الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ميراف زونزَين* - (نيويورك تايمز) 24/10/2026
قد لا تُحدث الانتخابات الإسرائيلية تغييراً جوهرياً في السياسات القائمة، حتى لو أنهت حكم بنيامين نتنياهو، في ظل جمود المشهد السياسي وتقارب مواقف المعارضة واليمين الحاكم إزاء الفلسطينيين. فالتنافس الانتخابي لا يعكس اختلافاً حقيقياً بشأن الاحتلال والاستيطان والحروب بقدر ما يدور داخل معسكرات تتبنى مواقف متشابهة، بينما ترفض معظم أحزاب المعارضة إشراك الأحزاب العربية الفلسطينية في أي ائتلاف حكومي رغم قدرتها على ترجيح كفة تشكيله. ويكشف هذا الإقصاء حدود الديمقراطية الإسرائيلية، ويجعل احتمال إحداث تغيير فعلي في السياسات تجاه الفلسطينيين ضئيلاً، بصرف النظر عن هوية الفائز في الانتخابات.
***
جرى تقديم انتخابات يوم الثلاثاء الإسرائيلية على أنها واحدة من أكثر الانتخابات حسماً في تاريخ إسرائيل -ليس للإسرائيليين وحدهم، وإنما لأجزاء واسعة من العالم أيضاً. مع ذلك، وعلى الرغم من الحروب والاضطرابات التي عاشها الإسرائيليون وأطلقوا العنان لها منذ هجمات "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لم يطرأ سوى تغير طفيف على المشهد الانتخابي. ويسود الشوارع الإسرائيلية مناخ من الاستسلام للأمر الواقع وخيبة الأمل، يغذّيهما شعور عميق بالرهبة مما قد يأتي.
ولا يعني ذلك أن البلد ظل ساكناً على حاله؛ فقد شهدت السنوات الثلاث الماضية تهجير تجمعات سكانية إسرائيلية، وأزمة الرهائن، وأسابيع من القصف الصاروخي وهجمات الطائرات المسيّرة الكثيفة، وانقطاعات متواصلة في العام الدراسي، واضطرابات في حركة الطيران الدولي، وحرباً لا تنتهي. ويشمل ذلك التهديدات التي سبقت الانتخابات باشتعال جولة جديدة من الحرب مع إيران، والتي قد تعرقل الانتخابات نفسها.
وما يزال أمر الاعتقال الذي أصدرته "المحكمة الجنائية الدولية" بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، قائماً. وفي الوقت نفسه، تنظر "محكمة العدل الدولية" في دعاوى تتعلق بالإبادة الجماعية. كما فرضت دول أوروبية عقوبات، بينما شهد الرأي العام الأميركي تحولاً لافتاً نحو اتخاذ موقف معارض لإسرائيل.
ليس مستغرباً في ظل هذه الظروف أن يكون أكثر من ربع مليون إسرائيلي قد غادروا البلد خلال السنوات القليلة الماضية، وأن يعود آلاف الإسرائيليين المقيمين في الخارج جواً إلى إسرائيل لمجرد الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.
بالنسبة للإسرائيليين والمراقبين في مختلف أنحاء العالم، ما تزال هذه الانتخابات تدور إلى حدٍّ كبير حول ما إذا كان الناخبون سينهون أخيراً المسيرة السياسية للسيد نتنياهو. ومن المؤكد أن كثيرين سينظرون إليها باعتبارها استفتاءً على حروبه مفتوحة الأجل، واحتلاله أجزاءً من غزة وسورية ولبنان، بالإضافة إلى استيلاء حكومته السافر على الأراضي، وتشجيعها الميليشيات الاستيطانية على مهاجمة الفلسطينيين والصحفيين والمسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين في الضفة الغربية. (يوم الجمعة الماضي بدأت إسرائيل هجوماً عسكرياً في منطقة من الضفة الغربية، قال الجيش إن مسلحين فلسطينيين قتلا فيها جنديَّين إسرائيليَين). وإذا بقي السيد نتنياهو في السلطة، فسيبعث ذلك برسالة واضحة تفيد بأن شريحة واسعة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي تؤيد هذه السياسات عموماً.
مع ذلك، تظل الأسئلة الانتخابية الأساسية لدى كثير من الإسرائيليين اليهود ذات طابع داخلي في المقام الأول. من جهة، هل ستحصل أكثر الحكومات اليمينية تطرفاً في تاريخ إسرائيل على تفويض لمواصلة تقويض استقلال السلطة القضائية التي تمثل الضابط الوحيد على السلطة في بلد لا دستور له؟ وهل ستظل الحكومة ملتزمة بإعفاء اليهود الحريديم -المتشددين دينياً- من التجنيد الإلزامي، وهي قضية مثيرة للانقسام في بلد غارق في حرب متواصلة؟ وهناك المواطنون الفلسطينون في إسرائيل، الذين يتمثل الشاغل الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليهم في استمرار تهديد سلامتهم الشخصية نتيجة تفشي الجريمة المنظمة من دون رادع، وتسييس الشرطة.
