عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Aug-2026

إيران والقواعد الجديدة للقوة العالمية: تشكُّل الهيمنة الأميركية وانحسارها (2/1)

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت أ. بيب* - (فورين أفيرز) 29/7/2026
 
لم تكن حرب الخليج في العام 1991 مجرد انتصار عسكري لتحرير الكويت، وإنما لحظة تأسيس للنظام الدولي أحادي القطبية الذي رسّخ الاعتقاد بتفوق الولايات المتحدة وقدرتها على فرض إرادتها بتكلفة منخفضة. وهو ما شجع العولمة، وخفّض الإنفاق الدفاعي لدى الحلفاء، ورسخ الثقة باستقرار التجارة العالمية. لكنّ العولمة نفسها نشرت التقنيات العسكرية الدقيقة خارج احتكار القوى الكبرى، وأتاحت بذلك للدول الأضعف والفاعلين من غير الدول امتلاك وسائل فعالة لفرض تكاليف باهظة على خصومهم. وتؤذن الحرب الجارية الآن مع إيران بنهاية ذلك العصر، وبداية نظام دولي أكثر اضطراباً، تتراجع فيه الهيمنة الأميركية وتزداد فيه المنافسة والأزمات حول الممرات الإستراتيجية.
 
 
في ليلة 17 كانون الثاني (يناير) 1991، تابع مشاهدو التلفزيون في مختلف أنحاء العالم شيئاً لم يسبق لهم أن رأوا مثله من قبل. على خلفية سماء سوداء أضاءتها نيران الدفاعات المضادة للطائرات، كانت القنابل الأميركية الموجّهة بدقة تصيب النوافذ وممرات التهوية والمخابئ القيادية في بغداد. وبثّت شبكة (سي. إن. إن) الأميركية حرب الخليج مباشرة على الهواء. وبالنسبة لملايين الأشخاص، بدت تلك الصور وكأنها تبشّر بقدوم عصر جديد.
لفهم سبب أهمية تلك الصور، من الضروري تذكّر مدى التهديد الذي بدا عليه العراق قبل اندلاع الحرب. كان الدكتاتور العراقي صدام حسين يقود ما يقرب من مليون رجل مسلح. وكان جيشه قد خرج من حرب وحشية استمرت ثماني سنوات مع إيران. وكان يمتلك واحدة من أكبر القوات المدرعة في العالم. وكان غزو العراق للكويت قد أثار مخاوف من أن صدام ربما يوجه قواته قريباً نحو المملكة العربية السعودية، مما قد يجعل بلده قوة مهيمنة على النفط في الخليج العربي، ويضع ربع إمدادات النفط العالمية تحت سيطرته المباشرة.
لم يكن كثير من الأميركيين يتوقعون انتصاراً سهلاً. كان ظل إخفاق حرب فيتنام ما يزال يلقي بظلاله الطويلة. وكان صدام قد قال للسفير الأميركي لدى الكويت قبل أسبوع من غزوه الدولة المجاورة: "إنكم مجتمع لا يستطيع تقبل مقتل عشرة آلاف من جنوده". وكان كثير من المحللين يخشون من أنه قد يكون محقاً. كما أن مجلس الشيوخ الأميركي لم يوافق على استخدام القوة إلا بفارق ضئيل. وأعدت وزارة الدفاع الأميركية نفسها لخسائر كبيرة، وقامت بشحن الآلاف من أكياس الجثث إلى المنطقة. ولم يكن التوقع هو تكرار تجربة الحرب العالمية الثانية، وإنما تكرار تجربة فيتنام.
لكن ما حدث بعد ذلك صدم الجميع تقريباً. فبعد خمسة أسابيع من الضربات الجوية، حررت القوات البرية التابعة للتحالف الكويت خلال نحو 100 ساعة فقط. وانهار الجيش العراقي. وهُزمت القوات العراقية الموجودة في الكويت، والتي تجاوز عددها 300 ألف جندي -أو أُسرت، أو اضطرت إلى الفرار. وبلغ عدد القتلى الأميركيين في العمليات القتالية 147 فقط، وهو رقم مذهل بالنظر إلى المخاوف التي سبقت دخول الحرب. فقد تم سحق دولة كبيرة بدت قبل أشهر قليلة فقط قوة هائلة، بسهولة مذهلة.
