الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جوناثان كوك* - (مدونة جوناثان كوك) 31/7/2026
أيُّ خلفٍ للمدعي العام المقال للمحكمة الجنائية الدولية يحاول معاقبة جرائم الحرب سيكون مدركاً تماماً لحجم الانتقام الذي تعرّض له خان، وسلفه المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا، والنموذج الذي تمثله قضية جوليان أسانج.
لا يتعلق أهم سؤال ينبغي أن نطرحه بعد إقالة كريم خان من منصبه مؤخرًا كمدع عام للمحكمة الجنائية الدولية -محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي- بما إذا كان مذنباً بـ"سوء سلوك جنسي" تجاه موظفة أخرى في المحكمة، عُرِّف عنها باسم "سارة".
فهذا شأن لا يمكن حسمه إلا من خلال إجراء قانوني -وهو إجراء تم اتخاذه فعليًا، كما ينبغي أن نلاحظ. فقد أجرت هيئة لتقصي الحقائق تحقيقاً مطولاً في ادعاءات سارة على مدى أكثر من عام؛ ثم ثلاثة من كبار القضاة بدراسة وتقييم آلاف الصفحات من الأدلة بالتفصيل.
وعلى الرغم من أنك لن تعرف ذلك من التغطية الإعلامية، فقد خلصوا إلى عدم وجود أي دليل يشير إلى ارتكاب خان أي نوع من سوء السلوك، سواء كان جنسياً أم غير ذلك.
والغريب أن هذا الاستنتاج تأكد إلى حد كبير من خلال مقابلة "حصرية" شديدة التودد أجرتها شبكة (سي. إن. إن) مع سارة، وبثتها تموز (يوليو). وفي المقابلة، رفضت تقديم أي تفاصيل ذات معنى عما يُزعم أن خان أخضعها له، كما تجنبت المحاوِرة الشهيرة كريستيان أمانبور، بحذر شديد، الضغط عليها لتقديم أي إيضاح.
لكنّ ذلك لا يهم. ففي النهاية لم يكن الغرض من مقابلة (سي. إن. إن) التنقيب عن الحقائق من الأساس. وقد صُممت المقابلة لتوفير غطاء يحفظ ماء الوجه، في وقت تجاهلت فيه هيئة الدول الأطراف -وهي هيئة سياسية بالكامل تتألف من ممثلين دبلوماسيين عن الدول الـ125 المنضمة إلى المحكمة الجنائية الدولية- النتائج القانونية تماماً وأقالت خان من منصبه.
من المفارقات أن هيئة الدول الأطراف نفسها هي التي عيّنت القضاة الذين خلصوا إلى عدم وجود دليل على ارتكاب خان سوء سلوك أو إخلاله بواجباته. وجرى ببساطة نقض ذلك الحكم المزعج، على الرغم من أن أعضاء الجمعية لم يكونوا في موقع يسمح لهم بتقييم الأدلة بأنفسهم.
ويجب ألا ننسى أيضًا أن كثيراً من هذه الدول لديها مصلحة في إضعاف المحكمة الدولية الوحيدة القادرة على إحالة كبار مسؤوليها أنفسهم إلى المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب.
في أيار (مايو) 2024 -قبل فترة وجيزة من تقديم سارة ادعاءاتها- أظهرت المحكمة الجنائية الدولية أنها مستعدة أخيراً لمحاكمة قادة غربيين على جرائم الحرب، وعدم الاكتفاء فقط بمقاضاة قادة من دول الجنوب العالمي أو من أعداء الغرب الرسميين، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
أصدر خان مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. ويُتهم الاثنان بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من خلال تجويع سكان غزة بضرب حصار مطول على الغذاء والماء والكهرباء.
لو مثل نتنياهو أمام المحاكمة يوماً -وأدين، وهو ما كان سيحدث على الأرجح- لكان لدى كثير من القادة الآخرين سبب وجيه للخوف من أن يُعتبروا هم أيضاً مسؤولين في المرحلة التالية، وخاصة بسبب تواطؤهم في المذبحة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة.
