عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jul-2026

التدمير الشامل لغزة بوابة إلى مشروع التهجير

 الغد

جدعون ليفي* - (هآرتس بالعربي) 2026/6/30
 
 
 
بما أن إسرائيل عارضت بشكل قاطع أن تتولى إدارة غزة أي جهة فلسطينية أخرى -لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أي طرف آخر- وفي الوقت نفسه لا ترغب في إدارة القطاع بنفسها، فقد انكشف المستور: إنها لا تريد لأي جهة أن تدير الحياة في غزة. وما تريده حقًا هو تركُ مليوني إنسان يعيشون في الخيام. وعندها يصبح التهجير أكثر سهولة.
 
 
لدى إسرائيل خطة لغزة. ومن ظنّ أنه ليست لديها خطة لليوم التالي كان يرتكب خطأً فادحًا. ليت الأمر كان كذلك. لكن ما يحدث هو أنه بعيدًا عن أنظار العالم، وبعيدًا أيضًا عن اهتمام الرأي العام الإسرائيلي، يجري بالفعل تنفيذ المرحلة التالية من العقيدة المرحلية الإسرائيلية. فبعد أن استنفدت الإبادة الجماعية أغراضها، وبعد أن أدّى الدمار شبه الكامل دوره، تمضي إسرائيل بثقة نحو تنفيذ المرحلة التالية من خطتها: تحويل سكان غزة جميعًا إلى مجتمع من المعاقين والجرحى والمرضى والجوعى والمشرّدين والمحرومين من مصادر الرزق إلى الأبد.
وعندما يتحول سكان غزة إلى هذا الحشد البشري المفتّت، بلا مجتمع منظم، ولا خدمات أساسية، ولا مؤسسات حيوية، وبالطبع بلا قيادة، فإن التحطيم الكامل للبنية الاجتماعية سيسهّل على إسرائيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي لم تتخلَّ عنها يومًا: مرحلة التهجير. وعندها فقط، في نظرها، ستُحلّ "مشكلة غزة" نهائيًا. هكذا فقط.
وقد سُمعت أصداء واضحة لهذه الخطة في الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور على لسان اثنين من أبرز منظّريها ومنفذيها. فقد قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن "توجيهه" يقضي بالانتقال من السيطرة على 60 في المائة من القطاع إلى السيطرة على 70 في المائة. وكتب وزير الدفاع يسرائيل كاتس على منصة (إكس): "لقد تعهدنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنيًا أو عسكريًا، وهكذا ما سيكون. كما ستُنفذ خطة الهجرة الطوعية، كل شيء في توقيته وبالطريقة الصحيحة".
وبعبارات أخرى، سيتم تحويل سكان غزة إلى ما يشبه "قطيعًا" يسهل نقله من هنا، في "التوقيت والطريقة المناسبين"، والنظام، كما يبدو، يجب أن يبقى محفوظًا.
لم يُطرح "القضاء على حكم حماس" من أجل هذه الغاية وحدها. وبما أن إسرائيل عارضت بشكل قاطع أن تتولى إدارة غزة أي جهة فلسطينية أو أي جهة أخرى -لا السلطة الفلسطينية، ولا هيئة دولية، ولا أي طرف آخر- وفي الوقت نفسه لا ترغب في إدارة القطاع بنفسها، فقد انكشف المستور: إنها لا تريد لأي جهة أن تدير الحياة في غزة أصلًا. وما تريده حقًا هو مليونا إنسان يعيشون في الخيام. وعندها يصبح التهجير أكثر سهولة.
حين يقول يسرائيل كاتس إن "حماس" لن تدير غزة من الناحية المدنية، فإنه يعلم جيدًا أنها لا توجد حاليًا أي جهة أخرى قادرة على إدارة القطاع، ولن توجد على الأرجح في المستقبل القريب. والبديل الوحيد المطروح الآن للحكم المدني الذي تديره "حماس" هو الفوضى. وهذه الفوضى بالذات تخدم إسرائيل، وتخدم تنفيذ هذه الخطة.
يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تواصل الصراخ بأن غزة كلها "حماس"، وأن كل من ينتمي إلى "حماس" هو "إرهابي". وهذا، بطبيعة الحال، كذب. ليس كل سكان غزة من "حماس"، وليس كل من يُصنَّفون ضمن حماس إرهابيين.
تعلم إسرائيل جيدًا أن عشرات الآلاف من المعلمين والأطباء والشرطة وموظفي الحكومة الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة "حماس" ليسوا مقاتلين. لكن تصنيفهم باعتبارهم "عناصر حماس" أتاح لها قتل الآلاف منهم تحت عنوان "الإرهابيين". وفي الحقيقة، ليس شرطي المرور، والمحاسب، والمعلم، إرهابيين ولا يجوز استهدافهم بالقتل. وقتلهم كان وما يزال، وفق هذا الطرح، جريمة حرب. وكذلك حال الصحفيين الذين حصلوا على بطاقات صحفية من حكومة "حماس"؛ إنهم صحفيون، وربما دعاة أو مروّجون سياسيون كما هو حال عدد غير قليل من الصحفيين الإسرائيليين، لكنهم ليسوا إرهابيين.
هكذا أصابت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: فقد منحت نفسها شرعية -وإن كانت زائفة- للقتل غير التمييزي، وفي الوقت نفسه أحرزت تقدمًا إضافيًا في تنفيذ خطتها الكبرى. فبلا معلمين وأطباء واختصاصيين اجتماعيين ومهندسين وموظفين، لا يمكن أن يقوم مجتمع فاعل. وبلا مجتمع فاعل، يصبح تهجير سكان غزة إلى أصقاع الأرض أكثر سهولة.
في نهاية الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي مقابلة استمرت ساعتين أجراها تاكر كارلسون مع الجرّاح البريطاني من جامعة أكسفورد، الدكتور نيك ماينارد، الذي يتطوع في غزة منذ نحو سبعة عشر عامًا، دخولًا وخروجًا. وقد سرد ماينارد شهادات مروعة قال إنه عاينها بنفسه: جثث وصلت مكبّلة؛ وأطفال قُتلوا بإطلاق النار؛ ورضّع ماتوا جوعًا؛ وأطفال خدّج تُركوا في الحاضنات بعد أوامر إخلاء ثم عُثر عليهم موتى بعد أسابيع.
يجب على كل إسرائيلي -بل وعلى كل إنسان- أن يستمع إلى هذه المقابلة. غير أن هذه الفظائع، على فداحتها، لم تكن سوى جزء من هدف أوسع: "الحل" الإسرائيلي للمسألة التي اسمها غزة.
 
*جدعون ليفي: صحفي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي بارز، يُعرف بمواقفه النقدية والجريئة تجاه السياسات الإسرائيلية، خاصة في ما يتعلق بالاحتلال ومعاملة الفلسطينيين. يعمل منذ عقود في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، حيث يكتب عمودا أسبوعيا يعد من بين أكثر الأعمدة إثارة للجدل في الإعلام الإسرائيلي، ويغطي فيه الواقع اليومي للفلسطينيين تحت الاحتلال. ينظر إليه كأحد الأصوات القليلة داخل إسرائيل التي تتحدث بوضوح عن الانتهاكات وجرائم الحرب، وقد أثار إعجابًا واسعًا في الأوساط الحقوقية الدولية، في مقابل تعرضه لهجوم شديد داخل إسرائيل من قبل اليمين والإعلام السائد، مما جعله رمزًا للنزاهة الصحفية والموقف الأخلاقي النادر.