عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jun-2026

جرس إنذار أميركي للابتكار بلا سيادة*نديم حاتم منصور

 الغد

خلال السنوات القليلة الماضية، غرق الخبراء في نقاش مستفيض حول نظريات حوكمة الذكاء الاصطناعي في مؤتمرات دولية، ولجان استشارية، وأوراق بحثية عديدة، دون التوصل فعلياً إلى تصور مقنع لما يراه البعض معضلة عصرية. لكن الواقع كتب سيناريو مختلفاً كلياً، فالإجابة لم تنتظر قمة تاريخية، بل حُسمت بخطاب مباغت هبط في بريد شركة "Anthropic" في منتصف هذا الشهر. بضع فقرات، بلا نقاش ولا حق استئناف، وضعت حداً للجدل، وبحلول منتصف الليل، استيقظ مئات الملايين من المستخدمين ليجدوا أنفسهم معزولين تماماً عن أكثر خوارزميات العالم ذكاءً، حيث أمرت الحكومة الفيدرالية الأميركية شركة Anthropic بمنع استخدام نموذجي "Mythos 5" ونسخته المدنية "Fable 5" من قبل أي شخص غير أميركي، حتى لو كان من موظفي الشركة نفسها.
 
 
لفهم أبعاد ما جرى، لا بد من فهم هوية Anthropic أولاً. هي ليست شركة تكنولوجيا عادية تسعى للربح بأي ثمن، فقد ترك مؤسسوها شركة OpenAI احتجاجاً على ما رأوه تسرعاً في نشر تقنيات لم تُختبر كفاية، وبنت الشركة منهجاً كاملاً أسمته "الذكاء الاصطناعي الدستوري" (Constitutional AI) يضع الأخلاق في صميم تطوير خوارزمياتها. وحين طلبت منها إدارة ترامب سابقاً منح الجيش الأميركي صلاحيات غير مقيدة على تقنياتها لأغراض تشمل أنظمة أسلحة ذاتية القرار، رفضت الشركة ذلك، ليس خوفاً ولا ضعفاً، بل انطلاقاً من موقف أخلاقي صريح، ودفعت ثمنه غلياً حين وضعتها وزارة الدفاع على القائمة السوداء وجمّدت عقودها الحكومية.
لكن الإدارة الأميركية لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد أسابيع قليلة من إطلاق Anthropic لنموذجي Fable 5 وMythos 5  الذين يمثلان القفزة الأكثر تطوراً في تاريخها أصدرت الإدارة توجيهاً بموجب صلاحيات الأمن القومي يحظر على أي مواطن أجنبي، في أي مكان في العالم، الوصول إلى هذين النموذجين. وكانت الذريعة هي قدرتهما الفائقة على اكتشاف الثغرات الأمنية الحرجة للأنظمة الإلكترونية وهي حقيقة واقعة، فهذان النموذجان هما الأكثر تطوراً وهو ما أخّر إطلاق النموذجين لعدة أشهر. ورغم أن Anthropic اعترضت علناً، ووصفت الثغرة بأنها محدودة النطاق ولا تستوجب هذا القرار الجذري، إلا أنها امتثلت في النهاية، واضطرت لقطع الخدمة مؤقتاً عن الجميع.
هنا، وجدت الشركة الأكثر جدية في مجال الأخلاقيات نفسها مجبرة على الانصياع لأمر تختلف معه جوهرياً؛ ليس لأنها غيرت قناعاتها، بل لأنها اكتشفت واكتشفنا معها أن ثمة سقفاً منخفضاً للأخلاق حين تصطدم بالسلطة السيادية للدول العظمى. ما جرى ليس سابقة معزولة، بل هو تجلٍ واضح لظاهرة حديثة ترسم ملامح السياسات الرقمية الجديدة: لقد تجاوزنا عصر "تأميم الشركات" التقليدي، ونعيش اليوم عصر "التجنيد السيادي أحادي الجانب" للتقنيات الخاصة باسم الأمن القومي. وهي حادثة تعيد إلى الأذهان إبطال الصين لصفقة شركة Manus في الأسابيع القليلة الماضية.
