الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (سبستاك) 22/4/2026
استغلّت إسرائيل التراجع المستمر في أعداد المسيحيين الفلسطينيين لترويج ادعاء كاذب بأنّ المسلمين يضايقونهم ويدفعونهم إلى مغادرة المنطقة. لكنّ المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق إسرائيل والكنائس الأجنبية.
حققت صورة لجندي إسرائيلي يضرب تمثالاً للسيد المسيح بمطرقة ثقيلة في قرية جنوب لبنان انتشاراً هائلاً على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً، إلى درجة أنّه حتى وسائل إعلام تقليدية مثل (بي بي سي) وجدت نفسها مضطرة إلى الإشارة إلى هذا التدنيس. لكنّ تغطيتها كانت، بطبيعة الحال، مثقلة بعبارات من قبيل "يُزعم" و"يبدو"، على الرغم من أنّ الجيش الإسرائيلي أكّد أنّ الصورة حقيقية.
في الواقع، وعلى الرغم من ندرة تناول المسألة إعلامياً، فإنّ لدى الدولة الإسرائيلية سجلاً طويلاً وقبيحاً في اضطهاد المسيحيين، وغالباً ما يكونون من المسيحيين الفلسطينيين، في إطار محاولات ممنهجة لدفعهم إلى الخروج من مهد المسيحية. لماذا؟ لأنّ المكانة التقليدية والمحورية للمسيحيين في الحركة الوطنية الفلسطينية وفي حركات المقاومة تقوّض جهود إسرائيل الرامية إلى ترويج سردية زائفة عن انقسام أيديولوجي بين ما يُفترض أنّه "حضارة يهودية-مسيحية" من جهة، وما يُصوَّر على أنّه "همجية مسلمة" من جهة أخرى.
إنّ مجرد وجود المسيحيين الفلسطينيين يعقّد السردية البسيطة التي تحتاجها إسرائيل لتبرير محو الشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من أنّ تدنيس التمثال استقطب اهتماماً واسعاً، فإنه يظل أقلّ أهمية وبشاعة بكثير من الاعتداءات على الكنائس التي تنسّقها الدولة الإسرائيلية من خلال جيشها وميليشيات المستوطنين التابعة لها. وقد استُهدفت كنائس غزة الثلاث خلال الهجمة الإسرائيلية ذات الطابع الإبادي على القطاع، في إطار تدمير أوسع للمواقع الدينية والثقافية التي تشكل جوهر هوية السكان المحليين. وفي تموز (يوليو) من العام الماضي، حاول مستوطنون إحراق كنيسة القديس جورج العائدة إلى القرن الخامس في بلدة الطيبة، وهي آخر مجتمع مسيحي فلسطيني خالص في الضفة الغربية.
وجزء من السبب الذي جعل هذا العنف المنهجي الذي تمارسه إسرائيل على مدى عقود بحقّ المسيحيين الفلسطينيين يمرّ من دون تغطية تُذكر، هو أنّ الكنائس الأجنبية اختارت تجنّب رفع الصوت. وسوف أشرح في القسم اللاحق من هذا المقال أسباب هذا الصمت الذي يرقى إلى حدّ الجُبن الصريح.
لقد أقمت في الناصرة، أكبر تجمع للمسيحيين الفلسطينيين داخل إسرائيل، مدة عشرين عاماً. وكان لديّ متّسع من الوقت للتأمّل في القضايا التي أناقشها أدناه. وقد كُتب هذا المقال في صيف العام 2020، في المراحل الأولى من جائحة "كوفيد"، التي جعلت الضفة الغربية أكثر عزلة -وأكثر عرضةً لسوء النية الإسرائيلية- مما هي عليه عادة، ونُشر على موقع منظمة "أميركيون من أجل فهم الشرق الأوسط" AMEU في 6 حزيران (يونيو) من ذلك العام. لكنّ تجارب المسيحيين الفلسطينيين لم تتغيّر في جوهرها منذ كتابة هذا النص، وهو ما يدفعني إلى إعادة نشره الآن.
كان من المحتم أنّه عندما وصلت جائحة فيروس كورونا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما حدث في أوائل آذار (مارس) 2020، فإنها ستجد أول موطئ قدم لها في بيت لحم، الواقعة على بُعد أميال قليلة إلى الجنوب الشرقي من القدس في الضفة الغربية المحتلة.
