يجد في فصول الكتاب "نصائح معلبة أو تنظيرًا جافًا"، بل تشريحًا نفسيًا صريحًا لواقع يعيشه الجميع، يستند إلى ثوابت مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلى تجارب واقعية تعيد الاعتبار لمفهوم الحدود الشخصية وقيمتها.
ويضيف أن الكتاب يستند كذلك إلى قصص واقعية معروفة الهوية، كشفتها، بحسب وصفه، كواليس العيادة السلوكية والإدارية والاجتماعية، ويختتم كل محور بتدريب منهجي عملي يزود القارئ بأدوات لتطبيق مفاهيم مثل "القول الميسور"، و"الصمت الإستراتيجي"، و"عزل الشحنات"، و"تشفير الحدود الزمنية".
ويخاطب المؤلف القارئ بقوله: "إن إعادة ضبط مسافاتك وحدودك هي الخطوة الأولى لاستعادة سلطتك على حياتك".
ويختتم مقدمته بالتأكيد على أن "المسافة ليست دعوة إلى الجفاء ولا مرتعًا للعزلة، بل هي الفراغ المقدس الذي يسمح للضوء بأن يعبر بوقار، وللمودة بأن تتسلل بعناية، دون أن يحرقهما سوء الاقتراب".
وفي خاتمة الكتاب، التي حملت عنوان "بيان السيادة الشخصية وإشراقة العبور الجديد"، يخاطب محمد نصار القارئ بقوله: الآن، وأنت تطوي الصفحات الأخيرة من هذا المخطط الهندسي والسلوكي، وقد اختبرت مسافاتك في الواقع الرقمي وزحام الحياة اليومية، أرجو أن تغلق الكتاب والابتسامة تملأ وجهك، والطمأنينة تسكن قلبك.
ويؤكد أن رحلة الكتاب لم تكن دعوة إلى "البعد" بوصفه عقوبة، ولا إلى "القرب" باعتباره حلًا سحريًا، بل محاولة لاستكشاف مفهوم أعمق يتمثل في "القياس الواعي"، وفن معرفة متى يكون الاقتراب إثراءً، ومتى يكون الابتعاد سبيلًا إلى الصفاء.
ويضيف أن المسافة ليست فراغًا ينبغي الخوف منه، وإنما فضاء يُصمم بوعي وذكاء. ويبين أن الكتاب يبدأ من الداخل، حيث تتدرب النفس على التروي بين الفكرة والاستجابة، ليصبح الانفصال الواعي استعادةً للسيادة الإدراكية، لا انسحابًا من الواقع.
ويمضي إلى الحديث عن مفهوم "الخلوة الذكية"، بوصفها اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان توازنه ويعيد شحن طاقته، قبل الانطلاق مجددًا إلى العالم الخارجي، بما فيه من زحام رقمي، وبيئات عمل تحتاج إلى حدود واضحة، وقيادة ذاتية تُبنى على الحضور الانتقائي الواعي، بما يمكّن الآخرين من النمو وصناعة قادة، لا مجرد تابعين.
ويؤكد نصار أن فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، ليست سوى وجوه متعددة لفكرة واحدة هي "ذكاء المسافات"، موضحًا أن هذا الانضباط السلوكي ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل امتثال لسنن كونية أودعها الله في الإنسان، ومنحه من خلالها أمانة الوعي، ليكون مهندسًا لعالمه الداخلي.
ويضيف أن "ذكاء المسافات" لا يقدم قواعد جامدة، بل يمنح الإنسان حرية الضبط والتقدير، داعيًا إلى البحث عن المسافة المناسبة لكل موقف، لا عن مسافة مثالية ثابتة. ويقول: "راقب طاقتك، واستمع إلى صمتك، وعدّل اتجاهك، ولا تخشَ الابتعاد حين يكون القرب عبئًا، ولا تتردد في الاقتراب حين يكون البعد فراغًا".
ويقول: أعمق القرب يبدأ بابتعاد واعٍ، وأصدق الحضور يولد من فراغ صُمم بعناية. امشِ في مسافاتك كمن يمشي في حديقته الخاصة؛ فلا تزرع كل شيء في مكان واحد، بل اترك فراغًا للشمس، وللهواء، وللنمو الذي لا تراه اليوم، لكنه سيثمر غدًا.