إن التقنيات التحويلية الكبرى في التاريخ، كالطاقة النووية والأسلحة البيولوجية والكيميائية، ولدت كلها في أحضان الدول أو تحت إشرافها المباشر، وكانت السلطة حاضرة منذ البداية لتحدد الأهداف، وتمول الأبحاث، وتضع قواعد الحظر والانتشار. لكن الذكاء الاصطناعي سلك مساراً مغايراً كلياً، فقد ولد في مختبرات شركات خاصة، وتطور بتمويل رأسمالي مغامر يبحث عن تعظيم الأرباح، وانتشر عالمياً عبر منصات تجارية مفتوحة اعتمد عليها مئات الملايين في أعمالهم وأبحاثهم وحياتهم اليومية، إلى أن استيقظت الدول فجأة واكتشفت أنه "سلاح". لقد كان منطق السوق في هذا العصر أسرع بكثير من منطق الحوكمة.
والنتيجة المخيفة هي أن البشرية تجد نفسها اليوم تعتمد اعتماداً عميقاً على بنية تحتية لم تحسم بعد سؤالاً سيادياً واحداً: لمن تنتمي في لحظة الحقيقة؟
لقد أثبتت الشركات أنها لا تستطيع الصمود حين تتصادم مصالح المستخدمين مع الهيمنة السيادية، وأكدت الحكومات أنها ستتصرف دائماً بمنطق مصالحها الضيقة دون أدنى اعتبار لبقية العالم. ولعل حداثة نموذجي Fable وMythos  قد ساهمت في تخفيف كارثية الصدمة الحالية، إذ لم يتسع الوقت للشركات الناشئة والمؤسسات عالمياً للاعتماد الكامل عليهما لتشغيل خدماتها. لكن، التصور بأن هذا القرار الأميركي صدر بعد عدة أشهر من دمج هذه النماذج في عصب الاقتصاد الرقمي العالمي؟ كان قرار مباغت كهذا كفيلاً بإحداث شلل تشغيلي عابر للقارات، وانهيار فوري لآلاف الشركات الناشئة التي ستجد "عقلها المفكر" قد أُطفئ بجرّة قلم في واشنطن.
في كل مرة ابتكرت فيها البشرية تقنية تحويلية كبرى، واجهت السؤال الوجودي ذاته: كيف نتحكم في هذا؟ مع الطاقة النووية، تطلب الأمر فاجعة هيروشيما لدفع العالم نحو معاهدات الحد من الانتشار. ومع الأسلحة الكيميائية، كانت أهوال الحرب العالمية الأولى هي الثمن قبل اتفاقية جنيف. في كل مرة، كانت الحوكمة تأتي بعد الكارثة لا قبلها. والذكاء الاصطناعي يسير اليوم على الطريق ذاته، ولكن بسرعة مرعبة لم تشهدها البشرية من قبل. والمقلق ليس أن الحكومات تتصارع على السيطرة عليه، فهذا مفهوم ومتوقع؛ بل المقلق هو أننا بنينا عالماً يعتمد عليه كلياً في تفاصيله، قبل أن نقرر من يملكه، ومن يحكمه، ومن يحمي المجتمعات من آثاره.
لم تعد المسألة تتعلق بشركة "Anthropic" أو بمثاليتها الأخلاقية، بل بالدرس القاسي الذي وُجّه لبيئتنا الريادية في العالم العربي أو في غيره من الأسواق النامية. إن بناء شركات ناشئة تعتمد في صلب نموذج عملها على "عقول مستعارة" تُدار بمفاتيح سيادية خارج حدودنا هو مخاطرة وجودية غير محسوبة. هذه الحادثة هي جرس إنذار صاخب: الاستقلال الرقمي وتوطين التقنية لم يعودا ترفاً إستراتيجياً، بل هما خط الدفاع الأول عن اقتصاداتنا الناشئة. وإذا لم نتحرك لامتلاك "مفاتيحنا" الخاصة، سنظل دائماً تحت رحمة خطاب مباغت قد يطفئ محركات ابتكارنا بجرّة قلم.