عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Sep-2026

حدث قبل ثلاثين عاما .. بين عمّان ولندن| أحمد سلامة
عمون|
 
أحمد سلامة-
 
قبل ثلاثين عاما بالتمام والكمال اصطحبني العزيز عباس كاليدار الى جامعة لندن، وفي مثل هذا اليوم صباح الثاني من ايلول سنة ١٩٩٦م، لانتقل من عملي في الديوان الملكي الهاشمي، إلى طالب على مقاعد الدراسة في جامعة لندن (SOAS)
 
هل كان ذلك رغبة ام اكراها لا يهم الان هذا الوجه في الكتابة.. ما وددت ان اكتبه اليوم، من وحي الحاح الذاكرة علي لان الشيء بالشيء يذكر، لان اليوم يكون قد اكتمل ثلاثين عاما من رحلة العمر.. تغيرت فيها كل ملامح الكون إلا بعض عادات تأبى ان تفارقنا، وعلى اولها (اتقان فن الوداع)
 
قصة كما كل قصص الحياة طريفة وقعت صيف ذلك العام، كان هناك حكومة جديدة، وكان رئيسها اقرب صديق لي لاول مرة يأتي رئيس وزراء صداقته متصلة وحميمة، وقبل ليلة من تكليف دولته، كان في معية وفد برئاسة سمو الامير الحسن على مائدة افطار رمضاني في ضيافة الرئيس التركي (سليمان ديميريل) في انقرة، وصدع لامر التكليف السامي في ٤/ ٢ / ١٩٩٦م، وكان هناك قيادة اجهزة جديدة وبلاط يرأسه جديد
 
وبدأ الأردن يعيش مرحلة استقبال لموج من القادم عارم..
 
كان ذلك يوم خميس ويوم الثلاثاء كان الرئيس المكلف مع سمو الامير الحسن في ضيافة الدكتور فوزي غرايبة رئيس الجامعة الاردنية، وكان من ضمن الحاضرين برنارد لويس، الذي قدمني اليه ليلتها الاخ والزميل والصديق عباس كاليدار. بوصفي من تلاميذ التاريخ.. ولقد بلغ الود مبلغا مع دولته بأن سألني معاتبا لماذا اعتذرت عن المشاركة بفريقه.. إلى هذا الدفء كانت العلاقة..
 
وكما دوما ايام شتاء المتوسط منقلبة وعاتية في تقلبها، في اقل من شهرين كان الرعد يعقب البرق بضراوة في اصطفاف متعجل، بغية الاقتلاع الكلي لحضوري في المشهد العام..
 
وغضب الرئيس على حوار وقع بمحض المصادفة بين احد وزرائه وبيني وراح الحوار حول خصخصة الاعلام، وأبديت رأيي الذي لم احد عنه قيد انملة، بوقوفي في وجه (خصخصة الاعلام) كانت تلك فلسفة عندي اكثر منها قناعة.. ورغم كل التجريفات التي تحققت بالبيع وادت الى بلع (الرسالة الوطنية) فإنني حتى اخر الدهر سأقاوم ولو نظريا مسألة خصخصة الاعلام..
 
تدهورت الاحوال، وكانت الاجهزة بكل ضراوتها قد انقضت على مشروع (قلم وطني) لا عمره غمس من حبر سفارة او دولة او شخص، سوى
الولاء لفكرة دولة الرسالة، الرسالة التي كان ثمنها عروشا وشهداء، ولم تكتمل بعد.. هكذا كان ظني بالاردن وهكذا ايماني به..
 
ولم يتجه الحديث الى اية تسوية او الالتقاء في المنتصف، ذلك ان اعتذارا كان كاول شروط التفكير بالتراجع عن الغضب، وانا لم اجد حينها اي مبرر او موجب اعتذر عنه لاحد او من احد، وهكذا تصاعدت الامور بشدة، وصار السؤال (الى اين سيذهب) وليس لماذا سيذهب ؟!
 