ثبتت إصابة موظفين في فندق "أنجل" في بيت جالا، إحدى البلدات التابعة لبيت لحم، بعد مخالطتهم مجموعة من السياح اليونانيين المصابين. وسارعت إسرائيل إلى العمل مع السلطة الفلسطينية -الحكومة الدائمة قيد الانتظار للفلسطينيين في الأراضي المحتلة- لفرض إغلاق على بيت لحم. وكانت إسرائيل تخشى أنّ الفيروس، على النقيض من سكان المدينة الفلسطينيين، سيكون من الصعب احتواؤه. وأنه قد ينتشر سريعاً إلى المجتمعات الفلسطينية المجاورة في الضفة الغربية، ثم إلى المستوطنات اليهودية التي بنتها إسرائيل بصورة غير قانونية على أراضي بيت لحم، وأخيراً إلى داخل إسرائيل نفسها.
لكنّ الأراضي الفلسطينية كانت تخضع لشكل من أشكال الإغلاق قبل وقت طويل من وصول فيروس كورونا. وقد حرصت إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، على أن يكون مجمل السكان الفلسطينيين معزولين عن العالم قدر الإمكان -أصواتهم مكتومة، وتجاربهم مع القمع والوحشية على يد إسرائيل تكاد تكون غير مرئية لمعظم الجمهور الإسرائيلي وللعالم الخارجي.
مع ذلك، كانت بيت لحم، التي يُعتقد أنّها موقع ولادة السيد المسيح قبل ألفي عام، هي المنطقة الفلسطينية الوحيدة -خارج القدس الشرقية التي ضمّتها إسرائيل بشكل غير قانوني- التي ثبت أنّه من الصعب على إسرائيل إحكام إغلاقها بالكامل. خلال زياراتهم لكنيسة المهد، يستطيع السياح أن يلمحوا، ولو لوقت قصير، واقع الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال.
قبل نحو خمسة عشر عاماً، استكملَت إسرائيل بناء جدار إسمنتي بارتفاع 26 قدماً حول بيت لحم. وفي يوم عادي -أي قبل أن توقف جائحة كورونا حركة السياحة إلى المنطقة- كان تدفّق منتظم من الحافلات القادمة من القدس، والتي تحمل آلاف الحجاج المسيحيين من مختلف أنحاء العالم، يتوقف عند فجوة في الجدار تُستخدم كنقطة تفتيش. وهناك كانوا ينتظرون الإذن من جنود إسرائيليين مراهقين عابسين. وما إن يُمنح الإذن حتى تتجه الحافلات إلى كنيسة المهد، ويتمكّن ركابها من مشاهدة الرسوم والكتابات العشوائية التي تغطي مساحة الجدار الضخم، شاهدةً على سجن المدينة وروح التحدّي فيها.
وكما هو حال اليونانيين الذين حملوا الوباء، لم يكن بإمكان زوّار بيت لحم تجنّب الاختلاط، ولو بشكل عابر، ببعض السكان المحليين، وغالبيتهم من المسيحيين الفلسطينيين. كان المرشدون الفلسطينيون يرافقونهم في جولات داخل المعلم الرئيسي، الكنيسة، بينما كان المسؤولون المحليون ورجال الدين ينظّمونهم في طوابير ليقودوهم إلى سرداب يُعتقد منذ زمن بعيد أنّه الموقع الذي كان فيه إسطبل وُلد فيه السيد المسيح. لكن، وعلى خلاف الزوار اليونانيين، لم يكن معظم الحجاج يمكثون لرؤية بقية بيت لحم، وإنما كانوا يسارعون إلى ركوب حافلاتهم الإسرائيلية عائدين إلى القدس، حيث يُرجّح أن يبيتوا في فنادق مملوكة لإسرائيليين وينفقوا أموالهم في مطاعم ومتاجر إسرائيلية.
بالنسبة لمعظم زوّار الأرض المقدسة، كان احتكاكهم الحقيقي الوحيد بالاحتلال وبالسكان الفلسطينيين الأصليين في المنطقة يقتصر على ساعة أو ساعتين في "حوض السمك" الذي تمثّله بيت لحم.
