المدن -
من البداية: يوقّع اتفاق بين أميركا وإيران أو لا يوقّع، اياً يكن مضمون الاتفاق الموقّع، إسرائيل غير معنية به. ستكمل عدوانها بالأشكال والأساليب التي تختارها وستكون أميركا معها. نجح نتانياهو حتى الآن في لعبته وإدارته. في تلك الليلة التي أعلن فيها الاستعداد لتوقيع اتفاق بعد انتهاء المفاوضات، ورغم إعلان الرئيس ترامب: "ليس أمام بيبي سوى السير بما أقرره". سار نتانياهو عكس السير. أطلق ضربات ضد إيران. أصابت قواته مصنعاً للبتروكيماويات. ردّت إيران. استمر تبادل الضربات وقتاً من الزمن. تحول ترامب إلى "شيخ صلح"! أوقفوها يا شباب.
إسرائيل ضربت، إيران ردّت. كفى. ثم ضرب هو. هذا هو ترامب الذي عاد إلى الحديث عن قرب التوصّل إلى اتفاق مرفقاً كلامه بأن قواته "سرقت ملايين براميل النفط من إيران بعد إغلاقها مضيق هرمز، وتوقفت السرقة بعد أن كشف الإيراني ذلك". هكذا بكل نرجسية واستكبار يعلن ما فعلته قواته، يتفاخر، وهذا يعطي اسرائيل نفساً أقوى لتستمر قواتها بتوسيع احتلالها في الجنوب، واستهداف المدن والقرى، وتهجير السكان، وقتل المدنيين، وتنفيذ عمليات تفجير مرعبة في عدد من المواقع لم تشهد الحروب المتتالية مثلاً لها. كان يستغل الفرصة الفاصلة بين الإعلان عن قرب التوصّل إلى اتفاق مع إيران والوقت الذي سيحين لذلك. إيران كما باكستان، ووسائل إعلامية أميركية قريبة من ترامب أكدت شمول لبنان بالاتفاق المرتقب وسيكون وقف إطلاق نار ثابت على أرضه. فعلت اسرائيل ما فعلت، وهدّدت أنه في حال الوصول إلى ذلك فهي معنية بأمنها فقط وستضرب بقوة في أي مكان. ليس ثمة شيئ محرّم أو ممنوع عليها. أيّدها في ذلك لبنانيون في الداخل وفي أميركا للأسف وعرب في أكثر من مكان. والعنوان: "أي اتفاق يريح إيران سيقوّيها ولا شيئ يوقفها وكذلك حزب الله في لبنان. المطلوب إكمال هذه الحرب حتى زوال هذا الخطر"! والمؤلم أن هؤلاء يبسّطون الأمور. يتصرفون وكأن اسرائيل حامية أو جمعية خيرية مساعدة لهم وتسعى "لإنقاذهم" في وقت قال فيه وزير خارجية أميركا ماركو روبيو لهم: "لا نريد محميات ندافع عنها وهي غنية. نريد شركاء يعني نريد انخراطكم الكامل في هذه الحرب على كل المستويات. أميركا لن تتحمل هذا العبء السياسي الأمني العسكري المالي ونتائجه وحدها". واسرائيل بتاريخها وتجاربنا الطويلة معها وتجارب بعض العرب المباشرة لا تعمل إلا لمصلحتها وهي لا تخفي أهدافها وطموحاتها وأحلامها. لم تحترمهم. ولم تلتزم باتفاقات مع أي منهم. تقتل القضية الفلسطينية وتسعى إلى تهجير الفلسطينيين، تمارس ضغوطات على مصر والأردن وتلوّح دائماً " بحقها الالهي الموعود في احتلال أراض عربية في لبنان وسوريا والعراق والسعودية وغيرها من الدول".
وفي لبنان التجارب لا تحصى ولا تعد، ويدرك الذين راهنوا عليها أي "منقلب انقلبوا" بسببها. أميركا تخلّت عنهم. وإسرائيل تخلّت عنهم. والعالم كله يتحدث عن الدور الأساسي لنتانياهو بتوريط ترامب في الحرب على إيران وعدم تحقيق الأخير أياً من أهدافه هناك، فيعلن الأول بإصرار ضرورة استكمال الحرب، ويشير كل المتابعين والمعلقين تقريباً في أميركا وأوروبا إلى خطورة هذا الأمر. لقد نجح نتانياهو مرة جديدة. هذه هي الحقيقة في استمرار الحرب من جهة والتمسّك بشروطه إذا كان وقف إطلاق نار من جهة ثانية، وأعطاه ترامب كل الفرص ليوجّه ضربات قاسية في لبنان ويحاول التهرّب من التزامه بشموله وقف إطلاق النار بضغط إيراني. ويؤكد هنا مصدر باكستاني رفيع المستوى وعلى اطلاع دقيق على كل جولات التفاوض بين أميركا وإيران أن الأخيرة أصرّت أن الثابت في أي اتفاق شمول لبنان به.
صحيفة هآرتس أعلنت: "إسرائيل ترفض بحث الانسحاب من المناطق التي احتلتها في الجنوب. إنها تسعى إلى اتفاق يؤجل تنفيذه حتى تحل قضية حزب الله". وذلك بعد انتهاء جولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن وصدور البيان الشهير عنها. البيان الذي هلّّل له كثيرون من المتناغمين مع اسرائيل ومع ذلك أكدت رفض الانسحاب وتأجيل تنفيذ أي اتفاق حتى حل "قضية حزب الله".
