الغد-عزيزة علي
حين تصبح التكنولوجيا الرقمية جوهرا يتجلى في ملامح الإعلام الحديث، يأخذنا الأستاذ الدكتور تيسير أبو عرجة (أستاذ الإعلام السابق بجامعة البترا) في رحلة عبر فكره بعوالم كتابه "الوعي بالإعلام ورسالته" الصادر عن دار أمجد للنشر والتوزيع.
جاء ذلك في المحاضرة التي ألقاها الدكتور أبو عرجة، وأدارتها الدكتورة مرام أبو النادي، أول من أمس في منتدى الرواد الكبار، لتسليط الضوء على التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية في بنية الخطاب الإعلامي، وانتقاله من المؤسسات التقليدية إلى فضاءات أكثر انفتاحا وتفاعلية، أتاح فيها للأفراد المشاركة في إنتاج المحتوى ونشره.
وأبرز المحاضر أبو عرجة أهمية التربية الإعلامية بوصفها أداة معرفية وتربوية تسهم في تعزيز وعي الأجيال الشابة بآليات عمل الإعلام، وتمكينها من قراءة الرسائل الإعلامية وتحليلها في ضوء نظريات الاتصال الحديثة وأبعادها الثقافية والاجتماعية.
وقال أبو عرجة، إن الإعلام المعاصر بلغ مستويات متقدمة من التطور، واتسعت آفاقه إلى حد جعل عصرنا يوصف بعصر الإعلام والاتصال، وارتبطت به صفة "الثورة"، فشاع مصطلح "ثورة الاتصال"، وكذلك "ثورة المعلومات"، نظرا لأهمية المعلومات في العملية الاتصالية.
وأضاف أن الإعلام اليوم يخضع لاستخدامات متعددة لا حصر لها؛ فهو أداة للتنمية، ووسيلة للصراع على المصالح والأفكار، كما يستخدم في الدعاية والحرب النفسية والعلاقات العامة والإعلان. وهو، في الوقت نفسه، أداة يمكن أن تخدم التحول الديمقراطي أو تستخدم لتعزيز الاستبداد، ما يجعله سلاحا ذا حدين: ينقل الحقائق بصدق وموضوعية من جهة، وقد يستغل للتضليل والتزييف من جهة أخرى. وبينما يسهم في التقدم ومحاربة التخلف، قد يوظف أيضا لتكريس التبعية.
وتحدث أبو عرجة عن أن الاستخدام الإيجابي للإعلام يشمل دعمه للاقتصاد الوطني، وتعزيز الرقابة الشعبية، وترسيخ حرية التعبير والحوار، إضافة إلى دوره في التغيير الاجتماعي والتحديث. غير أن حرية الصحافة والإعلام ما تزال تواجه عقبات كبيرة في العديد من الدول، حيث فقد كثير من الصحفيين حياتهم أو حريتهم أو وظائفهم، في ظل تراجع الحريات وفرض مزيد من القيود. ومن الأمثلة على ذلك ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون العاملون في قطاع غزة من اعتداءات وتضييق أثناء أداء مهامهم الإعلامية.
وأشار المحاضر إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي اغتالت عددا كبيرا من الصحفيين، إلى جانب أفراد من عائلاتهم، انتقاما من دورهم في كشف الانتهاكات بحق المدنيين في غزة، ولا سيما الأطفال والنساء، عبر الكلمة والصوت والصورة، في محاولة لحجب الحقيقة عن العالم.
كما أكد أهمية الإعلام والاتصال في مجالي التربية والتعليم، ودورهما في الإسهام بتهيئة بيئة تعليمية فاعلة. وأوضح أن للاتصال وظيفة ثقافية مزدوجة؛ فهو من جهة محفز للثقافة وناقل أساسي لها، ومن جهة أخرى قد يشكل تهديدا لها، إذ تسهم وسائله في ترسيخ المواقف أو التأثير فيها.
ورأى أبو عرجة أن الوظيفة السياسية للاتصال تعد من أبرز الأدوار التي تضطلع بها وسائل الإعلام، نظرا لارتباطها الوثيق بالعملية السياسية والعلاقة التفاعلية بين الإعلاميين وصناع القرار. كما تؤدي المؤسسات الإعلامية دورا مهما في تمثيل الرأي العام ومراقبة أداء الحكومات.