شيء من طعم الاحتلال
لكنّ هذا الواقع بدأ يتغيّر في السنوات الأخيرة. على الرغم من الجدار -أو أحياناً بسببه- أخذت مجموعات أكثر استقلالية من الحجاج والمسافرين المنفردين تخرج عن المسار، مبتعدة عن خطّ السياحة الخاضع للسيطرة الإسرائيلية. وبدلاً من الاكتفاء بزيارة خاطفة، أصبحوا يمكثون لعدّة ليالٍ في بيت لحم. وقد لبّت احتياجاتهم مجموعة صغيرة من الفنادق، معظمها متواضع الكلفة مثل فندق "أنجل"، إلى جانب المطاعم ومحالّ بيع التذكارات المحيطة بالكنيسة.
وبالتوازي مع ذلك، ظهر نمط جديد من "السياحة السياسية" في بيت لحم ومحيطها، يقدّم جولات إلى "الجدار" وأحياء من المدينة، مسلّطاً الضوء على سرقة الأراضي لصالح المستوطنات اليهودية المجاورة، وعلى عنف الجنود الإسرائيليين الذين يستطيعون دخول بيت لحم متى شاؤوا.
وقبل بضع سنوات، منح فنّان الغرافيتي البريطاني الشهير ومجهول الهوية، بانكسي Banksy، دفعة كبيرة لهذا النمط الجديد من السياحة التفاعلية، حين تحالف مع المرشد السياحي في بيت لحم وسام سلسع لافتتاح فندق "وولد-أوف" The Walled Off Hotel. وقاما بتحويل مبنى قديم محاصر بالجدار، وزيّناه بسخاء بأعمال بانكسي الفنية الساخرة التي تتناول الاحتلال، كما أقاما فيه معرضاً لأعمال فنانين فلسطينيين، ومتحفاً يروي تاريخ الاحتلال وأساليب إسرائيل المجربة في السيطرة والقمع.
صحيح أنّ عدداً قليلاً فقط من الزوّار تمكّنوا من حجز غرفة في فندق بانكسي الصغير، لكن عدداً أكبر بكثير كان يأتي للجلوس في الردهة واحتساء الجعة التي ينتجها واحد من مصانع الجعة الناشئة التي يديرها مسيحيون فلسطينيون، أو لإضافة بعض الرسومات على الجدار في الخارج بمساعدة متجر مجاور لبيع مستلزمات الرسم.
قبل جائحة كورونا، كان فندق "وولد-أوف" يقدّم جولات يومية إلى مخيم عايدة للاجئين الملاصق لبيت لحم، والذي ينحدر سكانه من بعض من أكثر من 500 مجتمع فلسطيني دمّرتها إسرائيل في العام 1948 -في النكبة- لإقامة دولة يهودية على أرضهم. وهناك، لم يكن الزوّار يتعرّفون إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين الذي رعته القوى الغربية ومهّد لقيام إسرائيل فحسب، بل كانوا يستمعون أيضاً إلى روايات سكان المخيم عن الاقتحامات الليلية العنيفة المتكررة التي ينفذها الجنود الإسرائيليون، وعن صراعهم اليومي من أجل البقاء في ظل تحكّم إسرائيل المشدد في الموارد الأساسية، مثل المياه، وتقييدها.
وإلى أن جاءت جائحة كورونا لتنجز لإسرائيل ما كانت تسعى إليه، كانت السلطات الإسرائيلية تراقب بقلق متزايد تزايد أعداد السياح والحجاج الذين يمكثون في بيت لحم. ووفقاً للإحصاءات الإسرائيلية، بلغ عدد الليالي السياحية التي يقضيها الزوار في بيت لحم نحو مليون ليلة سنوياً، وكان هذا الرقم في ارتفاع مع بناء فنادق جديدة، على الرغم من أنّه ظل جزءاً ضئيلاً مقارنة بعدد السياح الذين يقيمون في إسرائيل وفي القدس الشرقية الخاضعة لسيطرتها.
نقطة ضعف قاتلة
أثار هذا الاتجاه الجديد انزعاج السلطات الإسرائيلية. فقد بدأت بيت لحم تمثّل "نقطة ضعف قاتلة" في منظومة السيطرة المطلقة التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين، لسببين رئيسيين.