في هذا السياق أعلن الرئيس الاسرائيلي إسحق هرتسوغ: "أمدّ يدي بالسلام إلى رئيس الجمهورية اللبنانية والشعب اللبناني وأرغب بالسفر إلى لبنان. أتمنى تحقيق الحلم بأن يقرر اللبنانيون مستقبلهم في بيروت وليس في طهران".
أما نتانياهو فقال: "رسالتي للبنانيين ان اسرائيل ليست في حالة حرب معكم. نطهّر جنوب لبنان بشكل منهجي من الحزب. ونتطلع إلى السلام مع لبنان".
كلامان واضحان: خبث في مخاطبة اللبنانيين وحديث عن سلام مسموم على مدى عقود، وأفكار معلنة عن الأطماع، ترجمت باستشهاد ضابطين وجندي من الجيش في الاعتداء الأخير عليهم وقد كشفت لجنة الميكانيزم معلومات دقيقة عنه عندما أعلنت رسمياً أنها زوّدت اسرائيل بنوعية ورقم سيارة الجيش التي استهدفت ومن فيها. ومع ذلك يستمر بعض اللبنانيين بالتحريض على الجيش وقائده وخصوصاً بعد زيارته اسلام اباد واجتماعه الجيد مع نظيره عاصم منير هناك. وفي كلام نتانياهو وضوح في الاستهداف: "الجيش لم يفعل شيئاً. نحن نخلّصكم من حزب الله "! وكأن اسرائيل هي المنقذ وهي التي استهدفت وتستهدف كل شيئ في الجنوب وتريد الذهاب إلى أبعد.
في هذا التوقيت يخرج الرئيس الأميركي بتصريح يقول فيه: "أعتقد أن الرئيس السوري قد يكون مستعداً للمساعدة في الجهود الإقليمية الأمنية. سوريا قد تسهم في تسهيل ضربات أكثر دقة ضد حزب الله. أريد حياة أفضل للناس في لبنان". ترامب يدعو الشرع إلى التدخل في لبنان وتوجيه ضربات أكثر دقة، وفي الذاكرة اتفاق الأسد كيسنجر الذي سلّم لبنان لسوريا مقابل أن يتخلّص الأسد من منظمة التحرير الفلسطينية ويضبط أمن الجنوب لمنع أي "تهديد" على اسرائيل ويضرب الحركة الوطنية، وهذا ما حصل. واعترف الأسد لاحقاً بخطئه. والذين فرحوا به تحت عنوان حماية لبنان وسيادته دفعوا الثمن غالياً. ومع ذلك "سياديو" اليوم لا يقولون كلمة عن هذا الأمر في وقت أعلن الشرع "هذا عار عن الصحة". وكل المعلومات الواردة حتى الآن تشير إلى أنه لا يريد التدّخل. الكلام الأميركي والعدوان الاسرائيلي سبّبا "النقزة" التركية الكبيرة وترامب وافق على شمول لبنان بالاتفاق مع إيران والسياديون يكتفون بالرفض والتحذير من ذلك، ويؤكدون مع بعض رموز الدولة أنها وحدها المخوّلة بالتفاوض والقرار لبناني رسمي صرف. ليت الأمور هي كذلك. وليت المفاوضات تؤدي إلى النتائج الكفيلة بحصر السلاح بيد الدولة، وأن تقوم الدولة بدورها وواجبها تجاه كل ابنائها. لكن الوقائع منذ زمن طويل جداً ومع الدولة الحالية تخالف توجهات "السياديين" وأمنياتنا. لا يمكن فصل ما يجري عندنا عن المحيط. والإرادة اللبنانية الجامعة مفقودة. والإدارة الواحدة غير موجودة والمخاطر كبيرة واسرائيل تستبيح كل شيئ ولبنان الكبير بحدوده ووحدة ابنائه ومصيره أمام تحدٍ ولا شيئ "يطمئن" إلا ما جاء من هيئة البث الاسرائيلية: "الجيش يستعد لوقف عملياته البرية في الجنوب وسيبقى مستعداً للرّد على أي إطلاق نار لكن لن ينسحب من المنطقة الأمنية في إطار الاتفاق مع إيران".
هل ينسحب في إطار الاتفاق مع لبنان؟ ماذا يريد نتانياهو من لبنان سوى الابتزاز والضغط وتثبيت الاحتلال وجولات التفاوض في واشنطن وما تخلّلها وما رافقها وتلاها من تصريحات أميركية – إسرائيلية لا تبشّر بخير؟
مع كتابة هذه السطور استهدف الطيران الحربي الاسرائيلي الضاحية الجنوبية قبل ساعات من توقيع الاتفاق المرتقب كما قالوا. وسبق ذلك كلام لمسؤول إسرائيلي قال فيه: "الاتفاق بين إيران وأميركا ليس نهاية اللعبة وطلبنا عدم تقييد عملياتنا". فهل يصدّق عاقل أن لبنان وناسه في قلب وعقول ترامب ونتانياهو وهرتسوغ إلى هذا الحد بعدما عشناه ونعيشه ونسمعه من تهديد ووعيد إسرائيليين وإحجام أميركي عن اتخاذ أي موقف يساعده ويساعد فعلاً على تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة ينعكس على جميع شعوبها بالخير؟ وهل يتحقق ذلك بالإبادة والدمار والخراب وسرقة الخيرات والثروات؟
في الختام عودة إلى البداية، لعبة إسرائيل مستمرة. لا ضمانة للبنان إلا وحدة أبنائه. حد أدنى من التفاهم لتدارك الأخطر الآتي.