الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بول ر. بيلار* - (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 22/5/2026
يشكل وجود أي موقع عسكري من هذا النوع -تقيمه أي حكومة أجنبية، لأي غرض كان- من دون إذن الدولة ذات السيادة التي يُقام ضمن أراضيها، مشكلة بحد ذاته. لكنّ المشكلة تتضاعف بالنسبة للعراق لأن هذه القواعد أنشأتها إسرائيل، وهو ما يجعل الأمر بالغ الحساسية بالنسبة لأي حكومة عربية في ظل محاولات إسرائيل إخضاع العرب والفلسطينيين.
من الصعب تخيّل ما هو أكثر إرباكًا وإهانة لقيادة العراق من وجود قواعد عسكرية إسرائيلية أُنشئت سرًّا على الأراضي العراقية. وقد كُشف عن وجود قاعدتين من هذا النوع مؤخرًا عندما عثر راعٍ عراقي بالصدفة على إحداهما في الصحراء الغربية قليلة السكان في العراق، وأبلغ السلطات العراقية بوجودها قبل أن تقوم القوات الإسرائيلية بقتله.
يشكل وجود أي موقع عسكري من هذا النوع -تقيمه أي حكومة أجنبية، لأي غرض كان- من دون إذن الدولة ذات السيادة التي يُقام ضمن أراضيها، مشكلة بحد ذاته. لكنّ المشكلة تتضاعف بالنسبة للعراق لأن هذه القواعد أنشأتها إسرائيل، ما يجعل الأمر بالغ الحساسية بالنسبة لأي حكومة عربية في ظل محاولات إسرائيل لإخضاع العرب والفلسطينيين. ويتضاعف أكثر بعد هجومها الشرس على سكان قطاع غزة، الذي يصفه عدد متزايد من الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان ولجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بأنه يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
كما تزيد الوضع تعقيدًا حقيقة أن الغرض من إقامة هذه القواعد الإسرائيلية كان تسهيل شنّ هجمات مسلحة على جارة العراق، إيران. وكانت هذه القواعد جزءًا من التحضير للحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة في شباط (فبراير)، وهي حرب لم يكن العراق -شأنه شأن دول عربية أخرى في الخليج- يرغب في شنها بالتأكيد.
لقد عانى العراق، حتى قبل هذه الحرب الحالية، من الانجرار إلى الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران. منذ ست سنوات أطلقت إيران صواريخ على قواعد في العراق كانت تضم قوات أميركية، ردًا على هجوم أميركي في مطار بغداد أدى إلى مقتل القائد العسكري والسياسي الإيراني البارز قاسم سليماني وآخرين بينهم قائد ميليشيا عراقية.
وأدى اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية الحالية إلى مزيد من الضربات الإيرانية على أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في العراق، بالإضافة إلى هجمات شنتها السعودية على ميليشيات موالية لإيران داخل العراق.
كما تكبّد العراق خسائر اقتصادية من هذه الحرب لا تقل عن الخسائر التي منيت بها دول عربية أخرى في المنطقة بسبب تعطّل صادرات النفط عبر مضيق هرمز. وربما كانت خسائر العراق أكثر من بعض الدول المنتجة الأخرى. وعلى سبيل المثال، تستطيع السعودية نقل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا من إنتاجها عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر. ولدى الإمارات خط أنابيب ينقل 1.8 مليون برميل يوميًا إلى خليج عُمان، وهي تبني خط أنابيب ثانيًا لتعزيز هذه القدرة.
لكنّ جغرافية العراق لا تمنحه خيارات مماثلة لتجاوز مضيق هرمز. وباستثناء تصدير ما يمكن تصديره عبر تركيا، بدأ العراق مؤخرًا في استخدام شاحنات صهريجية لنقل النفط عبر سورية. لكن هذه المسارات لن تعوّض سوى جزء ضئيل من نحو 80 في المائة من صادراته النفطية التي فقدها منذ بدء الحرب.
