الدستور
أمس مررت أمام مركز طبي في عمان، المبنى حديث وجذاب، وعصري، ولافتات المركز مضيئة.
ولكن ما استرعى انتباهي هو اسم المركز المكتوب بحروف انجليزية، وباحرف كبيرة، وتحت الانارة مباشرة، وفي ذيل اللوحة المضيئة مكتوب اسم المركز باللغة العربية.
مشهد لغوي بصري يتكرر في عمان، واينما ذهبت فانت عرضة لتلوث لغوي، ولافتات مكتوبة باللغة الانجليزية لاسماء مراكز طبية وعيادات ومستشفيات ومدارس ومطاعم ومراكز رياضية.
المستغرب في الموضوع من يخاطب صاحب المركز؟ في بلد اغلبية مواطنيه ناطقون بالعربية، ومن يتقنون الانجليزية قلة قليلة، ومحصورة اجتماعيا وعلميا وطبقيا.. كما أن الاجانب في الاردن عددهم محدود، واغلبهم يتعلم العربية واللهجة الاردنية، ويقرأون اللوحات واليافطات العربية باتقان، واحيانا احسان من أولاد البلد.
يافطات ولافتات كبرى تكتب الحرف الانجليزي، وبطريقة يصعب احيانا نفهم معنى كلماتها.
اكتب عن تلوث لغوي بصري.. وللتوضيح أنا لست ضد تعلم اللغات الاجنبية، بل العكس من دعاة تعلم الانجليزية من الصف الاول والتمهيدي والبستاني في رياض الاطفال.
ولكن، نشجع تعلم اللغة الانجليزية واللغات الحية لنتسلح بها في عالم العلوم والمعرفة والتكنولوجيا، وليس لمحاربة اللغة العربية واستبدالها باللغة الام، ولغة الهوية الوطنية.
من يحمي ويضبط المجال العام.. الموضوع ليس امنيا ولا بلديا وبيروقراطيا، أنه موضوع ثقافي، ويحتاج الى توعية وحوار وتحفيز ذاتي وطني.
فلا محافظة العاصمة وشرطة العاصمة وامانة عمان من يحمون الهوية اللغوية الاردنية من انجرافات التشوه البصري اللغوي، والخطأ لا يعالج بخطيئة؟.
هناك من يظن أن استخدام مصطلحات انجليزية واجنبية دليل على الترقي الاجتماعي، وأن مركز طبي ان عرف باللغة الانجليزية، فانه سوف يكون أكثر حداثة وعصرية من كتابة اسمه باللغة العربية.
وقد يظن مستخدمو اللغة الانجليزية في الاعلان التجاري انهم يجذبون طبقة وشريحة اجتماعية ترى نفسها متميزة طبقيا وتتعامل بالكلمة والمصطلح الانجليزي.
ولربما، وهو البعد الادق أنه تقليد اعمى ولا مبرر عمليا له، انه استنساخ الى تجارب مدن أخرى في بلدان عربية.
كما يخفي استخدام اللغة الانجليزية تباهي وتبعية ثقافية، والكتابة بالانجليزي توحي بان صاحب المركز او المنشأة التجارية مثقف وحداثي، ومتنور.
اكتب عن ملوثت اللغة البصرية.. لانني مؤمن في نظرية ان اللغة هي وعاء الفكر، كما قال كبار علماء اللغة من عرب وعجم.
واستخدام الحرف والكلمة الانجليزية يعني تآكل وتهالك اللغة العربية، كما أنه يحمل اشارة الى فشل اللغة العربية عن التطور والمواكبة لاسماء تجارية عامة.
والموضوع أعقد من لافتة على مركز طبي.. أن السؤال في عارض علاقة معقدة بين الهوية والاخر والهوية والحداثة والهوية العولمة، والهوية والتبعية، وكيف يذهب البعض الى تفسيرات ساذجة في تقليد الاخر، والاستلاب الثقافي دون وعي واحترام للخصوصية الوطنية.
لست ضد اللغة الانجليزية، ولكن لا بد من تأسيس علاقة حصينة مع اللغة العربية وفي اطار حاضن يحمي الهوية اللغوية الاردنية/ العربية.
وكما أن الانجليزية، نعم هي أداة انفتاح على العالم، ولكنها ليست اداة لغوية لهوية مزيفة وهوية مصطنعة، وهوية سائلة وبديلة.