أولاً، لأنه كان يدرّ الأموال على بيت لحم، موفّراً لها مصدراً للدخل خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية. وكانت السلطات الإسرائيلية قد عملت بعناية على هندسة الاقتصاد الفلسطيني بحيث يكون معتمداً إلى أقصى حد على إسرائيل، بما يجعل من السهل عليها معاقبة الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية اقتصادياً عند أي بادرة عصيان أو مقاومة. وباستثناء قطاع السياحة، جُرّدت بيت لحم إلى حد كبير من استقلالها الاقتصادي. وبعد موجات من مصادرة الأراضي، لم يعد للمدينة اليوم سوى عُشر مساحتها الأصلية، وقد أُحيطت تدريجياً بالمستوطنات. كما حُرم سكانها من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومصادر المياه ومعالمهم التاريخية. وأصبح الوصول إلى القدس، التي شكلت ذات مرة الامتداد الاقتصادي والثقافي لبيت لحم، شبه مستحيل لمعظم السكان بعد أن أصبحت تفصلها الجدران. أما الذين يعملون خارج قطاع السياحة، فيحتاجون إلى تصاريح صعبة المنال من السلطات العسكرية الإسرائيلية لدخول إسرائيل والعمل في وظائف متدنية الأجر في قطاعات البناء والزراعة داخل إسرائيل أو المستوطنات أو القدس المحتلة.
كان السبب الثاني لقلق إسرائيل هو أنّ الزوار الأجانب الذين يمكثون في بيت لحم مرشّحون للاطلاع المباشر على تجارب السكان المحليين، بقدر أكثر بكثير من أولئك الذين يكتفون بزيارة سريعة للكنيسة. وأصبحت السردية التي تخدم المصالح الإسرائيلية -التي تشكل محوراً في دعايتها- والقائلة إنّ إسرائيل تقف إلى جانب الغرب في معركة "يهودية-مسيحية" ضد عدو مسلم يُفترض أنه متوحش، مهددة بالتقويض بفعل الاحتكاك بواقع بيت لحم. كان كل من يمكث في المدينة سرعان ما يدرك أنّها تضم مسيحيين فلسطينيين مستعدين تماماً لتحدي هذه الرواية الكبرى عن "صدام الحضارات".
من وجهة نظر إسرائيل، ربما يفتح البقاء في بيت لحم أعين السياح على حقائق "خطرة". ربما يدركون أنّ الطرف الذي يتصرّف بوحشية ويؤجّج صراعاً دينياً لا يمكن حسمه ليس الفلسطينيين -مسلمين كانوا أم مسيحيين- وإنما إسرائيل، التي تحكم الفلسطينيين بقبضة قاسية منذ عقود.
لهذين السببين، سعت إسرائيل إلى منع بيت لحم من التحوّل إلى مركز سياحي مستقل ومنافس. صحيح أنّه كان من المستحيل منع الحجاج من زيارة كنيسة المهد، ولكن كان بالإمكان الحيلولة دون تطوير بيت لحم لقطاع سياحي خاص بها مستقل عن إسرائيل. وقد شكّل الجدار جزءاً من هذه الاستراتيجية، لكنه فشل في كبح نمو المشاريع السياحية الجديدة -بل إنه شكل في بعض الحالات، كما في "فندق بانكسي"، مصدر إلهام لأشكال بديلة من السياحة.
في مطلع العام 2017، تحرّكت السلطات الإسرائيلية أخيراً. وكشفت صحيفة "هآرتس" اليومية أنّ وزارة الداخلية أصدرت توجيهاً إلى وكالات السفر المحلية تحذّرها من السماح لمجموعات الحجاج التابعة لها بالمبيت في بيت لحم، مع التلميح إلى أنّ الشركات قد تخسر تراخيصها إذا فعلت ذلك. ووفقاً لصحيفة "هآرتس"، زعمت الحكومة أنّ "إرهابيين محتملين كانوا يسافرون ضمن مجموعات سياحية".