وصرت اسمع اصداء قرارات تتعلق بي من الوسط الصحفي، وانا منخرط في واجبات العمل في المقر السامي كالمعتاد.. وسمعت انني ساذهب لاستنبول، ومرة الى لندن، وثالثة الى البيت.. إلى أن أبلغني المرحوم ميشيل حمارنة يرحمه الله مدير مكتب سمو الامير الحسن وقتذاك، إن كانت لدي الرغبة بالالتحاق في برنامج اكاديمي ولغوي في جامعة لندن.. وكان ذلك اسلوب ميشيل الانساني الراقي.. قبلت في الحال وفهمت الرسالة…
 
فوجئت ذات يوم وانا في المنزل مساء، بهاتف من الاخ سمير الرفاعي وكان انذاك مدير المكتب الخاص لسمو الامير الحسن، يبلغني ان اتجه في الحال الى مسجد الملك عبدالله لان سيدي حسن يريدك هناك فورا..
 
لحظة هذا الاتصال الرفاعي الحميم كنت واقعيا اضحيت خارج نطاق العمل اليومي، وتولى الزميل عبد السلام الطراونة مهام عمله بديلا لي
لانني ارتب نفسي للسفر..
 
صدعت للامر واتجهت للمسجد، كان سموه قد شرف لرعاية حفل ديني لاطفال (ربما حفظة القرآن الكريم) بعد انتهاء سموه من مراسم الحفل، اصطحبني رعاه الله معه في سيارته الى المقر السامي..
 
وبدفئه الحميم استفسر عن بعض امور، بعدها سألني: من هو عمر كلاب؟!
 
اجبته انني رأيته مرة واحدة ليلة حادثة السيفوي حين كنت في معيتكم تتفقد الجرحى حتى الصباح تقريبا في المستشفيات. بغير ذلك لا اعرف عنه شيئا سوى انه صحفي !! شاطر..
 
سأل سموه بشيء من الحيرة… يعني ما قرأت مقالته عنك اليوم في إحدى الصحف… قبل ان ينشرها ؟؟
 
اجبت بمنتهى الرضا.. والله لم يقل لي احد حتى عن المقال وانا كما تعلم سيدي معتزل وارتب احوالي للسفر..
 
كان الزميل عمر كلاب، قد كتب مقالة نارية يشجب فيها التكالب على شخصي بعنوان (قطعها السلطان عبد الحميد ووصلها السلطان عبد الكريم (قصد دولة رئيس الوزراء وقتذاك) احمد سلامة ينفى من الرئيس الى الاستانة !!!
 
وكما فهمت لاحقا ان تفاعلا مركبا قد جرى بعد ذلك واقتضت المغادرة الى لندن… وهكذا حدث
 
في مثل هذا اليوم دخلت قاعة الدرس الاول في جامعة لندن، ورحت منغمسا في هذا الجو الاكاديمي المذهل. وانستني جامعة لندن كل هموم عمان
 
وصرت اكتب اسبوعيا مقالة في جريدة الاسواق اكرمني الصديق النبيل مصطفى ابو لبدة رئيس التحرير بأمرين خصص زاوية على يمين الصفحة الاولى لمقالتي الاسبوعية، وهو من اختار عنوانها (من بعيد / احمد سلامة) وكذلك ثمنها بكريم جوده حين دفع ثمن المقالة ٥٠٠ دينار في الشهر، كانت هي مصروف اسرتي لا شيء سواها..
 
اتذكر… مثل كل طيف لا يفارق ويظل يعانقك حتى الممات.. لان في اشياء تحدث اول مرة ولا تتكرر في الحياة وهذه اسميها قناديل العتمة.. تضيء بوهج فاتك مفاجئ فتسترد الدروب جمالها وفتنتها
 
ايلول دوما يكتب عنه لانه اول الكشف واول الحب، واول قرار الكون احاطة عباد الله بدفئه .. لهاذا اكتب عن تلك الحادثة..
 