وقد تجاوزت دلالة الانتصار الأميركي حدود ساحة المعركة بكثير؛ فقد أكدت المكانة الاستثنائية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة. ومع تفكك الاتحاد السوفياتي، لم تعد واشنطن تواجه خصماً كبيراً، وأصبحت في قلب شبكات العالم المالية والتكنولوجية وشبكات التحالفات الدولية. كما امتلكت قدرات عسكرية متقدمة لم يكن بوسع أي قوة أخرى مجاراتها. وأصبحت الولايات المتحدة شيئاً غير مألوف في التاريخ الحديث: دولة وحيدة بلا منافس نظير. وحولت عملية "عاصفة الصحراء" المقاييس المجردة للقوة الأميركية إلى تجربة ملموسة عايشها العالم. وأصبح لدى الحكومات والمستثمرين والمواطنين العاديين في مختلف أنحاء العالم صورة مشتركة لما تعنيه الهيمنة العسكرية الأميركية عملياً.
عادة ما تذهب معظم الحروب لتختفي في صفحات التاريخ. لكن بعضها يقسم التاريخ إلى مرحلتين: ما قبلها وما بعدها. وبالنسبة لعالم ما بعد الحرب الباردة، كانت حرب الخليج واحدة من تلك اللحظات الفاصلة. فقد أسفر الصراع عن تحرير الكويت، ثم أطلق العصر الذي تلاه -العصر الذي يُشار إليه عادة باسم مرحلة "الأحادية القطبية الأميركية"، حيث كانت القوة العسكرية الأميركية التي لا نظير لها هي التي تُسند العولمة، والازدهار المتزايد، والاستقرار النسبي.
لكن ذلك العصر وصل الآن إلى نهايته. لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالتفوق العسكري ذاته الذي كانت تمتلكه في العام 1991. وبفضل العولمة، لم تعد الأنظمة اللازمة لخوض حروب دقيقة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة حكراً على عدد محدود من القوى الكبرى؛ حيث أصبحت متاحة لمجموعة من الفاعلين القادرين الآن على مواجهة دول أقوى منهم بكثير.
في الواقع، تجسد الحرب الإيرانية الجارية هذا التحول في مسار التاريخ. فبينما أظهرت حرب الخليج هيمنة الولايات المتحدة، تكشِف المواجهات الحالية حول مضيق هرمز حدود القوة الأميركية. ويطل كما يبدو عصر جديد، تنقلب فيه افتراضات مرحلة ما بعد الحرب الباردة رأساً على عقب. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إخضاع الآخرين لإرادتها من خلال استخدام القوة بتكلفة منخفضة. وبدلاً من أن تضمن القوة الأميركية الاستقرار والقدرة على التنبؤ، أصبحت مصدراً لعدم الاستقرار والتقلب. وقد تعلمت القوى الأضعف مزايا التحدي والتعطيل، وأصبحت تمتلك الأدوات التي تمكّنها من فرض تكاليف هائلة على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.
سوف يكون العصر المقبل عصر أزمات أكثر تواتراً، وتكاليف أعلى لحماية حركة التجارة العالمية، وتنافسٍ متزايد على نقاط الاختناق الإستراتيجية في العالم. لقد تآكلت في الحقيقة قواعد القوة التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأصبح نظام دولي أكثر خطورة يلوح في الأفق.
توقعات كبيرة
لا تؤدي الانتصارات العسكرية الكبرى في الغالب إلى إنشاء أنظمة دولية جديدة. ربما تنتهي الحروب بتغير الحدود، لكنها تميل إلى ترك البنية الأوسع للسياسة العالمية على حالها. لكنّ حرب الخليج في العام 1991 كانت مختلفة لأنها غيّرت توقعات العالم. فقد أقنع الفارق الهائل بين ما توقعه المحللون قبل الحرب وبين الطريقة التي حققت بها الولايات المتحدة انتصاراً حاسماً وسريعاً، الحكومات والأسواق والمجتمعات بأن واقعاً جديداً قد خرج إلى الوجود.
