عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Aug-2026

هل تتذكرون حل الدولتين؟ ترامب لا يفعل

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانيال ويليامز* - (آسيا تايمز) 29/7/2026
في ظل استبعاد الضفة الغربية من محادثات السلام، وغياب اهتمام الولايات المتحدة أو إيران بها، تتعرض الضفة لهجوم متعدد الجبهات، يؤدي فيه المستوطنون دور قوات الصدمة.
 
 
تقوم الحكومة الإسرائيلية اليمينية بتكثيف حملتها المستمرة منذ نصف قرن للاستيلاء على كامل الضفة الغربية. وتفعل ذلك عن طريق إطلاق العنان لعصابات من ميليشيات المستوطنين لمضايقة السكان الفلسطينيين، وتدمير منازلهم وسبل عيشهم، وفرض قيود على تنقلهم في مختلف أنحاء الأراضي المحتلة.
والهدف هو القضاء سريعاً على الشروط اللازمة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل -وهو الحل المقترح لإنهاء قرن من الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. وقد شكّلت معارضة ما يُعرف بـ"حل الدولتين" محوراً أساسياً في المسيرة السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، زعيم "حزب الليكود" الذي يقود الحكومة الإسرائيلية الحالية ذات التوجه القومي المتطرف. وخلال تسعة عشر عاماً قضاها في السلطة، موزعة على سبع ولايات غير متصلة، أصبح نتنياهو صاحب أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل.
يرى مراقبون أن التركيز العالمي على الحروب المتزامنة في قطاع غزة وإيران ولبنان قد استنزف تقريباً كل الاهتمام والقلق الدوليين إزاء طموحات نتنياهو في الضفة الغربية. وكتبت منظمة "بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، وهي منظمة تُعنى برصد النزاعات وترتبط بجامعة تكساس: "بينما ينصبّ اهتمام معظم العالم على الصراع المستمر في قطاع غزة والمواجهة المباشرة غير المسبوقة بين إسرائيل وإيران، كانت هناك جبهة أخرى تغلي بصمت. العنف يتصاعد في الضفة الغربية".
الآن، يقف حلفاء إسرائيل والمتحالفون معها في الولايات المتحدة وأوروبا موقف المتفرج، رغم أنهم جميعاً يواصلون الترويج -على المستوى الخطابي- لما يسمى "حل الدولتين"، القائم على منح الفلسطينيين السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة للتعايش إلى جانب إسرائيل. لكنّ الهجوم متعدد المستويات الذي يشنه نتنياهو حالياً يجعل هذا الاحتمال أقرب إلى دعاء منه إلى سياسة.
يوم الثلاثاء، زار نتنياهو واشنطن لإجراء محادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكان الهدف من الاجتماع تضييق فجوات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الحرب في إيران. ولم تكن الضفة الغربية مدرجة على جدول أعمال واشنطن.
بدلاً من ذلك، انصبت المحادثات "أولاً وقبل كل شيء على إيران"، بحسب مسؤول في البيت الأبيض. ويريد ترامب إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، بينما يفضل نتنياهو تحقيق انتصار عسكري واضح على إيران ولبنان، حيث يتمركز "حزب الله"، الميليشيا التي تقاتل إسرائيل نيابة عن إيران. ولم يطرح نتنياهو موضوع الضفة الغربية أيضاً.
في المقابل، تبدو إيران غير مكترثة بالأمر أيضاً. ويشير خبراء إلى أن الضفة الغربية لا تقع ضمن قائمة أولويات إيران الإقليمية. فهي ليست عضواً في "محور المقاومة" الذي تقوده طهران في مواجهة إسرائيل، والذي يضم "حزب الله" في لبنان، و"الحوثيين" في اليمن، و"حماس" -الحركة الإسلامية المسلحة التي أشعل هجومها على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 سلسلة الحروب المتشابكة في الشرق الأوسط.