لعل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة الآن ليس ما إذا كان خان مذنباً بسوء السلوك -فقد حُسم هذا الأمر على المستوى السياسي، وليس القانوني. كلا. إن ما نحتاج إليه هو الإجابة عن سؤال سياسي بالقدر نفسه، لكنه أكثر إثارة للقلق بكثير: "Cui bono"؟ أو "من هو المستفيد"؟
والأدلة ماثلة أمام أعيننا. وهي تتكشف بوضوح في العملية شديدة التسييس التي قادت إلى سقوط خان، كما تتكشف في ما تعنيه هذه العملية بالنسبة لمستقبل المحكمة.
حرب سرّية
لم تكن السيدة فاتو بنسودا أول مدعية عامة للمحكمة الجنائية الدولية تواجه ضغوطاً هائلة. وكما حدث مع خان، ظهرت تلك الضغوط في اللحظة نفسها تقريباً التي حاولت فيها سلفه التصدي لإسرائيل بشأن جرائم الحرب التي ترتكبها.
واجهت فاتو بنسودا "حرباً سرية" شنتها إسرائيل ضدها طوال الجزء الأكبر من عقد كامل، وفقاً لتحقيق أجرته صحيفة "الغارديان" في أيار (مايو) 2024، بالتزامن تقريباً مع إصدار خان مذكرة الاعتقال بحق نتنياهو.
وكشف تقرير "الغارديان"، الذي نُشر بعد نحو ثلاث سنوات من انتهاء بنسودا من ولايتها التي استمرت تسع سنوات في المحكمة الجنائية الدولية، أنها واجهت خلال تلك الفترة تهديدات استهدفتها هي وأفراد أسرتها، ومراقبة لاتصالاتها، وزيارة ترهيبية إلى منزلها.
وفي الآونة الأخيرة، أكدت بنسودا هذه الروايات في مقابلة مع قناة "الجزيرة". وتقول بنسودا أنها أبلغت السلطات الهولندية مراراً بحملة الترهيب الإسرائيلية، لكن هذه السلطات لم تفعل شيئاً للتحقيق في التهديدات أو لحماية المدعية العامة.
كما تقول أن بعض "السلطات" -من دون أن تسميها- حذرتها من أنها تمضي بعيداً جداً في التحقيق في الجرائم الإسرائيلية، وأنه "قد يلحق بك الأذى أو قد تُقتلين، أو قد يتعرض أفراد من أسرتك للأذى بطريقة ما".
تصاعدت حملة التهديدات -التي استهلها يوسي كوهين، مدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" في ذلك الحين- مع شروع بنسودا في دراسة ما إذا كانت ستفتح تحقيقاً رسمياً في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بصورة غير قانونية.
يجدر بنا أن نتذكر أن جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني سبقت -بعقود- هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. في الواقع، وعلى الرغم من أنه لا يُفترض أن يذكر أحد ذلك، كانت جرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمرة هي السبب الواضح والداعم لذاته وراء هجوم "حماس".
قال مصدر إسرائيلي لصحيفة "الغارديان" أن "هدف الموساد كان ابتزاز المدعية العامة، أو استمالتها لتصبح شخصاً يتعاون مع المطالب الإسرائيلية" -أي إلغاء تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم الإسرائيلية. وأقر مصدر آخر بأن كوهين كان يتصرف بناءً على تعليمات نتنياهو.
خلال أحد الاتصالات، يُقال أن كوهين وجه إلى بنسودا تهديداً على طريقة المافيا: "أنت لا تريدين التورط في أمور قد تعرض أمنك أو أمن أسرتك للخطر".
وأفادت "الغارديان" بأن الموساد "أبدى اهتماماً شديداً بأفراد أسرة بنسودا، وحصل على نسخ من تسجيلات سرية لزوجها -وفقاً لمصدرين لديهما معرفة مباشرة بالوضع. ثم حاول مسؤولون إسرائيليون استخدام تلك المواد لتشويه سمعة المدعية العامة".