وكان ذلك الواقع قائماً على أربعة افتراضات:
- أن الولايات المتحدة قادرة على فرض نتائج عسكرية بسهولة. و؛
- أن واشنطن تمتلك تفوقاً مطلقاً في إدارة التصعيد -القدرة على هزيمة التهديدات الكبرى بسرعة وبتكلفة منخفضة. و؛
- أن القوة الأميركية تضمن تدفق السلع عبر شرايين التجارة العالمية. و؛
- أن مقاومة القوة الأميركية محكوم عليها بالفشل في نهاية المطاف.
وقد عززت هذه الافتراضات بعضها بعضاً. فبما أن التفوق العسكري الأميركي بدا ساحقاً، قام الحلفاء بتخفيض أعبائهم الدفاعية الخاصة، وزادوا اعتمادهم على واشنطن. وبما أن القوة الأميركية ردعت الفاعلين الآخرين عن المخاطرة بالمواجهة والتصعيد، قلّل المستثمرون من تقدير المخاطر الجيوسياسية. وبما أن التجارة البحرية بدت آمنة، وسّعت الشركات سلاسل الإمداد عبر القارات، وقلّصت مخزوناتها المحلية إلى الحد الأدنى. وبما أن القوة الأميركية بدت بلا منافس ولا يمكن إيقافها، سعت معظم الدول إلى التكيف مع الولايات المتحدة بدلاً من مقاومتها.
قام نظام ما بعد الحرب الباردة على قوة مصداقية واشنطن أكثر مما قام على قدرتها. لم تكن الدول في حاجة إلى اختبار القوة العسكرية الأميركية بصورة مباشرة؛ وكان يكفيها أن تؤمن بها فحسب. ففي نهاية المطاف، تمكنت الولايات المتحدة من هزيمة العراق بسرعة كبيرة وبتكلفة منخفضة إلى درجة جعلت أي مقاومة مستقبلية لها تبدو غير عقلانية. ولم يجرؤ على تجاهل ما كان واضحاً للجميع سوى عدد محدود من "الدول المارقة" والفاعلين، مثل كوريا الشمالية، وإيران، وقراصنة الصومال.
في العام 1990، أطلقت القوات الجوية الأميركية بطريقة طموحة على عقيدتها العسكرية الجديدة اسم "قوة عالمية، نفوذ عالمي" Global Power, Global Reach. وجعلت حرب الخليج في العام 1991 هذا الشعار واقعاً لم يعد بوسع سوى قلة من الناس تجاهله.
كانت للشعور الظاهري بعدم قابلية القوة الأميركية للهزيمة، الذي بشّرت به حرب الخليج، تداعيات فورية في أوروبا. كانت حكومات أوروبا الغربية تحافظ أثناء الحرب الباردة على جيوش كبيرة، لأن التهديد السوفياتي كان يفرض عليها ذلك. لكن دول أوروبا قامت بعد العام 1991 بخفض ميزانياتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما عكفت على دمج اقتصاداتها بصورة متزايدة. وفي هذا الإطار، وقّعت "معاهدة ماستريخت" في العام 1992، التي أرست الأساس لعملة مشتركة وتقليص قيود الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتنافست الدول التي كانت شيوعية سابقاً على الانضمام إلى المؤسسات الغربية. وتوسع "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، الذي كان يضم 16 عضواً في العام 1991، شرقاً ليشمل في نهاية المطاف جزءاً كبيراً من الأراضي التي كانت في السابق تابعة لـ"حلف وارسو". وأصبحت الدول التي كانت تخشى (الناتو) قبل سنوات قليلة فقط تسعى إلى الحماية داخل النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. وبحلول نهاية العقد، لم تعد الهيمنة الأميركية موضوعاً للنقاش، وأصبحت حقيقة واقعة.
وحتى المنافسون المستقبليون لواشنطن استوعبوا دروس بغداد. مع اندلاع حرب الخليج، درس الضباط الصينيون مجرياتها بصورة مكثفة، لأن الجيش العراقي كان يشبه، في جوانب كثيرة، جيش التحرير الشعبي الصيني. وخلصت بكين إلى أن الجيوش الضخمة التي تنتمي إلى العصر الصناعي أصبحت معرضة بصورة خطيرة لخطر الحروب القائمة على الدقة التكنولوجية. وفي العقود التالية، قامت الصين بتخفيض أعداد قواتها بصورة كبيرة، لتهبط من نحو 3.5 ملايين جندي في العام 1990 إلى مليوني جندي بعد عقد واحد. كما حدّثت أنظمة القيادة، ووسعت قواتها الصاروخية، واستثمرت بكثافة في تقنيات المعلومات. والمفارقة أن كثيراً من القدرات التي تتحدى اليوم التفوق العسكري الأميركي في شرق آسيا نشأت من محاولة الصين فهم أسباب انهيار الجيش العراقي بهذه السرعة في العام 1991.