لم تصدر عن إيران أكثر من مواقف لفظية مقتضبة دعماً للفلسطينيين. في 15 تموز (يوليو)، "نددت وزارة الخارجية الإيرانية بتصاعد الهجمات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، مطالبة بتحرك دولي لوقف عمليات القتل ومحاسبة القادة الإسرائيليين".
يقول محلل استخباراتي غربي: "تعمل إيران وفق تسلسل هرمي إستراتيجي صارم. تُعتبر الساحة اللبنانية -على سبيل المثال- أكثر أهمية بكثير من القضية الفلسطينية. وتأتي "حماس" في مرتبة أدنى إلى حد ما على قائمة الاهتمامات، بالإضافة إلى أنها تعرضت لضربات إسرائيلية قاسية جعلتها، عملياً، خارج دائرة الاستخدام أو تقديم المساعدة".
كل هذه اللامبالاة تجعل من الضفة الغربية يتيمةً جيوسياسياً. وقد استغل نتنياهو هذا الواقع على الأرض. ويقول عبد أبو شحادة، المعلق في صحيفة "العربي الجديد" -وهي وسيلة إعلام قطرية مقرها لندن: "بينما يركز العالم على الحرب في إيران، تعمل إسرائيل بأقصى سرعة لفرض واقع جديد على الأرض".
تتخذ الاعتداءات المتصاعدة على البلدات والقرى الفلسطينية، وعلى الأفراد وأراضيهم الزراعية، أشكالاً وأساليب متعددة. ويقود كثيراً من هذه الهجمات مستوطنون إسرائيليون يتبنون مواقف عدائية متشددة تجاه العرب. وتحظى أنشطتهم بحماية وحدات من الجيش الإسرائيلي، الجاهزة للسيطرة على أعمال العنف المسلحة -وخاصة للدفاع عن المستوطنين المهاجمين عند الضرورة.
المستوطنات القديمة والجديدة
تشمل هذه الأنشطة المشتركة توسيع المستوطنات القديمة وإنشاء مستوطنات جديدة. وقد بدأت هذه العملية تحت إشراف رئيس الوزراء الأسبق المنتمي إلى "حزب الليكود"، مناحيم بيغن، في العام 1977، ثم تحولت لاحقاً إلى مشروع مفضل لدى نتنياهو، أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة من "حزب الليكود".
والآن، يعيش نحو 500 ألف إسرائيلي في الضفة الغربية، مقارنة بـ140 ألفاً -هو عدد السكان اليهود الذي كان قائماً عندما تولى نتنياهو السلطة للمرة الأولى في العام 1996. ومنذ أواخر العام 2023، ظهرت أكثر من نصف "البؤر الاستيطانية" البالغ عددها 360 بؤرة الموجودة الآن في الضفة الغربية، وهي تجمعات لا تتكون في أغلب الأحيان إلا من أكواخ بسيطة. وهناك 147 مستوطنة معترفاً بها رسمياً ومكتملة البناء. ويعيش في الضفة الغربية نحو 3.4 مليون فلسطيني.
 
الاعتداءات على البلدات والقرى الفلسطينية ومخيمات اللاجئين والمنازل الخاصة
خلال الأشهر الأخيرة، هدم الجيش الإسرائيلي عشرات المنازل في البلدات والقرى الفلسطينية بحجة أنها تؤوي إرهابيين. وقد أُجبر نحو 30 ألف لاجئ من الذين كانوا قد هُجّروا خلال حروب سابقة على مغادرة ثلاثة مخيمات للاجئين تابعة للأمم المتحدة في جنين، وفي مدينة طولكرم ومحيطها بالقوة. كما منع المسؤولون العسكريون الإسرائيليون السكان السابقين من العودة.