وأشارت الصحيفة أيضاً إلى مخاوف لدى مسؤولين كبار في المحكمة الجنائية الدولية من أن "إسرائيل زرعت مصادر لها داخل شعبة الادعاء في المحكمة" -نفس الشعبة التي سيرثها خان عن بنسودا.
وُصف كوهين بأنه كان "يطارد" بنسودا، وقد "نصب لها كميناً" شخصياً في غرفة فندق في نيويورك في العام 2018. وبعد ذلك، ظل يتصل بها هاتفياً بشكل متكرر وبطريقة تهديدية قيل أنها تصاعدت مع مرور الوقت. وعندما سألت بنسودا كوهين كيف حصل على رقم هاتفها، يُقال أنه أجاب: "هل نسيتِ ما أعمله لكسب عيشي"؟
وفقاً لـ"الغارديان": "في إحدى المرات، يُقال أن كوهين أطلع بنسودا على نسخ من صور لزوجها، التُقطت سراً أثناء زيارة الزوجين إلى لندن. وفي مناسبة أخرى، وفقاً للمصادر، ألمح كوهين للمدعية العامة إلى أن اتخاذ قرار بفتح تحقيق كامل سيضر بمسيرتها المهنية.
"وبين العامين 2019 و2020، كان الموساد يسعى بنشاط إلى الحصول على معلومات يمكن استخدامها لابتزاز المدعية العامة، وأبدى اهتماماً بأفراد أسرتها.
"وحصل جهاز الاستخبارات على مجموعة من المواد، شملت نصوص تسجيلات لعملية استدراج سرية مزعومة استهدفت زوجها".
وقد استخدمت إسرائيل هذه المواد لشن "حملة تشويه" ضدها، لكن الحملة انتهت في نهاية المطاف إلى الفشل.
رد فعل انتقامي منسّق
عندما تولى خان منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في حزيران (يونيو) 2021، بدا متردداً في مواصلة المسار الذي كانت بنسودا قد بدأته بشأن قضية فلسطين. ومن المفترض أنه كان مدركاً تماماً للانتقام الذي تعرضت له بنسودا من جانب إسرائيل.
في كانون الأول (ديسمبر) 2019، أعلنت بنسودا أن لديها أسباباً تبرر فتح تحقيق جنائي كامل في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
لكنها، في مواجهة رد فعل انتقامي منسق من الدول الغربية، أخّرت فتح التحقيق. وبدلاً من ذلك، سعت أولاً إلى الحصول على حكم من دائرة ما قبل المحاكمة التابعة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية -على الأرجح أملاً في أن يشكل ذلك نوعاً من بوليصة التأمين- بشأن ما إذا كانت المحكمة تتمتع بالاختصاص القضائي على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحلول شباط (فبراير) 2021، أكد القضاة ما كان بديهياً منذ البداية: أن المحكمة تتمتع بهذا الاختصاص لأن فلسطين كانت قد انضمت إلى المحكمة منذ العام 2015.
لكن بنسودا تنحت عن منصبها بعد بضعة أشهر. وأصبح الباب مفتوحاً أمام خان لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب. لكنّ المدعي العام الجديد بدا -ربما لأسباب مفهومة- ميالاً إلى عدم اتخاذ أي إجراء.
لم تكن إسرائيل وحدها هي التي تعارض بشدة محاكمة مسؤوليها بتهم ارتكاب جرائم حرب. كانت واشنطن أيضًا غاضبة بالقدر نفسه من احتمال حدوث ذلك -وبدا في كثير من الأحيان أنها أكثر غضباً من احتمال صدور مذكرات اعتقال بحق مسؤولين أميركيين أيضاً بسبب الجرائم التي ارتكبها الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق.
كانت الولايات المتحدة قد فرضت بين العامين 2019 و2020، خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، قيوداً شديدة على تأشيرات بنسودا وعقوبات مالية عليها. وربط مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، هذه العقوبات بقضية فلسطين، وقال: "من الواضح أن المحكمة الجنائية الدولية لا تضع إسرائيل في مرمى نيرانها إلا لأغراض سياسية عارية".