ولم تؤثر الثقة بالقوة الأميركية في القرارات العسكرية فحسب، وإنما أثرت كذلك في القرارات الاقتصادية، وشجعت واحدة من أعظم موجات التوسع في الاعتماد الاقتصادي المتبادل في التاريخ الحديث. فقد عبرت السلع ورؤوس الأموال والطاقة والمعلومات الحدود بسرعة غير مسبوقة. وارتفعت التجارة كنسبة من الناتج العالمي من نحو 38 في المائة في العام 1990 إلى ما يقارب 60 في المائة بعد عقدين. واعتمدت الشركات الصناعية نموذج "الإنتاج في الوقت المناسب تماماً" Just-in-Time. وامتدت سلاسل الإمداد عبر القارات لأن الشركات افترضت بصورة متزايدة أن الحروب بين القوى الكبرى غير مرجحة، وأن أي اضطرابات مستقبلية في التجارة البحرية ستكون مؤقتة فقط.
وخلف تفاؤل ذلك العصر كان ثمة افتراض أعمق: أن الأسس الإستراتيجية للنظام الدولي أصبحت آمنة بطريقة استثنائية. وكان ذلك قائماً بصورة مباشرة على الواقع الملموس للهيمنة العسكرية الأميركية. وفي العام 1998، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الحين، مادلين أولبرايت، الولايات المتحدة بأنها "الأمة التي لا غنى عنها"، في تعبير جسد افتراضاً واسع الانتشار بأن الاستقرار الدولي يعتمد في نهاية المطاف على القوة الأميركية.
ظل هذا الافتراض محتفظاً بقدر كبير من قوته حتى خلال حرب العراق في العام 2003، التي لم تؤثر بصورة خطيرة في الأسواق العالمية. وقد اندلعت حروب واشتعلت أزمات، لكن حالات عدم الاستقرار الكبرى بدت استثناءً أكثر منها قاعدة. ونظّم القادة السياسيون والشركات والمواطنون العاديون في مختلف أنحاء العالم توقعاتهم على أساس الاعتقاد بأن الاضطرابات الكبرى التي تؤثر في الأسواق العالمية والسياسة الدولية ستتم السيطرة عليها في نهاية المطاف.
كما فعلت المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر بعد "معركة الطرف الأغر" في العام 1805، مارست الولايات المتحدة نفوذاً يتجاوز بكثير نطاق قوتها العسكرية المباشرة، لأن الآخرين كانوا قد قبلوا مسبقاً بأن واشنطن لا يمكن تحديها. ومع أن العالم لم يصبح أكثر سلاماً بعد العام 1991، فإنه أصبح أكثر قابلية للتنبؤ.
نظام يحمل بذور انهياره
من المفارقات أن النجاح نفسه الذي حققه نظام ما بعد الحرب الباردة أدى في نهاية المطاف إلى تفكك ذلك النظام. وكانت الثورة التكنولوجية التالية في مجال الحرب نتاجاً مباشراً للتحول الاقتصادي الذي شهده عصر ما بعد الحرب الباردة.
تاريخياً، قامت كل ثورة عسكرية كبرى على تغيُّر اقتصادي سابق عليها. ولا تصعد القوى العظمى  ببساطة لأنها تمتلك جيوشاً أو أساطيل متفوقة، وإنما لأنها تمتلك اقتصادات تولّد الثروة والتكنولوجيا والقدرة الصناعية اللازمة للحفاظ على تلك القوى بمرور الزمن. وكانت الثورة الأولى في الدقة التي ظهرت أمام العالم فوق بغداد في العام 1991 تعتمد على قدرات لم تكن متاحة إلا لعدد محدود من الدول المتقدمة. فقد تطلبت الذخائر الموجهة بدقة، والملاحة من خلال الأقمار الصناعية، والاتصالات الآمنة، وأجهزة الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء، والمعالجات المتقدمة، منظومات صناعية متكاملة لم تكن تمتلكها سوى قلة من الدول. وقد كشفت حرب الخليج هذه القدرات وعرضتها أمام العالم، لكن تقنياتها الأساسية ظلت متمركزة داخل الولايات المتحدة وبين أقرب حلفائها فحسب.