وفي هذا السياق، يبرز توظيف الإعلام في الدعاية الدولية من خلال أساليب الإقناع والتأثير، إلى جانب استخدامه في الحروب النفسية التي تعتمد على أدوات فكرية وعاطفية متعددة. وتشمل هذه الأدوات نشر الإشاعات، وافتعال الأزمات، وبث الخوف، ضمن استراتيجيات تستهدف التأثير في الرأي العام. وأضاف أن إدارة الصراع لا تقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية، بل تمتد إلى إدارة إعلامية لا تقل أهمية، إذ تركز على التأثير في المعنويات، وإثارة التوتر النفسي والاجتماعي، وإرباك الأفكار، وزعزعة الثقة، مستفيدة من قابلية الإنسان للتأثر بالشعارات وتكرار الرسائل. وأثبتت الحرب على غزة أهمية تفعيل دور الإعلام العربي في دعم القضية الفلسطينية، وضرورة التصدي للتضليل الذي تمارسه بعض وسائل الإعلام الغربية، المعروفة بانحيازها التاريخي للرواية الصهيونية ومخططاتها في فلسطين والمنطقة العربية.
وقال المحاضر "إن الحرب أظهرت أهمية التكامل بين وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التفاعل الواسع للجمهور مع تطورات الأحداث. كما برز دور الفئات الشابة في الاستخدام المكثف لهذه الوسائل، ونشر الحقائق والمعلومات والصور، والمشاركة في الحوارات عبر المنصات الدولية، بما في ذلك الكتابة باللغات الأجنبية لإيصال الرواية إلى جمهور أوسع".
وأسهم التأثير في الرأي العام العالمي في إحداث تحول ملحوظ في مواقف العديد من الشعوب، تجلى في المسيرات التي شهدتها عواصم دولية تعد تاريخيا خاضعة لتأثير الدعاية الصهيونية، وتديرها أنظمة سياسية استعمارية. وقد جاء هذا التحول نتيجة الحملات الإعلامية، ولا سيما عبر أدوات الإعلام الجديد، التي أتاحت نشر الصور ومقاطع الفيديو والمعلومات، ما شكل صدمة للضمائر الحية إزاء بشاعة الاحتلال وممارساته.
وقد مر الإعلام بمراحل متعددة؛ إذ كان في بداياته حكرا على الدولة أو العائلات، ثم انتقل إلى ملكية الشركات الكبرى والصغرى، وصولا إلى مرحلة الإعلام الفردي، حيث أصبح المواطن العادي قادرا على التعبير عن نفسه بفضل التطور التكنولوجي الحديث.
تعد هذه التحولات من ثمار التكنولوجيا المعاصرة التي جعلت من المواطن "صحفيا" قادرا على إنتاج المحتوى ونشره. فقد أصبحت وسائل الاتصال والتواصل متاحة للجميع من دون تكلفة تذكر، مما أتاح للناس التعبير عن آرائهم ونشر الصور ومقاطع الفيديو والإعلانات. ونتيجة لذلك، شمل التغيير مختلف عناصر العملية الإعلامية، من بنية النص والعنوان إلى الصورة وآليات التأثير والتلقي، وصولا إلى طبيعة العلاقة مع الجمهور.
وقد أثارت هذه التطورات بقوة قضية أخلاقيات النشر في وسائل الإعلام والاتصال، إضافة إلى تأثير المحتوى المنشور على فئة الناشئة، الأمر الذي دفع العديد من الجهات المعنية بالتربية والتعليم إلى الاهتمام بالتربية الإعلامية، والعمل على إدراج مفاهيم الإعلام وفنونه وقواعده وأخلاقياته في المدارس والجامعات، بهدف ترشيد تعامل الشباب مع المضامين الإعلامية المختلفة، وتمكينهم من فهم أبعاد ما يتلقونه من آراء وأفكار واتجاهات.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى المضامين التي ينبغي أن يتضمنها خطاب التربية الإعلامية، وكيفية بناء المحتوى الإعلامي الملائم، إضافة إلى أساليب تصميم الرسائل الإعلامية، ولا سيما تلك الموجهة إلى فئة الشباب في المدارس والجامعات.
وخلص أبو عرجة إلى أن من يتولى تدريس هذه المادة ينبغي أن يكون ملما بنظريات الإعلام ونماذجه. ومن أبرز النظريات التي تسهم في تعزيز مفاهيم التربية الإعلامية: نظرية الأجندة (ترتيب الأولويات)، ونظرية الاستخدامات والإشباعات، ونظرية الاعتماد على وسائل الإعلام، ونظرية الغرس الثقافي. وتسهم هذه الأطر النظرية في تشجيع الإبداع والابتكار، وتثقيف الجمهور، وتعزيز دور الإعلام في التنشئة الاجتماعية والتكيف، مع التركيز على القيم وأنماط السلوك.