ربما كان خان سيتجنب ملاحقة إسرائيل إلى أجل غير مسمى لولا الأحداث التي أعقبت 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
كان القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين في غزة على يد إسرائيل، وتدميرها لمنازل القطاع وبنيته التحتية، وتجويعها لسكانه جميعاً، أفعالاً بالغة الفظاعة إجرامياً إلى درجة أن وكالات الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان الكبرى، وباحثين في الهولوكوست، سرعان ما أجمعوا على أنها أفعال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وفي أيار (مايو) 2024، أعلن خان إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، إلى جانب ثلاثة من قادة حماس قُتلوا لاحقاً على يد إسرائيل.
تسونامي من التهديدات
قبيل إعلان خان إصدار المذكرات بقليل، قام 12 عضواً بارزاً في مجلس الشيوخ الأميركي بإرسال رسالة تهديد إلى المحكمة الجنائية الدولية، جاء فيها: "استهدفوا إسرائيل، وسوف نستهدفكم". واختُتمت الرسالة بعبارة: "لقد حُذّرتم".
وفي معرض وصفهم السيادة الإسرائيلية والأميركية بأنها لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، ذكّر أعضاء مجلس الشيوخ خان بأن واشنطن أثبتت "إلى أي مدى يمكن أن نذهب لحماية سيادتنا".
ويجيز قانون صدر في العام 2002، ويُعرف شعبياً باسم "قانون غزو لاهاي"، للرئيس الأميركي "استخدام جميع الوسائل الضرورية والمناسبة" من أجل إطلاق سراح الأشخاص الأميركيين وأي حلفاء لهم يكونون مسجونين أو محتجزين لدى المحكمة الجنائية الدولية. ومن البديهي أن هؤلاء الحلفاء يشملون القادة الإسرائيليين.
من الجدير بالملاحظة أن مثل هذه التهديدات تشكل انتهاكاً للمادة 70 من "نظام روما الأساسي".
وعقب إصدار مذكرات الاعتقال، انهال تسونامي من التهديدات المماثلة -التي يُفترض أن هناك المزيد منها لم يُكشف عنه بعد- والذي استهدف خان والمحكمة الجنائية الدولية.
وفي ذلك الوقت، وجه محامٍ بريطاني-إسرائيلي داخل المحكمة الجنائية الدولية -معروف بصلاته بالمستشار القانوني لنتنياهو- تحذيرًا لخان، وقال له: "سوف يدمرونك ويدمرون المحكمة" إذا لم تُسحب مذكرات الاعتقال. وحثّ خان على "النزول عن الشجرة" والتخلي عن القضية.
كما اتصل وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ديفيد كاميرون، بخان ليبلغه بأن بريطانيا ستوقف تمويل المحكمة وتنسحب من "نظام روما الأساسي" الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، إذا لم يتراجع خان عن إصدار المذكرات.
وحذّر كاميرون خان من أنه "على وشك ارتكاب خطأ فادح"، وحثه على "التراجع خطوة إلى الوراء والتفكير في الأمور". وأضاف أن طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين يعادل "إلقاء قنبلة هيدروجينية".
في تلك الأثناء أيضًا، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً فرض بموجبه عقوبات مالية صارمة على خان ومسؤولين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية، من بينهم عدد من قضاتها.
وتلقى خان نفسه تحذيرات من أن الموساد الإسرائيلي يواصل "عملياته" في لاهاي، حيث مقر المحكمة الجنائية الدولية، لمراقبة محققي المحكمة والتأثير عليهم بينما كانوا يجمعون الأدلة على تورط إسرائيل -تماماً كما فعل الجهاز في وقت سابق في عهد بنسودا. وصرّح خان علناً بأن التهديدات الانتقامية وأعمال الترهيب كانت تستهدف أفراداً من أسرته شخصياً.
مجرمون فوق المساءلة
ما هي الاستنتاجات التي ينبغي لنا استخلاصها من كل ذلك؟
بصرف النظر تماماً عن مسألة صحة ادعاءات سارة بشأن "سوء السلوك الجنسي" من عدمها، من الواضح أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا تنبشان في كل مكان بحثاً عن أي معلومات يمكن استخدامها لتشويه سمعة أي مدعٍ عام للمحكمة يحاول محاسبتهما على جرائمهما -ويبدو أنهما كانتا مستعدتين لاختلاق مثل هذه المعلومات.