وخلال العقود الثلاثة التالية، حوّلت العولمة هذه الأصول العسكرية النادرة إلى منتجات تجارية واسعة الانتشار. أصبحت صناعة أشباه الموصلات واحدة من أكبر الصناعات وأكثرها انتشاراً جغرافياً في العالم. وتجاوزت إيرادات الشرائح الإلكترونية العالمية 790 مليار دولار في العام 2025، وهي تقترب من تريليون دولار سنوياً، مدفوعة بدرجة كبيرة بالطلب على الهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. كما أن سلاسل الإمداد نفسها التي تنتج المعالجات المتقدمة للأسواق التجارية تغذي أيضاً تصنيع المكونات المستخدمة في الكاميرات، وأنظمة الملاحة، وأجهزة الحوسبة الطرفية (الحواسيب الصغيرة التي تعالج البيانات محلياً بدلاً من إرسالها إلى خوادم سحابية بعيدة).
الآن، يحتوي الهاتف الذكي الحديث على قدرة حوسبية تفوق ما كانت تمتلكه كثير من الأنظمة العسكرية خلال حرب الخليج، كما يحتوي على كاميرات كانت في السابق حكراً على أقمار التجسس الصناعية. كما خلقت الأسواق المدنية وفورات ضخمة في الحجم لإنتاج وحدات القياس بالقصور الذاتي المصغرة (أجهزة تتتبع الموقع والسرعة والاتجاه)، ومستقبِلات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وبطاريات الليثيوم، وأجهزة الاستشعار البصرية؛ وهي كلها تقنيات كانت في الماضي تحتاج إلى دعم وتمويل من الدول.
تجسد أجهزة الاستشعار هذا التحول بأكبر قدر من الوضوح. في أثناء حقبة الحرب الباردة، كانت الحرب الدقيقة تتطلب أنظمة استطلاع عسكرية باهظة الثمن. أما اليوم، فإن الأقمار الصناعية التجارية تقدم صوراً كانت في السابق متاحة للحكومات فقط. ويتم إنتاج الكاميرات عالية الدقة، وأجهزة الاستشعار الحرارية، وأجهزة تحديد المدى بالليزر، وشرائح الملاحة، لصالح صناعات مدنية تشمل الزراعة والمركبات ذاتية القيادة. وقد انهارت تدريجياً الحواجز التي كانت تفصل بين التكنولوجيا العسكرية والتكنولوجيا المدنية.
كما أدى صعود الذكاء الاصطناعي إلى تسريع هذه العملية بدرجة أكبر. فقد وفّرت النماذج اللغوية الكبيرة، وأنظمة الرؤية الحاسوبية، والبرمجيات مفتوحة المصدر، قدرات كانت في السابق تتطلب مؤسسات متخصصة. وحوّل الاستثمار الخاص الضخم البرمجيات المتقدمة إلى سلعة متاحة عالمياً، وتجاوزت إيرادات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحدها 200 مليار دولار في العام 2025. وبصورة أوسع، أصبحت القدرات التي كانت تتطلب في السابق برامج عسكرية بمليارات الدولارات تعتمد الآن على مكونات يمكن شراؤها عن طريق قنوات تجارية عادية. ويمكن لطائرات مسيرة صغيرة يتم تجميعها من إلكترونيات متوفرة في الأسواق التجارية، أن تنتج تأثيرات كانت في السابق مرتبطة بنوع من الأسلحة المتطورة التي لا تصنعها إلا الدول.
تجسد الطائرة المسيّرة الإيرانية "شاهد-136" هذا التحول. بدلاً من الاعتماد على تكنولوجيا عسكرية باهظة ومتطورة للغاية، يتم تجميع هذه الطائرة من مكونات بين شرائح ملاحة متاحة تجارياً، ووحدات قياس بالقصور الذاتي، ومستقبلات أقمار صناعية، ووحدات اتصالات، ومعالِجات، وبرمجيات صُمم الكثير منها في الأساس للإلكترونيات المدنية -إلى جانب هيكل جوي ومحرك بسيطين. والنتيجة هي سلاح دقيق جرى تجميعه إلى حد كبير من مكونات أتاحت إنتاجَها سلاسل الإمداد التجارية العالمية نفسها التي تشغّل الاقتصاد الرقمي.