تتميز بيت لحم بأنها محظوظة، بخلاف مجتمعات فلسطينية أخرى، بامتلاكها حلفاء لا تستطيع إسرائيل تجاهلهم بسهولة. ولذلك أثار كشف صحيفة "هآرتس" عن السياسة الجديدة ردّ فعل سريعاً. وأبدت الكنائس الدولية، وخاصة الفاتيكان، قلقها من أنّ هذه الخطوة قد تكون بداية مسار ينتهي قريباً بجعل مدينة المهد خارج متناول حجاجها. كما خشيَت وكالات السفر الإسرائيلية من تضرّر أعمالها. فقد تتوقف مجموعات الحجاج القادمة من دول أفقر، التي لا تستطيع تحمّل كلفة الأسعار المرتفعة في القدس، وخاصة الإقامة، عن القدوم إلى الأرض المقدسة.
قال أحد وكلاء السفر لصحيفة "هآرتس": "إنّ معنى رسالة كهذه هو نهاية السياحة الوافدة من الهند وسريلانكا وإندونيسيا ودول أوروبا الشرقية مثل بولندا وسلوفاكيا وأوكرانيا. كلّ السياح الذين يزورون إسرائيل ويبيتون في بيت لحم يفعلون ذلك أساساً لتقليل التكاليف". ولم يكن فقدان هؤلاء السياح يهدّد بحرمان بيت لحم من فوائد السياحة فحسب، بل كان يهدّد أيضاً قطاع السياحة الأكبر بكثير في إسرائيل. وسرعان ما تراجعت السلطات الإسرائيلية عن القرار، مدّعية أنّ التوجيه لم يكن سوى مسودة صدرت عن طريق الخطأ.
تراجع سكاني
تُقدّم محنة بيت لحم -بوصفها نموذجاً مصغّراً للصعوبات الأوسع التي يواجهها الفلسطينيون تحت الاحتلال- مفاتيح لفهم سبب التراجع السريع والمتواصل في أعداد المسيحيين الفلسطينيين في المنطقة.
توفر التركيبة السكانية لبيت لحم دليلاً صارخاً على هجرة المسيحيين من المنطقة. في العام 1947، أي قبل عام من قيام إسرائيل، كان 85 في المائة من سكان بيت لحم من المسيحيين. واليوم، لا تتجاوز نسبتهم 15 في المائة. ويشكّل المسيحيون الآن أقلّ من 1.5 في المائة من السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية -أي نحو 40 ألفاً من أصل ما يقرب من 3 ملايين- بعدما كانوا يشكّلون 5 في المائة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، بعد فترة وجيزة من احتلال إسرائيل للمنطقة في العام 1967.
وفي العام 1945، كان في بيت لحم ما يقرب من 8 آلاف مسيحي، أي أكثر بقليل من عددهم اليوم الذي يبلغ نحو 7 آلاف. وكان من المفترض، وفق النمو الطبيعي، أن يكون عدد المسيحيين في بيت لحم اليوم أضعاف هذا الرقم. وفي الواقع، يوجد عدد أكبر بكثير من المسيحيين الفلسطينيين في الخارج مقارنة بمن يعيشون في فلسطين التاريخية. ويقابل المسيحيين السبعة آلاف في بيت جالا، المجاورة لبيت لحم، أكثر من 100 ألف من أفراد عائلاتهم الذين هاجروا إلى الأميركتين.
في الظاهر، تُبدي إسرائيل قلقاً كبيراً إزاء هذا التراجع، لكنها في الحقيقة لا تمانع -بل ترحّب برحيل المسيحيين الأصليين عن المنطقة. فقد أسهمت هجرتهم في جعل سردية "صدام الحضارات" التي تروّج لها إسرائيل أكثر إقناعاً، وعززت الادعاءات بأنّها تشكّل سداً في وجه ما تصفه بالإرهاب والهمجية الإسلامية العربية. وتدّعي إسرائيل أنّها تساعد المسيحيين الفلسطينيين قدر الإمكان وتحميهم من جيرانهم المسلمين "العدائيين"، وبذلك تسعى إلى إخفاء دورها الفعلي في تشجيع هجرتهم.
يعكس الانخفاض السريع في أعداد هؤلاء المسيحيين عوامل عديدة عملت إسرائيل على طمسها عمداً. ومن أبرز هذه العوامل تاريخياً أنّ المسيحيين الفلسطينيين تأثروا تقريباً بالقدر نفسه الذي تأثر به المسلمون الفلسطينيون بعمليات الطرد الجماعي التي نفذتها القوات الصهيونية في العام 1948. وفي المجمل، طُرد نحو 80 في المائة من الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في الأراضي التي أصبحت لاحقاً دولة إسرائيل -أي نحو 750 ألفاً من أصل 900 ألف- من أراضيهم وأصبحوا لاجئين. وكان من بين هؤلاء عشرات الآلاف من المسيحيين، أي ما يعادل ثلثي عدد المسيحيين الفلسطينيين آنذاك.