في ١١ / ١١ من ذلك العام جلست لاكتب مقالة عن شأن اقليمي فدخل علي زائرا احد اساتذتي الذين اباهي بهم الدنيا بوعيه ورعايته لي باخوة منقطعة النظير، وتوجيهي للمعرفة اللندنية من المسرح حتى عالم السينما كان الاخ مازن حسن مصطفى ابن الطيب والمحتد الشهم، هو المرشد دخل علي وانا اهم بالكتابة في شقتي بشارع كروفورد رقم ١٩١، قال اختك هامة (دكتورة في التاريخ والاعلام) طابختلنا اليوم ملوخية..
 
قلت له اعفيني يا الحبيب بدي اكتب مقالتي، فاجاب: مقالتك يفترض انها جاهزة في روحك وعقلك… واكمل ذلك اليساري المدهش "انت بدك تكتب عن الحسين، عيد ميلاده بهذه الايام صحيح !؟"
 
قلت له نعم صحيح !!
 
فاكمل: كن انت واكتب ما تراه فيه من بعيد.. وهكذا جرى
 
كتبت مقالة بعنوان (الهاشمي)، وكتاب المقالات يدركون ما سأقوله..
 
حين يكتب الكاتب مقالته يدرك حجم انسجامها مع روحه.. ولقد كان ذلك المقال كل روحي وافضل ربما او من الافضل ما كتبته طوال حياتي..
 
كان فيه الحب الصافي للحسين رحمه الله، والوجع الحقيقي الذي يقارب العذاب من المداخلات المؤلمة في ادارتنا للدولة.. ونقد حنون لتصفية الحسابات غير الضرورية التي تقع دون مبرر..
 
كان الحسين رضي الله عن كل روحه افضل قارئ في الشرق العربي، يقرأ الممحي وما بين الفاصلة وعلامة التعجب!!!
 
نشرت صحيفة الاسواق في صدر صفحتها مقالة (الهاشمي) صباح ١٤ / ١١ عيد ميلاد جلالته، عند المساء رن هاتف المنزل بضراوة كان على الخط الاخر رفيق الحوادث الصعبة والمواقف الاخوية.. كان سمير الرفاعي يقول لي: سيدي حسن يود مكالمتك. وخليك قريب من التلفون
جلالة سيدنا احتمال يكلمك..
 
وتشرفت ليلتها بمحادثة جبر خاطر من سيدي حسن.. وبعدها بدقائق كنت بين صوت الحسين وقلبه..
 
في اليوم التالي كنت في عمّان واستقبلني بتكريم رفع من روحي في القيادة العامة للقوات المسلحة… كتابع مولع بحب الولاء لجلالته والحندي لعرشه
 
لم اذكر كل ذلك بغية المباهاة فلقد بلغ النهر منتهاه.. ولم يعد لي اية صلة في الدولة سوى ولائي لها حتى اخر (كف) تصفعه لنا بعد ان ما خلوا ولا بقوا.. والحمد لله فالايمان بالدولة (يقيني ويقيني) وطرد ابن او قهر بالظلم او الاستبعاد بهدف الاستئصال المطلق والكلي لا يفت من عضد ايماني بدولة الرسالة، وعرش الرسالة، وتضحيات من صنع لنا هذه الرسالة.. لان معنى الولاء اليقين المطلق..
 
فقط بعد ثلاثين سنة من تعب الحياة، ونحن كما تقول العامة (شطبنا) بكل الابعاد فانني وددت الالتماس بلفت الانتباه ان هواتف كان تعقب الغضب وان الناس تقرأ وتراجع وتعرف ان خطأ المؤمن بالرسالة يغفر ولا يصح ان يكون الطلقاء او المؤلفة قلوبهم هم القضاة وهم الحكماء!!
 
رحم الله الحسين.. فلقد عشنا في معيته وانصفنا ولم يكن يسمح لاي احد ان يجرح الموالين والمؤمنين..
 
بعد ثلاثين سنة ادعو إلى وقفة وإلى صفنة وحتى الى مراجعة لبعض جور قد يقع هنا وظلم مشخصن يحدث هناك
 
ميزة الاردن اننا قادرون على مراجعة النفس دوما
 
يا رب احميها من خطايا ابنائها..