بالإضافة إلى ذلك، يقول باحثون إسرائيليون وفلسطينيون في مجال حقوق الإنسان إن عمليات هدم المنازل والإخلاء من الممتلكات تتزايد في أنحاء الضفة الغربية. ويضيف الباحثون أن القوات المسلحة الإسرائيلية هدمت 740 منزلاً خلال الأشهر الستة الأولى من العام 2026، وهو ما أثر على 1923 من السكان، بينهم 431 امرأة و546 طفلاً.
ويجسد الهدم الأخير لأربعة منازل في بلدة نحالين، القريبة من بيت لحم، طبيعة هذه الإجراءات. في الساعات التي سبقت فجر يوم 20 تموز (يوليو)، دخل الجنود البلدة التي تقع بالقرب من بيت لحم، وبدأوا بتسوية المنازل بالأرض باستخدام الجرافات. وكان أحد هذه المنازل يعود إلى رئيس بلدية البلدة. ورد السكان بإلقاء الحجارة، واعتُقل ثلاثة فلسطينيين خلال المواجهات.
وبعد أسبوع، سلّمت الشرطة أوامر إلى سكان 14 منزلاً آخر بإخلائها. ولم يتم تقديم أي أسباب لذلك، على الرغم من أن المنازل تُهدم في كثير من الأحيان بحجة أنها بُنيت من دون الحصول على تصريح إسرائيلي. وتكاد السلطات الإسرائيلية لا تمنح تصاريح بناء للفلسطينيين على الإطلاق.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إن إسرائيل تخطط لتفريغ نحالين من سكانها بهدف إخلاء المنطقة، والاستيلاء عليها، ودمج ثلاث مستوطنات يفصل بينها وجود نحالين. وتُعرف خطة الطرد باسم "مشروع تواصل غوش عتصيون" -نسبة إلى كتلة استيطانية قريبة وأكبر حجماً.
العنف، والترهيب والمضايقات
يقوم المستوطنون المسلحون بإرهاب الفلسطينيين من خلال تخريب الممتلكات، وسرقة المواشي أو قتلها، أو منع المزارعين والرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم ومراعيهم.
وتقول "منظمة العفو الدولية"، المجموعة المعنية بأبحاث حقوق الإنسان، إن ما لا يقل عن 50 تجمعاً فلسطينياً للرعاة حُرم مواطنوها من الوصول إلى أراضيهم واضطروا إلى الفرار منها. ومن أبرز أهداف الحملة الحالية قرية خان الأحمر في الضفة الغربية. وتريد السلطات الإسرائيلية إبعاد تجمع عائلات الرعاة في خان الأحمر عن مسار أبنية سكنية مخطط لإقامتها بين القدس و"معاليه أدوميم" -وهي مستوطنة كبيرة في الضفة الغربية.
وفي هذا الربيع، أمرت الحكومة بإخلاء القرية "في أسرع وقت ممكن"، رغم أن أي إجراء فعلي للطرد لم يبدأ بعد. وقد اعترض مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، وطالب إسرائيل بأن "توقف إجراءاتها الرامية إلى تهجير مجتمع خان الأحمر قسراً... وأن توقف خططها لتوسيع المستوطنات هناك".
وفي هذه الأثناء، أقام المستوطنون معسكراً بالقرب من القرية. وقام أفراد هذا المعسكر برشق الرعاة بالحجارة، وتشتيت أغنامهم، وقطع أنابيب المياه التي تزود القرية بالمياه.
كما ينفذ المستوطنون المغيرون العديد من أعمال المضايقة ضد المدنيين في أنحاء الضفة الغربية. وفي الأسابيع التي أعقبت هجوم حماس من غزة في العام 2023، وزعت الحكومة آلاف الأسلحة على فرق أمنية مدنية أُنشئت حديثاً في الضفة الغربية.