أما المسيحيون الفلسطينيون الذين بقوا في فلسطين التاريخية -سواء داخل ما أصبح لاحقاً إسرائيل، أو في الأراضي التي خضعت للاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967- فقد تقلّصت نسبتهم مع مرور الوقت مقارنة بالسكان المسلمين نتيجة ارتفاع معدلات الولادة لدى الأخيرين. وكان معظم المسيحيين الفلسطينيين يعيشون في المدن، وأدّت أنماط حياتهم الحضرية ومستويات دخلهم الأعلى عموماً، إلى جانب انفتاحهم الأكبر على القيم الثقافية الغربية، إلى ميلهم لإنجاب عدد أقل من الأطفال، وبالتالي انخفاض معدل النمو السكاني في مجتمعهم.
ولكن، بدلاً من الاعتراف بهذا السياق التاريخي، يسعى اللوبي الإسرائيلي إلى استغلال التوترات والمشاعر السلبية التي ولّدتها عمليات التهجير الجماعي خلال النكبة، وتقديمها بصورة مضلّلة، وهي تطورات كان لها أثر كبير على مجتمعات مسيحية تقليدية مثل بيت لحم. في أحداث العام 1948، ومع تعرّض القرى الفلسطينية الريفية لعمليات تطهير عرقي على يد القوات الصهيونية، لجأ اللاجئون إمّا إلى دول مجاورة مثل لبنان وسورية والأردن، أو إلى مدن الضفة الغربية.
وقد تبدّلت التركيبة السكانية لبيت لحم بشكل جذري: الأغلبية المسيحية التي كانت تشكّل 85 في المائة قبل النكبة تحوّلت اليوم إلى أغلبية مسلمة بالنسبة نفسها تقريباً. ولم تكن هذه التحوّلات الاجتماعية والثقافية العميقة -التي جعلت السكان الأصليين أقلية- سهلة القبول لدى جميع العائلات المسيحية في بيت لحم. ومن الخطأ تجاهل ما أحدثته هذه التغيّرات من احتكاكات. وقد تفاقمت هذه المشاعر أحياناً، لأنها لا يمكن حلّها من دون معالجة جذور المشكلة: التجريد الجماعي للفلسطينيين من ممتلكاتهم على يد إسرائيل، والدعم الضمني المستمر من المجتمع الدولي لهذه الانتهاكات.
وفي هذا السياق، كان من السهل أن تُفسَّر التنافسات والخلافات بين العائلات، وهي أمور طبيعية في مجتمع مكتظ ومُحاصَر مثل بيت لحم اليوم، على أنها طائفية يؤججها بعض أفراد الأقلية، حتى عندما لا تكون كذلك. كما أنّ غياب تطبيق فعّال للقانون في المناطق الفلسطينية، حيث تبقى إسرائيل -وليس السلطة الفلسطينية- صاحبة الكلمة الأخيرة في تحديد ما هو مسموح، جعل العائلات المسيحية الأصغر أكثر عرضة للخطر في النزاعات مع العائلات المسلمة الأكبر. وفي ظل التنافس على الموارد المحدودة، أصبح حجم العائلة عاملاً مهماً. وفي حين أنّ العولمة دفعت المسيحيين الفلسطينيين إلى مزيد من الارتباط بالغرب وقيمه الأكثر علمانية، فقد أسهمت العمليات نفسها في تعزيز الهوية الدينية لدى بعض فئات السكان المسلمين الذين يستلهمون أفكارهم وخلاصهم من فضاء الشرق الأوسط الأوسع. ونتيجة لذلك، اتّسعت الفجوة الثقافية.
