عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Jun-2026

جامعة الدول العربية… حان وقت التغيير الجذري*طايل الضامن

 الراي 

شهد العالم العربي أزمات وتحوّلات كبيرة خلال العقدَين الماضيَين، سقطت خلالها أنظمة، ومُنيت العديد من الأقطار العربية بحروب ضارية غير مسبوقة، عجزت فيها جامعة الدول العربية بأدواتها الحالية على أن يكون لها دور فعّال في المشهد العربي المتأزم والتي كانت أكبر من حجمها وصلاحياتها.
اليوم، ومع إعلان تعيين الدبلوماسي المصري المخضرم نبيل فهمي، أميناً عاماً للجامعة العربية خلفاً لمواطنه أحمد أبو الغيط، تطفو على السطح مجدداً أهمية وضرورة إعادة هيكلة الجامعة العربية وإجراء إصلاحات داخلية لجعلها منظمة إقليمية قادرة على أن تكون حاضرة في المشهد العربي، وأكثر فاعلية في حماية أمن الدول الأعضاء واستقلالها واستقرارها، وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي بما يواكب تطور التكتلات العالمية، وخطوة نحو انتشال الدول العربية المنكوبة من محنها التي منيت بها، وإعادتها إلى الحضن العربيّ، بما يعزّز ويقوي الجامعة ودولها.
 
معروف أن الجامعة العربية تعرضت لحملات انتقاد متتابعة من مختلف التيارات السياسية منذ تأسيسها إلى يومنا هذا، واتهمها البعض بأنها صنيعة الاستعمار، وساهمت في تعميق التّشتت العربي، وفي هذا الصدد أتذكر أيام الدراسة الجامعيّة عندما درسنا مساق المنظمات الدولية، طلب مِنَّا وقتها دكتور المادة، رحمه الله بواسع رحمته، شطب وحدة الجامعة العربية من الكتاب، بحكم أنها خدعة إمبريالية منيت بها الأمّة العربية، وفق وجهة نظره التي وقتها فرحنا بها، ليس من باب حرية الرأي والتعبير بل من باب تخفيف حجم مادة المساق.
 
إنّ وجود الجامعة العربية اليوم ضروري جداً لمتابعة التحديات التي تواجه الأمة والتي عبّر عنها الأمين العام الجديد في أول تصريح له بعد تعيينه بأنّها "تحديات غير مسبوقة ومخالفات صارخة للقانون الدولي من أطراف معتدية على دولنا وسلامتنا، وأخرى ما تزال تحتل أراضينا وتعرقل تمكين الشعوب من ممارسة حقوقها المشروعة، فضلاً عن محاولات تستهدف أمن واستقرار العالم العربي".
 
ولإعادة تفعيل دور الجامعة، لا بدّ من التفكير بعمق أكثر من أي وقت مضى، في أنّ الاعتماد على الغير في حماية أمن بعض الدول العربية قد فشل ولم يجدِ نفعاً، فلم تفلح اتفاقيات التحالف مع الولايات المتحدة في حفظ أمن الخليج العربي، ولم تسلم دوله من الصواريخ الإيرانية، فقد فاق عدد الصواريخ والمسيّرات التي سقطت على الأراضي العربية بمنطقة الخليج تلك التي سقطت على الكيان الصهيوني.
 
فاليوم، وبعد هذا الدرس المهم وباهظ الثمن، تقف المنطقة العربية على مفترق طرق، إما الاستمرار في سياسة التحالف غير المفيد مع أميركا وقد رأينا النتائج، أو البدء باتّخاذ قرارات حاسمة لحماية دولها وأنظمتها واستقلالها، والتي لن يدافع أحد عنها غيرها، وهذا يتطلب إعادة هيكلة الجامعة العربية وتحديث ميثاقها ومؤسّساتها وتوسيع صلاحياتها بما يخدم المصلحة العربية المشتركة ويحقق الأمن العربي.
 
وهنا أدعو إلى ضرورة تعديل الميثاق، خاصّة المادة السابعة التي تنص على آلية التصويت وفق الآتي: "ما يقرره المجلس بالإجماع يكون ملزماً لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزماً لمن يقبله. وفي الحالتَين تنفذ قرارات المجلس في كل دولة وفقاً لنظمها الأساسية". ونرى أنّ هذا النص يشل عمل الجامعة العربية، ويجعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات عاجلة وحاسمة، ولا بدّ هنا من تعديل آلية التصويت لتكون أكثر مررنة وسهولة وفعالة في خدمة القضايا العربية، بأن تكون ملزمة بالأكثرية لا بالإجماع وفق آلية عادلة ومعقولة.
 
وبطبيعة الحال تقتضي تعديل آلية التصويت، ضرورة تقديم المصلحة الإقليمية المشتركة على المصالح الوطنية الآنية، بعد أن أثبتت التجارب ألّا مفر من الاعتماد على الذات في حماية المنطقة العربية، وما كشفته الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من حقائق لم نكن نتوقعها أو نراها حتى في أحلامنا.
 
ولتفعيل دور جامعة الدول العربية أيضاً لا بدّ من إعادة النظر بآلية عمل مجلس الأمن السلمي العربي الذي تأسس عام 2006 من رحم الجامعة العربية، وضرورة تحويله إلى ذراع تنفيذية حقيقية تمتلك آليات لفضّ النزاعات والوساطة المبكرة، وتطوير قوة حفظ سلام عربية مشتركة تتدخل برغبة الأطراف لتهدئة الأزمات الداخلية.
 
ولا بدّ أيضاً من التركيز على أهمية إنشاء محكمة العدل العربية، واتخاذ خطوات جادة في هذا الاتجاه بُغية تفعيل المقترح القديم لإنشاء محكمة قضائية تفصل في النزاعات القانونية والحدودية بين الدول الأعضاء بشكل ملزم، بدلاً من تركها للتصعيد السياسي، إضافة إلى ضرورة تطوير أدوات الجامعة كافة خاصة الاقتصادية بما ينعكس إيجاباً على الدول العربية وأمنها الإقليمي، وشعوبها وتحقيق الرخاء وانتشال الأجيال العربية من شبح البطالة والفقر .
 
وأخيراً، ندعو الله أن يوفق الأمين العام الجديد في مسعاه الطيب في تعزيز الأمن والاستقرار والعربي، وأن تتولد الإرادة الجادة في إعادة الهيبة للجامعة من خلال تحديثها وتطويرها لتكون أداة نهوض للأمّة، وألّا يقتصر دورها على بيانات الإدانة والشجب.