لا تكمن الفكرة في أن طائرة "شاهد" متطورة تكنولوجياً. إنها تكمن في أنها ليست كذلك. والاقتصاد العالمي نفسه الذي كافأ الكفاءة، كافأ أيضاً سهولة الوصول. فقد تنافست الشركات من خلال خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، ونشر التكنولوجيا عبر الأسواق الدولية. وكل تحسُّن جعل الهواتف الذكية أرخص ثمناً، والبطاريات أكثر كفاءة، والمعالِجات أكثر قوة، أدى في الوقت نفسه إلى زيادة القدرات المتاحة للدول الأضعف -بل وحتى للفاعلين من غير الدول.
لكنّ العولمة ذاتها التي ولّدت ازدهاراً استثنائياً أنشأت أيضاً أنظمة مترابطة أصبحت فيها الاضطرابات المحلية تُنتج تداعيات عالمية. في الغالب، تكون الأنظمة المحسّنة إلى أقصى حد هشة؛ حيث يمكن لاضطراب في منطقة واحدة أن يخلّف آثاراً في مناطق تبعد آلاف الأميال. وعلى سبيل المثال، أثّر النقص في أشباه الموصلات خلال جائحة (كوفيد-19) في إنتاج السيارات في قارات متعددة. وفي العامين 2024 و2025، شنّ الحوثيون في اليمن -المتحالفون مع إيران- العديد من الهجمات على حركة الشحن عبر البحر الأحمر الذي يؤدي إلى قناة السويس ويربط أوروبا بآسيا، في إطار مواجهتهم الأوسع مع إسرائيل. ولم يكن بوسع المسلحين هزيمة خصومهم الأكثر قوة بكثير في معارك تقليدية، لكنهم استطاعوا استخدام الحرب الدقيقة لفرض تكاليف هائلة على الاقتصاد العالمي. واضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها لتدور حول "رأس الرجاء الصالح" بسبب التكاليف المرتفعة الناجمة عن حالة عدم اليقين -بما في ذلك إطالة فترات العبور وارتفاع أقساط التأمين.
كان مما فعلته العولمة أنها ساعدت على نقل أدوات الحرب الدقيقة إلى خارج احتكار الدول المتقدمة. وبحلول منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين، بدأ انتشار قدرات الدقة يعكس هذه العلاقة، ويجعل القوى الكبرى عرضة للخطر أمام خصوم أضعف بكثير. ومن هذا المنظور، انطوى نجاح نظام ما بعد الحرب الباردة على تناقض غير متوقع: بالتدريج، قامت القوى الاقتصادية التي عززت هذا النظام بإنتاج الكثير من التقنيات التي ستجعل الحفاظ عليه أكثر كلفة باطراد.
 
*روبرت أ. بيب Robert A. Pape: عالم سياسة أميركي وأستاذ العلوم السياسية ومدير "مشروع أمن التهديدات" في جامعة شيكاغو. وهو من أبرز الباحثين في قضايا الأمن الدولي والإرهاب والإستراتيجية العسكرية. اشتهر بأبحاثه الرائدة حول الإرهاب الانتحاري والإكراه العسكري، وخاصة في كتبه: "الموت من أجل الانتصار: المنطق الإستراتيجي للإرهاب الانتحاري" Dying to Win: The Strategic Logic of Suicide Terrorism؛ ومع جيمس كيه. فيلدمان، "قطع فتيل التفجير: تصاعد الإرهاب الانتحاري العالمي وكيفية وقفه" Cutting the Fuse: The Explosion of Global Suicide Terrorism and How to Stop It؛ و"القصف من أجل الانتصار: القوة الجوية والإكراه في الحرب" Bombing to Win: Air Power and Coercion in War. كما نشر دراسات مؤثرة عن الحروب الجوية، والردع، والديمقراطية، والعنف السياسي، ويُستشهد بأعماله على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية وصنع السياسات.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Iran and the New Rules of Global Power: The Making and Unmaking of American Dominance