على الرغم من كل ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي الإسرائيلية المتعاقبة بنيةً انتخابية ثابتة بطريقة لافتة، تقوم على معسكرين: كتلة نتنياهو والمستوطنين والمتدينين؛ والكتلة المناهضة لنتنياهو. ويحظى كل معسكر بنحو نصف أصوات الناخبين اليهود، بينما تتركز التغيّرات إلى حدٍّ كبير داخل كل معسكر وليس بين المعسكرين.
وفي هذا كله، تظل الأحزاب العربية الفلسطينية الأربعة التي يخوض ثلاثة منها الانتخابات ضمن القائمة المشتركة -إلى جانب حزب "رعام"، وجميعها تعارض نتنياهو- عاملاً مهماً يمكنه كسر حالة الجمود، حيثُ يشكّل الناخبون الفلسطينيون في إسرائيل نحو 20 في المائة من سكان البلاد. وقد أشارت معظم استطلاعات الرأي قبل الانتخابات إلى أن هذه الأحزاب ستحصل مجتمعةً على نحو 12 إلى 15 مقعداً، وهو ما قد يجعلها ثالث أكبر كتلة بعد حزب "يَشار" الذي يقوده الفريق غادي آيزنكوت، وحزب "الليكود" بزعامة نتنياهو.
بهذا المعنى، يمكن للأحزاب التي يقودها الفلسطينيون أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في تحديد هوية الحكومة المقبلة. لكن سياسيين بارزين في كلا المعسكرين أشاروا إلى أنهم لا يعتزمون تشكيل حكومات بالتحالف معها. والسبب الوحيد لذلك هو أن هذه الأحزاب فلسطينية.
كان إحداث تحوّلات في الرأي العام أمراً بالغ الصعوبة. لم تؤدِ الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران (يونيو) 2025، حين شنّت إسرائيل هجوماً مباغتاً على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، إلى تعزيز التأييد الشعبي للسيد نتنياهو، على الرغم من أن الحرب اعتُبرت على نطاق واسع نجاحاً. وإذا كان النجاح لم يُحدث في نهاية المطاف فرقاً يُذكر، فإن الفشل لم يفعل ذلك أيضاً؛ حيث ظل الرأي العام على حاله بعد الحرب التي اندلعت هذا العام بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي يمكن قول إنها أُديرت بطريقة سيئة. وبالإضافة إلى ذلك، لم يبدُ أن الاتهامات التي وجّهها مسؤولون كبار في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى السيد نتنياهو بأنه تجاهل التحذيرات قبل هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) (وهو ما نفاه)، وأنه تعمّد انتقاء اقتباسات من محاضر الاجتماعات الرسمية التي سبقت ذلك اليوم وصياغتها على نحو يخدمه بهدف التنصّل من المسؤولية، قد أضرّت بفرص احتفاظه بمنصب رئيس الوزراء.
في واقع الأمر، جاء التحوّل الأبرز في الرأي العام ردّاً على مساعي الحكومة لإعادة هيكلة السلطة القضائية. فقد عارضت أغلبية الإسرائيليين، بمن فيهم ما يقرب من نصف ناخبي حزب الليكود، التشريعات المقترحة. وكان هذا العامل وحده -وليس الإخفاق الفادح في حماية الإسرائيليين يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ولا الردّ العسكري العنيف الذي أعقبه- هو العامل الذي أدّى في البداية إلى تراجع شعبية الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو.
يمكن إرجاع هذا الجمود السياسي إلى عدة أسباب. أولاً، إن إسرائيل هي مجتمعٌ تحكمه العصبيات الفئوية، حيث اعتاد كثيرون التصويت وفقاً لمصالح جماعاتهم الضيقة وظلوا أوفياء لأحزاب بعينها. وبالإضافة إلى ذلك، لا يوجد في إسرائيل انقسام جوهري بين اليمين واليسار بشأن الفلسطينيين، بل تتدرّج المواقف على امتداد الطيف السياسي بين اتجاهات متعددة من اليمين. وحتى حزب "يَشار" الجديد، الذي يُعدّ المنافس الأبرز لحزب الليكود على السلطة، يضمّ في صفوفه كثيراً من المنتمين إلى اليمين. ولم يرسم السيد آيزنكوت، زعيم الحزب، في هذا الشأن مساراً يختلف اختلافاً جوهرياً عن مسار السيد نتنياهو؛ فهو أيضاً أعلن رفضه قيام دولة فلسطينية.