وقد أطلقت هذه الخطوة موجات من عنف العصابات الأهلية، إذ كتبت "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي منظمة تُعنى برصد النزاعات: "بلغ عنف المستوطنين الإسرائيليين أعلى مستوياته على الإطلاق". وأضافت: "تتراوح الأعمال العدوانية، التي ترتكبها في كثير من الأحيان عصابات من الشبان المسلحين، بين الترهيب اللفظي والمضايقات، وسرقة المواشي، وصولاً إلى الاعتداءات على الفلسطينيين، حيث يقتلع المستوطنون أشجار الزيتون التي يزرعها المزارعون ويحرمونهم من الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه".
لقد غيّر التخريب الزراعي مساحات واسعة من المشهد الطبيعي في الضفة الغربية. فقد قُطعت أو اقتُلعت آلاف أشجار الزيتون القديمة بصورة منهجية. وتحتاج أشجار الزيتون إلى عقود حتى تنضج وتثمر، وهي توفر مصدر الدخل الأساسي لعشرات الآلاف من الفلسطينيين.
وخلال موسم الجفاف الصيفي، يشعل المستوطنون النار في حقول القمح، فضلاً عن بساتين الزيتون. كما ترش عصابات المستوطنين المحاصيل بمبيدات الأعشاب بهدف تسميمها وتلويث التربة. وقد تعرضت قطعان من الأغنام للتسميم. وانتشر على نطاق واسع مقطع مصور لمستوطن يحاول ضرب كلب راعٍ مسن حتى الموت، ما أثار غضب المدافعين عن حقوق الحيوان الذين لا يمتلكون، في العادة، سوى معرفة محدودة أو اهتمام قليل بأشكال القسوة التي تحدث في الضفة الغربية.
ولا يقل خطورة عن ذلك إلقاء السموم أو جثث الحيوانات أو الوقود في آبار الفلسطينيين وخزانات المياه والينابيع، أو سدّ الآبار بالإسمنت. كما يقيم المستوطنون أسواراً لمنع الرعاة من الوصول إلى أراضي المراعي الجماعية. وقد صودرت آلاف الدونمات من هذه الأراضي بحجة الضرورات العسكرية.
وقد فرض هذا الواقع العنيف على الفلسطينيين الخوف من العمل في أراضيهم. إذ أُجبر بعضهم على الرحيل بسبب عمليات الترهيب التي يمارسها المستوطنون المسلحون. وفي حالات أخرى، قام الجيش بعزل الأراضي الفلسطينية ومنع المزارعين من الوصول إليها.
وقالت منظمة "بتسيلم"، وهي أبرز منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان، إن حكومة نتنياهو تتسامح مع هذه الأنشطة لتحقيق هدف محدد: "إجبار المجتمعات الريفية على التخلي عن الأرض والتجمع في مناطق حضرية يسهل على السلطات مراقبتها". وأضافت: "يقوم النظام بتفتيت المجال الفلسطيني، وتجريد الفلسطينيين من أراضيهم، وإخضاعهم للعيش في جيوب صغيرة مكتظة بالسكان".
وفي حال ظنّ أحد أن نتنياهو قد يوقف هجومه على الضفة الغربية تمهيداً لاجتماعه مع ترامب، فقد أوضح المسؤولون الإسرائيليون أن الأمور ستستمر كالمعتاد خلال الأيام المقبلة؛ إذ أعلن مسؤولون أن الجنود سيجبرون قريباً على إخلاء مخيم للاجئين في بلدة لم يُكشف عن اسمها بعد في الضفة الغربية، كما فعلوا في جنين وطولكرم.
 
*دانيال ويليامز Daniel Williams: مراسل صحفي سابق كان مراسلاً أجنبياً لصحف "واشنطن بوست" و"لوس أنجيلوس تايمز" و"ميامي هيرالد". وعمل سابقاً باحثاً لدى منظمة "هيومن رايتس ووتش". صدر كتابه "المتروكون: اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط اليوم" Forsaken: The Persecution of Christians in Today’s Middle East عن "دار أور للكتب". يقيم حالياً في روما.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Remember the two-state solution? Trump doesn’t