اللامركزية الإدارية ضرورة تنموية ملحة.. الحالة الأردنية نموذجا* سمير الحباشنة
الغد
متفق عليه، ومن التجربة الإنسانية، أن التنمية والخدمات، وإن تمكنت من أن تنتشر أفقياً على مستوى الدولة بعدالة ومساواة بين المناطق والتجمعات البشرية كافة، بل وبعدالة وبمساواة بين المواطنين، فإن ذلك لا يتم إلا عبر نظام لامركزي إداري/ تنموي، يأخذ بعين الاعتبار الأهداف السامية الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي من شأنها أن تنهض بالدول فتنقلها من حالة إلى حالة أرقى في سلم التطور بأشكاله كافة.
في الدول المتقدمة مثل ألمانيا أو فرنسا أو اليابان وغيرها، فإن النجاح المنقطع النظير بالتوزيع العادل للخدمات وللتنمية وامتدادها أفقيا دون أن تتركز في العاصمة على سبيل المثال، كان عبر نظام اللامركزية في موطن اتخاذ القرار الإداري التنموي والخدمي في المراكز الإدارية خارج العاصمة، وعكس ذلك تماما ما يحدث في منظومة دول العالم الثالث بشكل عام، حيث ترى أن جُل الخدمات وكل ما من شأنه أن يسمى تنمية ونموا من صناعة وتجارة وغيرها، إنما تتركز في العاصمة، فتكون العاصمة مدينة بكل ما تعني الكلمة، أما المدن الأخرى على مستوى البلاد، وفي حال إن توسعت وازداد عدد سكانها، فإنها تصبح قرى كبيرة، حيث لا يوجد فيها من مظاهر التنمية أو التمدن أي شيء.
العاصمة، في أغلب دول العالم الثالث، هي كالثقب الأسود الذي يبتلع كل الخدمات وكل التنمية وتتركز فيه الثروة دون غيرها من مناطق الدولة. هذا أمر وقعنا فيه كعرب كثيرا، فنرى عواصمنا هي نقاط للجذب السكاني مقابل هجر للأرياف وهجر للمدن والبلدات الصغيرة، وحتى هجر لقطاع الزراعة والقطاعات المنتجة التي لم تعد لها من قيمة، خصوصا مع غياب نظم الدعم للزراعة على سبيل المثال.
أردت من هذه المقدمة أن أتحدث عن نموذج متعلق بالدولة الأردنية، ويمكن أن ينسحب على كثير من الأقطار. فاللامركزية الإدارية والتنموية هي هدف قررته الدولة الأردنية منذ عام 2004، وقد كنت آنذاك في موقع وزير الداخلية، حيث زار جلالة الملك عبدالله الثاني الوزارة واتخذ القرار بالشروع بتطبيق مبدأ اللامركزية الإدارية والتنموية والخدمية، على اعتبار أن التنمية لا يمكن أن تنتشر على مستوى الأردن أفقيا، وأن يكون لدينا عدالة ومساواة في الخدمات إلا عبر نظام اللامركزية. وقد شرعنا فوراً في وزارة الداخلية وبالتعاون مع كفاءات وطنية أكاديمية وإدارية وتم إيداع قانون اللامركزية لدى ديوان التشريع ليمر بقنواته الدستورية. وتمر الأيام.. ومنذ أكثر من 20 عاما على التجربة الأولى، شهدت البلاد أكثر من أربع طبعات لقوانين مختلفة للامركزية الإدارية، ومع ذلك ما زلنا نراوح مكاننا، وما زلنا في موقع التجربة ولم نصل إلى النموذج الذي يحاكي الحالة الأردنية ويخدمها من حيث التنمية ومن حيث الخدمات.
اللامركزية، بكل بساطة، هي محاولة نقل القرار من المركز إلى المحافظات، فنتخلص من الثقل المقيت للبيروقراطية وما يستتبعه من بطء شديد باتخاذ القرار، بل ومن بطء انتقاله من المركز إلى الأطراف، ونقصد باللامركزية كذلك تحقيق شعار أن أهل مكة أدرى بشعابها، فأهل المحافظة هم الأكثر قدرة على تحديد أولوياتهم التنموية والخدمية، فهم يعيشون الواقع ويعون متطلبات هذا الواقع الملحة وتلك التي يمكن تأجيلها.
كذلك، فإن اللامركزية هي ضرب من ضروب المساواة بين المحافظات، ذلك أن القرار عندما يرسم وينفذ في العاصمة فإنه يتعرض إلى تأثير أصحاب النفوذ، بحيث ينتقل، وهذا ما اعتدنا عليه، جزء كبير من موازنة الدولة المركزية إلى مناطق أصحاب النفوذ، خصوصا أن دول العالم الثالث ما زالت مؤسساتها الدستورية من تنفيذية وتشريعية ضعيفة. صحيح أن هناك برلمان وهناك سلطة تنفيذية وهناك سلطات للرقابة وللنزاهة، لكن في هذه الدول من السهل جدا الالتفاف على قرارات هذه المؤسسات واتخاذ القرار ليخدم مناطق وتجمعات دون غيرها، بل ويخدم أفرادا وتجمعات دون غيرهم أيضا.