أظهرت الدولتان دائمًا أنهما مستعدتان للتلاعب بالعمليات القانونية والسياسية لضمان النتيجة التي تريدانها: أن تظلا بمنأى عن المساءلة. ولدينا نموذج واضح لكيفية سير الأمور في مثل هذه الحالات.
في العام 2010، نشر جوليان أسانج، مؤسس موقع فضح الأسرار، "ويكيليكس"، تفاصيل عن جرائم الحرب الأميركية والبريطانية في أفغانستان والعراق. وسرعان ما وجد نفسه متورطاً في اتهامات بارتكاب مخالفات جنسية -في حالته في السويد- والتي قامت بتضخيمها بالطريقة نفسها وسائل إعلام غربية غير معروفة بأنها ناقدة.
وقد واجه أسانج سنوات من الاحتجاز بأشكال مختلفة، بينما مارست الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضغوطاً على السويد لإبقاء تحقيق ضده مفتوحاً، على الرغم من أن المدعين السويديين سعوا مرتين على الأقل إلى إسقاط الاتهام لافتقاره إلى أدلة موثوقة.
في واقع الأمر، لم تكن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تريدان قط إخضاع الأدلة للاختبار، وكانتا راضيتين تماماً بوجود "تحقيق" مستمر وغير محسوم -تحديداً لأنهما كانتا تدركان أنه من غير المرجح أن تصمد القضية أمام التدقيق القضائي.
كان الهدف ببساطة هو إنتاج عناوين صحفية متواصلة عن "الاغتصاب"، وتحويل أسانج إلى شخصية منبوذة، وتبرير إبعاده الفعلي عن الحياة العامة، وإضعاف موقع "ويكيليكس" بشدة بوصفه منصة لكشف المخالفات، وصرف الانتباه عن الجرائم الحقيقية التي ارتكبتها الولايات المتحدة وبريطانيا، وتمهيد الطريق لمحاكمة سياسية صورية تهدف إلى تسليمه إلى الولايات المتحدة بتهم "تجسس" مختلقة بالكامل.
وتكرر الأمر نفسه في حالة خان والمحكمة الجنائية الدولية. ففي حالة خان أيضًا، خضعت الأدلة للاختبار وثبت عدم كفايتها. وهكذا جرى استبدال المسار القانوني بمسار سياسي فاضح. وجرى تحويل خان إلى منبوذ قانونياً -حتى إنه حُرم من حقه في ممارسة مهنة المحاماة في المملكة المتحدة بقرار من "هيئة تنظيم مهنة المحاماة البريطانية".
كما تم إضعاف المحكمة الجنائية الدولية أكثر، تماماً كما أعلنت إسرائيل والولايات المتحدة صراحة أنهما تريدان ذلك. وفي هذا الإطار، أطلق ماركو روبيو، وزير خارجية ترامب، مؤخراً حملة رسمية لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية "لبنة لبنة". وقال: "الآن سيرون [المحكمة الجنائية الدولية] العواقب". عواقب ماذا؟ عواقب محاولة إنفاذ القانون الدولي بحق دولة حليفة رئيسية للولايات المتحدة.
وفي الغضون، تتراجع المساءلة عن الجرائم الحقيقية تماماً التي ترتكبها إسرائيل في غزة ولبنان والضفة الغربية -والتي تدعمها بنشاط دول غربية مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا- أكثر فأكثر إلى الخلفية. ومع تفكيك كل لبنة تحمي المحكمة الجنائية الدولية، تُضاف لبنة إلى جدار الحماية المحيط بنتنياهو وبآلة الحرب الإسرائيلية القائمة على الإبادة الجماعية.