أفضى ذلك إلى ظهور مجموعة من قادة المعارضة تفتقر إلى بديل واضح أو رؤية متماسكة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتعجز عن إثارة حماسة الناخبين. ويعود الجمود السياسي أيضاً إلى مشكلةٍ تقنيةٍ في النظام البرلماني الإسرائيلي تتمثل في تنافس عدد كبير من الأحزاب الصغيرة على الشرائح نفسها من المصالح الفئوية المحددة. ويقترب عدد من هذه الأحزاب اقتراباً خطيراً من عتبة الحسم الانتخابي البالغة 3.25 في المائة من مجموع الأصوات. وتُهدَر الأصوات التي تُمنح لأي حزب لا يبلغ هذه العتبة، ولا تُحتسب له مقاعد في البرلمان.
ولا يتوقف العامل الحاسم في الانتخابات الإسرائيلية على حجم الحزب، وإنما على زعيم الحزب القادر على تشكيل ائتلاف حكومي. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، ترغب أغلبية واضحة من الإسرائيليين في الإطاحة بنتنياهو وشركائه من اليمين المتطرف ذوي النزعة المسيانية. وتُظهر استطلاعات الرأي المتعاقبة أن الكتلة المناهضة لنتنياهو، عند احتساب الأحزاب اليهودية والأحزاب العربية الفلسطينية معاً، تتجاوز بفارق كبير عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتحقيق الأغلبية.
مع ذلك، فإن قرار معظم أحزاب المعارضة، إن لم يكن جميعها، رفض تشكيل ائتلاف مع الأحزاب العربية -وهو قرار معادٍ للفلسطينيين وللديمقراطية، بل ومنافٍ للحسابات الإستراتيجية- يجعل احتمال تشكيلها حكومة لا يقل ضآلةً تقريباً عن احتمال تشكيل كتلة نتنياهو حكومة. بل إن هذه الأحزاب استبعدت حتى إمكانية الاعتماد على دعم الأحزاب العربية داخل الكنيست من دون إشراكها في الائتلاف الحكومي. ومن شأن مثل هذه العلاقة أن تتيح لحكومة أقلية تمرير التشريعات والمضي في تنفيذ السياسات، وهو نهج اتبعه رئيس الوزراء إسحق رابين في أوائل تسعينيات القرن الماضي.
وهكذا، تكون المعارضة قد استبعدت فعلياً المواطنين الفلسطينيين من اعتبارهم شركاء شرعيين في العملية السياسية. وإذا تراجعت المعارضة في نهاية المطاف عن هذا التعهد، فستكون قد وصلت إلى السلطة، مع ذلك، على موجة الشعبوية اليمينية نفسها التي ظل منافسوها السياسيون يركبونها منذ زمن طويل. وسيزيد ذلك ترسيخ الانقسامات بين المواطنين الإسرائيليين على أسس إثنية، بدلاً من أسس سياسية ومدنية.
إن اجتماع هذه العوامل -الجمود السياسي، وقدرة أحزاب صغيرة عديدة على ترجيح كفة الانتخابات، وإقصاء الأحزاب الفلسطينية، إلى جانب الدور الذي اضطلع به نتنياهو على مدى سنوات طويلة في تشكيل الخطاب السائد في إسرائيل- يجعل بقاء نتنياهو في السلطة احتمالاً قائماً على الرغم من معارضة الأغلبية له.
وحتى لو نجحت كتلة بقيادة آيزنكوت في تشكيل حكومة، فقد يظل الاحتفاظ بالسلطة فعلياً ثم إحداث تغيير في السياسات أمراً بعيد المنال. ويجعلُ الموقف المعادي للفلسطينيين الذي يهيمن على السياسة الإسرائيلية ويتسم بالتجانس الشديد من إحداث تغيير جوهري في القضية الأكثر أهمية أمراً مستبعداً. ولهذا، قد لا تُحدث الانتخابات التي يُنظر إليها على أنها بالغة الأهمية فرقاً يُذكر. لكنها تظل، مع ذلك، حدثاً مفصلياً.
*ميراف زونزَين Mairav Zonszein: صحفية ومحللة سياسية إسرائيلية-أميركية، متخصصة في الشؤون الإسرائيلية والعلاقات الأميركية الإسرائيلية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. تعمل كبيرةَ محللي الشؤون الإسرائيلية الفلسطينية في "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى بمنع النزاعات، كما تكتب مقالات رأي مساهمةً في صحيفة "نيويورك تايمز". وهي من المحررين المؤسسين لـ"مجلة 972+"، وتكتب أيضاً في مجلة "تيارات يهودية". تحمل درجة الماجستير في دراسات القومية من الجامعة المركزية الأوروبية في بودابست، ودرجة ماجستير أخرى في الدراسات اليهودية المعاصرة من الجامعة العبرية في القدس.