إن الهدف المتوخى من تطبيق نظام اللامركزية الإدارية والتنموية هو أن تتحول مراكز المحافظات إلى مدن تعج بالنشاط الاقتصادي، فعندما يتخذ القرار التنموي والخدمي في إطار موازنة محددة للمحافظة، وتتحدد مشاريعها ويطرح تنفيذها محلياً، فإن ذلك يدفع شركات المقاولات الكبرى والشركات التجارية والوكالات والمصانع إلى أن تصبح لها فروع أو مراكز في المحافظات، ما يؤدي إلى أن تصبح لمراكز المحافظات سمة المدينة، وتتولد فيها فرص عمل للمهنيين والفنيين ولكل القطاعات، فنخفف من ضغط الهجرة الرهيبة من المحافظات إلى العاصمة، كما هي اليوم في الحالة الأردنية التي يمكن سحبها على كثير من الدول العربية.
يقود ذلك إلى أن اللامركزية تتطلب وجود مجلس تنفيذي قوي مؤلف من مدراء دوائر ذوي اختصاصات مختلفة، على أن يكونوا أصحاب قرار، وأن يرأس المحافظ المجلس التنفيذي، وأن يُمنح صلاحيات رئيس الحكومة المحلية في ما يتعلق بالتنمية وما يتعلق بالخدمات، وكذلك تكون هناك مجالس محافظة منتخبة ربما يكون لها تمثيل قطاعي، وتكون هذه المجالس وكأنها برلمانات محلية، لها سلطة إقرار الموازنة التي يقترحها المجلس التنفيذي المحلي "الحكومة المحلية"، ويكون لها سلطة الرقابة أيضا على التنفيذ من حيث الجودة ومن حيث الإنجاز في إطار الجدول الزمني المحدد.
إن للامركزية الإدارية والتنموية فوائد جمة، لا يمكن اختصارها ولا يمكن أن يتسع لها هذا المقال، ولذلك فإنه من الملح جدا على دولنا العربية بشكل عام، وأتحدث عن الدول التي لم تذهب قدما في تحقيق مبدأ اللامركزية التنموية والإدارية، أن تذهب بهذا الاتجاه لأنه يجعل من موازنة الدولة موازنة ذات جدوى ولها بعد اقتصادي وبعد اجتماعي أيضاً، سمته العدالة والمساواة سواء بين الأفراد أو ما بين التجمعات والمناطق السكنية.
ينبغي التأكيد على أن اللامركزية الإدارية التنموية والخدمية لا تشتمل على قضايا السيادة، تلك التي يجب أن تبقى في إطار الدولة المركزية في العاصمة، ونعني بذلك إدارة الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء والرقابة والنزاهة والتقييم التي يجب أن يكون لها القدرة على متابعة ما يجري في المحافظات، وبالتالي تقييم التجربة والتعديل المستقبلي سواء بالنظم أو القوانين أو بتغيير القيادات لتُغطى الثغرات إن وجدت إبان التطبيق.
وبعد، فإن طبقت اللامركزية الإدارية والخدمية وفق قانون يحاكي الحالة الأردنية ويحدد ما هو متوخى منها، ووفق مؤسسات فعالة وقوية تمارس صلاحياتها كما يجب باتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع، ووفق جدولة زمنية محددة، وبإشراف يؤكد على جودة التنفيذ، فإن إنجاز المشاريع الرأسمالية التي ترد في الموازنة والتي وحتى الآن لا يتحقق منها أكثر من 20 % في أحسن الحالات، فإننا قد نكون وضعنا البلاد على سكة القرار الإداري والخدمي الرشيق، وسوف يشعر المواطن بأهمية نظام اللامركزية ليس كما هي الحالة الآن، فاللامركزية الإدارية هي عنوان، وما يزال القرار وتنفيذه في إطار مركزي خانق.
لذلك، فإنني أتمنى على مجلسي الأعيان والنواب، باعتبار أن مسودة قانون الإدارة المحلية بعهدتهم اليوم، أن يستمعوا إلى الآراء كافة وأن يُستفاد من تجاربنا السابقة، وأن نذهب قُدما نحو قانون للامركزية تتناسب تسميته مع مضمونه. ذلك أنكم، معشر البرلمانيين، وإن ذهبتم بهذا الاتجاه فإن مهمتكم البرلمانية سوف تُصبح في إطار التشريع والرقابة وتتخفف من حمل الخدمات الثقيل الذي يأخذ جُل وقت ونشاط وجهد النائب والعين.
سوف تتيقنون عبر قانون اللامركزية أن تنمية محافظاتكم وتحسين الخدمات فيها هي في أيدٍ أمينة؛ أبناء المحافظات أنفسهم. وأعيد التأكيد على أهمية أن يكون أعضاء المجلس التنفيذي في المحافظات على درجة عالية من الكفاءة وصلاحية اتخاذ القرار، وكذلك أن يكون أعضاء مجلس المحافظة ذوي صبغة تمثيلية قطاعية، بحيث تشتمل موازنة المحافظات على النهوض بكل القطاعات.