الغد
حين استدعى الرئيس الصيني شي جين بينج عبارة "فخ ثوسيدس" في خطابه أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كان يستحضر نظرية قديمة تقول إن صعود قوة جديدة، وخوف قوة قديمة، قد يقودان إلى الحرب، كما حدث بين أثينا وإسبرطة اليونانيتين. وفي الأيام الأخيرة صار هذا مشهداً مألوفاً في السياسة الحديثة: استدعاء التاريخ بدلاً من مواجهة الحاضر، وكأن الماضي لديه دائماً إجابة جاهزة لحل مشكلات الحاضر.
بالطبع قدم الرئيس الصيني بلاده بوصفها أثينا الصاعدة، والولايات المتحدة بوصفها إسبرطة المعاصرة، وفي المقابل استدعى بنيامين نتنياهو بدوره نموذج إسبرطة في خطاباته الأخيرة، وكأنه يوزع أدوار المسرحية على واشنطن منذ البداية، وهكذا يتحول العالم إلى عرض رمزي كبير: كل قوة تبحث في كتاب التاريخ عن زي مناسب، بدلاً من أن تقدم صورتها الحقيقية في الواقع. لكن شي جين بينج، على عكس القصة اليونانية الأصلية، لم يسلم بحتمية الحرب، وطرح فكرة الشراكة، لأن البديل سيكون كارثياً على الطرفين والعالم. وفي المقابل اصطحب ترامب كبار رجال الأعمال إلى بكين، وكأن الاقتصاد يهمس في أذن السياسة: دعونا نؤجل الفلسفة قليلاً ونوقع الصفقات أولاً، وترامب هو سيد وصاحب فكرة "الصفقة" الدائمة.
من قلب هذا المشهد جاءت زيارة ترامب إلى الصين بوصفها لقاء بين قوة تقود النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وقوة صاعدة، خرجت من الهامش إلى المركز بسرعة أربكت الجميع، حتى من كتبوا قواعد اللعبة نفسها، نيكسون وكيسنجر. في بكين بدا ترامب أكثر هدوءاً من المعتاد، وكأن الدولة الأميركية العميقة طلبت منه أن يخفض الصوت، حتى لا يوقظ التاريخ في الغرفة الصينية. والصين الحالية ليست الصين القديمة، ولا الصين المحاصرة بالجدران، أو الأسوار، أو الاستعمار أو الثورة الثقافية، وليست حتى الصين التي استقبلت نيكسون وكيسنجر عام 1972 حين فتحت أميركا الباب لأسبابها الخاصة ضد السوفييت. نحن أمام دولة عملية، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وجيش حديث، ومشروع عالمي لإعادة رسم طرق التجارة، عبر مبادرة الحزام والطريق، وتبحث عن مصالحها أولاً وأخيراً، وسياستها لا تختلف عن أي قوة كبرى أخرى ظهرت في التاريخ.
واللافت أن الصين نفسها تميل إلى الرمزية التاريخية: فالرئيس شي يتحدث عن آلاف السنين، ويقارن عمر بلاده بعمر الولايات المتحدة، ويدعو ضيوفه الأميركيين إلى حدائق عمرها قرون، وكأن الزمن نفسه أصبح ورقة تفاوض، أما وزير الخارجية الصيني وانج يي فيلخص المشهد بجملة تهديد واضحة: التعاون مفيد، والصدام كارثي.
في المقابل يظهر القلق الأميركي في تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، فواشنطن تدرك أن صعود الصين أصبح واقعاً حقيقياً، وأن السؤال لم يعد: "هل تصعد الصين؟" ولكن: "كيف لا تسقط أميركا أثناء ذلك؟". وهي معادلة تختصر لحظة انتقال القوة في العالم، فواشنطن تحاول أن تدير التراجع بهدوء، بينما تدير بكين الصعود دون استعجال. ورغم التوتر، حمل ترامب معه وفداً من كبار رجال الأعمال، وكأن الاقتصاد الأميركي يرفض مغادرة المسرح حتى لو اختلف السياسيون، فالشركات الأميركية العملاقة ترى في الصين سوقاً ضخمة، والصين ترى في الشركات الأميركية بوابة تكنولوجيا ونفوذ، وهكذا تتحول الحرب التجارية إلى نوع من "المصارعة تحت الطاولة"، بينما يبتسم الجميع فوقها. وفي الخلفية تظهر إيران ساحة لاختبار غير مباشر بين القوتين، حيث تتقاطع الطاقة والممرات والمصالح، وتدرك بكين أن أي انفجار كبير هناك سيهز الأسواق، لكنه في الوقت نفسه سيجعل واشنطن منشغلة بعيداً عن شرق آسيا: المسرح الحقيقي للمنافسة.
وسط كل ذلك تبدو الحاجة إلى "اتفاق هلسنكي شرقي" أكثر منطقية من استدعاء إسبرطة وأثينا كل مرة، فالعالم لا ينقصه التاريخ، لكنه يحتاج إلى اتفاق يمنع تكرار الفخ بشكل أسوأ. وقد تبادر بعض القوى العربية إلى استلهام هذا النموذج في علاقاتها مع دول الجوار، في محاولة لخفض منسوب الصدام الممتد، وفتح مسار أكثر استقراراً في المنطقة.
والعرب يمتلكون مساحة أكبر من الصين نفسها، ويمتلكون 40 في المائة من طاقة العالم، وأهم الممرات البحرية، لكنهم يقفون غالباً في مقاعد المتفرجين على مسرح لا يكتبون نصه، وكأن الجغرافيا التي منحتهم دوراً كبيراً جعلت السياسة تبخل عليهم، فتجعلهم يكتفون بالمشاهدة.
وفي النهاية تبدو زيارة ترامب إلى بكين كأنها مسرحية تاريخية كاملة: قوة صاعدة، وقوة مهيمنة، وكثير من الاقتباسات اليونانية. والسؤال الساخر الذي يظل عالقاً: هل يحتاج العالم فعلاً إلى فلاسفة الإغريق كي يفهم القرن الحادي والعشرين، أم أن السياسة بدأت تعاني من إدمان التاريخ لأنها عاجزة عن قول الحقيقة مباشرة؟