وفي الأثناء، بالكاد تحاول إسرائيل إخفاء أنها تقف وراء الجهود الرامية إلى تدمير المحكمة الجنائية الدولية. ووفقاً لغاي أزرييل، المراسل الدبلوماسي لشبكة "آي24 نيوز" الإسرائيلية، فإن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، "أشرف على فريق عمل مخصص، وبذل جهوداً دبلوماسية مكثفة تهدف إلى ضمان إقالة خان من منصبه".
وأعرب هِليل نوير، مدير جماعة "مراقبة الأمم المتحدة" المدافعة عن إسرائيل، عن ابتهاجه بما وصفه بأنه "حملتنا لإقالة" خان، وحذّر فرانشيسكا ألبانيزي، الخبيرة القانونية في الأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالقول: "أنت التالية".
وكانت ألبانيزي، مثل خان، تبحث عن سبل عملية وقانونية -وليس مجرد الخطابات- لمحاسبة إسرائيل وحلفائها الغربيين عن الجرائم المرتكبة في غزة.
دول مفترسة
تقول المحكمة الجنائية الدولية أن عملها لن يتأثر بإقالة خان، وأن مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت ستظل موضع متابعة في ظل القيادة الجديدة. لكن هذا يبدو موضع شك.
ما تزال إسرائيل والولايات المتحدة تصعّدان حملة الترهيب المحكمة الجنائية الدولية، التي لا تملك -باستثناء دعم الدول الأعضاء- أي أدوات لإنفاذ أحكامها أو حماية نفسها من عداء قوة عظمى مارقة.
وتبدو المحكمة في الوقت الراهن مشلولة، ما يسمح لإسرائيل بتشويش المشهد عن طريق تقديم طعون كيدية لا تنتهي ضد مذكرات الاعتقال. وسيكون أي محامٍ يتولى منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مدركاً تماماً للمصير الذي آل إليه خان، ولحملة الترهيب التي تعرضت لها بنسودا بمجرد أن حاول كل منهما فرض المساءلة على إسرائيل ورعاتها الغربيين.
سوف يتطلب الأمر شخصًا بالغ الشجاعة حقًا لاستئناف هذه المهمة. وسيدرك خليفة خان أنه في أي مواجهة جديدة مع إسرائيل وواشنطن، لن تتردد الولايات المتحدة في سحق المحكمة الجنائية الدولية، ومعها إزالة القيد الفعّال الوحيد على إجرام الدول القوية.
لكن ما سيحدث على الأرجح هو أن هيئة الدول الأطراف -وهي نفس الهيئة السياسية التي أطاحت بخان- ستطلب سراً من خلفه ضمانات بأن المدعي العام الجديد سيلتزم بصورة موثوقة بمبدأ إفلات إسرائيل والغرب من العقاب. ولن تكون هناك أي فرصة للتعيين في المنصب سوى لشخصية أقل استعداداً لإثارة المتاعب.
كانت هذه أوضح رسالة بعثت بها الهيئة عندما صوتت أغلبية الدول الأعضاء فيها للتخلص من خان. لقد انتهت التجربة قصيرة الأمد لإنشاء آلية لإنفاذ القانون الدولي. وها نحن نعود ثانية إلى قانون الغاب.
سوف يجد مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم -وربما الملايين على الأرجح- أنفسهم الآن أكثر عرضة للأعمال الإجرامية التي ترتكبها الدول المفترسة. وعلى النقيض من قضية خان، من غير المرجح أن تتاح لهم في أي يوم فرصة للدفاع عن أنفسهم وعرض قضيتهم أمام محكمة.
*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حائز على جوائز. أقام في مدينة الناصرة الفلسطينية المحتلة لمدة 20 عامًا. عاد إلى المملكة المتحدة في العام 2021. وهو مؤلف لثلاثة كتب عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: "الدم والدين: كشف القناع عن الدولة اليهودية" Blood and Religion: The Unmasking of the Jewish State، (2006)؛ "إسرائيل وصراع الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (2008) Israel and the Clash of Civilisations: Iraq, Iran and the Plan to Remake the Middle East؛ و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في اليأس البشري" (2008) Disappearing Palestine: Israel’s Experiments in Human Despair.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel’s ICC Scalp