هذه المشكلات موجودة بالفعل، لكن من الخطأ تضخيمها -كما يفعل أنصار إسرائيل- أو تجاهل المسؤول الحقيقي عنها. وهذه غلطة لا يقع فيها معظم المسيحيين الفلسطينيين. في استطلاع حديث شمل مسيحيين فلسطينيين هاجروا، لم يُشر سوى عدد ضئيل جداً إلى "التطرّف الديني" سبباً لمغادرتهم -نحو 3 في المائة فقط. بينما أحال الغالبية الساحقة أسباب هجرتهم إلى عوامل تتعلق بشكل أو بآخر بالدور الإسرائيلي المستمر في التحكم بحياتهم. وقد ألقى ثلثهم اللوم على "نقص الحرية"، وربعهم على "تدهور الأوضاع الاقتصادية"، و20 في المائة على "عدم الاستقرار السياسي".
مغادرة فلسطين
لفهم المشكلات الخاصة التي يواجهها المجتمع المسيحي الفلسطيني، لا بد من الإحاطة بسياقات تاريخية أخرى.
ينقسم المسيحيون الفلسطينيون إلى أربع جماعات رئيسية. الأولى هي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، التي تهيمن عليها الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. والثانية هي الكنائس الكاثوليكية، التي تقودها الجماعة "اللاتينية" المرتبطة بروما، رغم أنّ عددها بين الفلسطينيين أقل من الكاثوليك اليونان والسريان. أما الفئة الثالثة فهي الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، وتشمل الأقباط والأرمن والسريان الأرثوذكس. وأخيراً، هناك الكنائس البروتستانتية المتعددة، بما في ذلك الأنجليكانية واللوثرية والمعمدانية.
قبل وقت طويل من قيام إسرائيل على معظم أرض الفلسطينيين، كان المسيحيون يتركّزون في وحول المراكز الحضرية في فلسطين. في القدس وبيت لحم والناصرة، تجمّعت أعداد كبيرة من المسيحيين حول المواقع المرتبطة بحياة السيد المسيح. وتعزّز هذا الاتجاه مع ازدهار المدن الفلسطينية واتساعها منذ القرن الثامن عشر فصاعداً في ظل الحكم العثماني. وقد شجّع العثمانيون هجرة المسيحيين إلى هذه المراكز الدينية، كما عملوا على ترسيخ نظام طائفي جعل الظروف ملائمة للكنائس الأجنبية.
وكانت النتيجة نشوء مجتمع مسيحي حضري يتمتع بامتيازات نسبية، يتكوّن إلى حد كبير من التجار وأصحاب الحِرف، ويستفيد من الموارد التي ضختها الكنائس الدولية في إطار نشاطها التبشيري، بما في ذلك المدارس والمستشفيات. وكان المسيحيون عادةً أكثر ثراءً وتعليماً وصحةً من نظرائهم المسلمين الذين كانوا يعيشون غالباً في مجتمعات ريفية معزولة كمزارعين. وبالإضافة إلى ذلك، تمتعت العائلات المسيحية بعلاقات وثيقة مع الكنائس الدولية عن طريق رجال الدين المحليين، وكذلك من خلال العاملين في المدارس والمستشفيات التابعة للكنيسة.
أثبتت هذه الفوارق أهميتها مع معاناة المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين على حد سواء تحت وطأة الاستعمار الإسرائيلي، سواء داخل حدود إسرائيل المعترف بها دولياً أو في الأراضي المحتلة.
شكلت العنصرية المؤسسية التي تمارسها إسرائيل تجاه الفلسطينيين -من سرقة ممنهجة للأراضي، وعنف منفلت من الدولة والمستوطنين، إلى القيود على الحركة وحرمانهم من فرص التعليم والعمل- ضغطاً على جميع الفلسطينيين لمغادرة البلاد. لكنّ المسيحيين تمتّعوا بمزايا مهمة في تسهيل هجرتهم. فقد استطاعوا الاستفادة من علاقاتهم بالكنائس لمساعدتهم على الاستقرار في الخارج، خاصة في الأميركتين وأوروبا. كما أصبح هذا المسار أسهل لكثيرين بفضل وجود أقارب سبق أن استقروا في الخارج عقب عمليات الطرد الجماعي في العام 1948. ونتيجة لذلك، يُقدَّر أنّ معدل هجرة المسيحيين الفلسطينيين كان يقارب ضعف معدل هجرة المسلمين.
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية" Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State، (2006)؛ "إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري" (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s Slow Ethnic Cleansing of Christians from the Holy Land