بالنظر إلى الروابط العملياتية الوثيقة بين الجيش الإسرائيلي والقيادة الأميركية المركزية (سينتكوم)، يُرجح كثيرًا أن المسؤولين الأميركيين كانوا على علم بوجود القواعد الإسرائيلية في العراق. ومن وجهة نظر العراق، يشكل سماح الولايات المتحدة، بوصفها شريكًا لإسرائيل، بإنشاء مثل هذا الوجود، أول انتهاك أميركي. وثمة انتهاك إضافي قد يكون إبقاء المسؤولين العراقيين غير مطلعين على هذا الوجود، على الرغم من أن من الممكن أن يكون بعض المسؤولين العراقيين يملكون على الأقل فكرة عنه، لكنهم امتنعوا عن مناقشته علنًا لتجنّب الإحراج. وفي كلتا الحالتين، لا يمكن لهذه الحادثة سوى أن تُضعف الجهود الأميركية الرامية إلى تشكيل السياسة العراقية.
يتمثل المطلب الأميركي الأساسي الموجّه إلى العراق في تقليص النفوذ الإيراني داخل البلاد، الذي يتخذ بشكل خاص شكل الميليشيات الموالية لإيران. وقد شملت الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على العراق لدعم هذا المطلب تعليق التمويل والتعاون مع الأجهزة الأمنية العراقية في نيسان (أبريل) الماضي. وقد حاولت الحكومة العراقية العثور على توازن دقيق للحفاظ على علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران. لكن مسألة القواعد الإسرائيلية السرّية في البلد ستجعل القادة العراقيين أقل ميلًا مما كانوا في الظروف العادية للانحياز إلى الولايات المتحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بما يترتب عليهم فعله للاستجابة للرأي العام العراقي وليس للضغوط الأميركية وحدها.
ما تزال دوافع كل من العراق وإيران للحفاظ على علاقات مستقرة -بل وحتى ودّية- بينهما قائمة. وهي دوافع متجذّرة في ذكريات الحرب الإيرانية-العراقية المكلِفة جدًا في ثمانينيات القرن الماضي، والتي قُتل فيها مئات الآلاف من الجانبين. كما يترتب على القادة العراقيين أن يدركوا القلق الذي تسببه القواعد الإسرائيلية -التي أُنشئت بهدف صريح هو مهاجمة إيران- في طهران، وما تنطوي عليه من احتمال شنّ ضربات إيرانية مستقبلية على الأراضي العراقية.
سوف يأخذ قادة دول عربية أخرى غير العراق هذه الحادثة بعين الاعتبار، وسيفكرون في ما تعنيه للعلاقات الأمنية المستقبلية مع الولايات المتحدة. وقد أدت تجربة الحرب هذا العام، التي جعلت هذه العلاقات الدول الخليجية العربية أهدافًا أكثر مما وفّرت لها الحماية، إلى زيادة شكوك هذه الدول في جدوى هذه العلاقات. وسوف يزيد احتمال أن يكون وجود أنشطة إسرائيلية غير مُعلنة للحكومات العربية نفسها كجزء من الترتيبات الأمنية مع الولايات المتحدة من تعميق تلك الشكوك.
من الملاحظات المعقولة على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق في العام 2003 أنها ربحت المرحلة الأولى من الحرب لكنها خسرت السلام. وتعني التعقيدات التي يجلبها شيء مثل وجود القواعد الإسرائيلية السرّية على الأراضي العراقية خسارة أكبر لذلك السلام. كما تُظهر هذه الحادثة خطر تركيز الولايات المتحدة قدرًا كبيرًا من اهتمامها في هذه المنطقة على التموضعات العسكرية وعلى مواجهة إيران.
*بول ر. بيلار Paul R. Pillar: محلّل استخبارات أميركي سابق وأكاديمي متخصص في شؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة. عمل لسنوات طويلة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وشارك في تحليل قضايا الشرق الأوسط والإرهاب والسياسات الدولية. بعد تقاعده من العمل الحكومي، أصبح باحثًا وزميلًا غير مقيم في عدد من مراكز الدراسات، من بينها "مركز الدراسات الأمنية" في جامعة جورجتاون؛ و"معهد كوينسي للحوكمة المسؤولة"، حيث يركّز على نقد السياسات الأميركية الخارجية والدعوة إلى مقاربات أكثر براغماتية وتوازنًا في العلاقات الدولية.