عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Jul-2026

"الأصالة وعبق التراث النابلسي".. كتاب جديد يوثق ذاكرة نابلس الشعبية

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع كتاب جديد بعنوان "الأصالة وعبق التراث النابلسي"، للكاتبة سهير صدقي عبد الرحمن العبوة، والذي يسلط الضوء على ملامح الذاكرة الشعبية لمدينة نابلس، ويعيد تقديمها بوصفها فضاءً حيّاً تتداخل فيه الحكاية بالتاريخ، والموروث بالهوية.
 
 
يأتي هذا الإصدار في إطار محاولة توثيق التراث النابلسي بمختلف تفاصيله، من العادات والتقاليد والأغاني الشعبية، إلى المأكولات والطقوس الاجتماعية التي شكّلت جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية في المدينة. كما يركز الكتاب على إبراز نابلس القديمة بأسواقها وأزقتها وحاراتها، باعتبارها مساحة نابضة بالذاكرة الجماعية وامتداداً لتاريخ طويل من التفاعل الثقافي والاجتماعي. وتؤكد المؤلفة من خلال كتابها أن حفظ التراث الشعبي لم يعد مجرد عمل توثيقي، بل ضرورة ثقافية في ظل ما يشهده العالم من تسارع في تغيّر أنماط الحياة وتراجع بعض المظاهر التقليدية. لذلك، يسعى الكتاب إلى التقاط ما تبقى من هذا الإرث الشفوي والاجتماعي، وتقديمه للأجيال الجديدة بوصفه جزءاً من الهوية والذاكرة.
ويشارك في تقديم الكتاب عدد من الكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي، الذين يسلطون الضوء على أهمية نابلس كمدينة تحمل إرثاً حضارياً متنوعاً، وعلى دور هذا العمل في تعزيز الانتماء وحماية الذاكرة من الاندثار، من خلال استعادة صور الحياة اليومية القديمة بكل ما تحمله من قيم وعادات وتفاصيل إنسانية.
وفي مقدمة كتابها التي حملت عنوان "نابلس ذاكرة تروى وحياة تحيى"، تصف المؤلفة نابلس القديمة بأزقتها العتيقة وحاراتها المتداخلة وأسواقها المسقوفة، حيث يتجسد تراث حيّ ينبض بحكايات الأجداد وعبق التاريخ، وتتعالى فيه أصوات الباعة وأهازيج الأفراح وأناشيد العائدين من الحج وقصائد الموالد، إلى جانب حكايات الموائد التي تجمع الأحباب، في مشاهد تعكس هوية هذه المدينة الصامدة.
وتوضح المؤلفة أن هذا الكتاب محاولة لالتقاط شذرات من التراث النابلسي الغني قبل أن تبتلعه رياح النسيان، خاصة في زمن يتسارع فيه اندثار الموروث الشعبي، وتغترب فيه الأجيال عن جذورها تحت وطأة التشرد والشتات، مما يجعل من حفظ الذاكرة الجماعية عملاً مقاوماً بحد ذاته.
وتؤكد العبوة أن الكتاب ليس مجرد توثيق للأغاني والوصفات والعادات، بل هو إحياء لروح نابلس التي تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية؛ في صناعة الكنافة النابلسية، وإيقاع الدبكة في الأعراس، وطقوس التهنئة بالحج، ودفء المجالس التي تحفظ حكايات الماضي وتعيد روايتها.
وتضيف المؤلفة أنها جمعت في هذا الكتاب ما استطاعت من كنوز التراث الشفوي والممارسات الاجتماعية التي كادت تضيع بين جيلٍ رحل يحملها في صدره، وجيلٍ جديد لم تتسنَّ له فرصة عيشها. وهو جهد متواضع لربط خيوط الذاكرة المقطوعة، وتقديمها هدية لأبناء نابلس في كل مكان، لعلها تذكرهم ببيوت الطين وشجر الزيتون، وتعيدهم ولو للحظة إلى دفء حاراتها وحكايات جبلي جرزيم وعيبال.
وتخلص العبوة إلى أن هذا الكتاب صوتٌ لمن لم يعد لهم صوت، وجسرٌ بين ماضٍ نفتقده ومستقبل نطمح أن يحمل هويتنا دون تشويه. وتدعو إلى أن تكون هذه الصفحات شمعة في ظلام النسيان، وشاهداً على أن تراث نابلس، كخشب زيتونها، صلب لا ينكسر.
وشاركت الكاتبة هيفاء ملحيس البشير في تقديمها للكتاب، ذلك أنها تربطها بالكاتبة علاقات خُلة وجوار سكن خلال طفولتها وشبابها في شارع السكة في نابلس. وتشير إلى أن والد الكاتبة، المرحوم صدقي العبوة، كان اسماً على مسمى، إذ جمع بين المصداقية والطيبة وروح الدعابة العفوية، فيما تنتمي والدتها، رحمها الله، إلى عائلة ناجية العريقة التي حملت لواء الإعلام، وأورثت أبناءها حضور الكلمة ووهج الرسالة.
وتضيف البشير، أن المدن تولد مرتين: مرة حين ترسم الجغرافيا خطوطها الأولى، ومرة حين تنقش الذاكرة ملامح روحها. وهكذا وُلدت نابلس لتبقى، إذ احتضنها جبلا جرزيم وعيبال كعروس بين ذراعي حارسين أبديين، فغدت أكثر من مدينة؛ بل قلباً نابضاً بالهوية الفلسطينية، ومرآة صافية للقومية العربية في عنادها وصمودها.
لم تكن نابلس يوماً مجرد حجارة وجدران، بل معنى متجدد تتناقله الأجيال كما تتناقل الأمانة، ويحمله الماضي إلى المستقبل كشهادة حب لا تنكسر ووصية وفاء لا تنطفئ.
وترى البشير أن الكاتبة سهير العبوة لم تكتفِ في هذا الكتاب بسرد وقائع عابرة أو جمع أحداث متفرقة، بل رفعت قناديل الذاكرة وبنت جسراً من الحبر بين التاريخ والوعي، وبين الأرض والإنسان. وبقلمٍ مسكون بالإخلاص، أطلقت روحاً حية في نابلس، لتتحرك بين السطور كأمّ حنون تحتضن أبناءها، وتروي لهم حكاية وطن يأبى أن يُمحى مهما اشتدت العواصف.
وتؤكد البشير أن المؤلفة العبوة قد أنصفت نابلس كما يليق بها، فأظهرتها بيتاً واسع الأبواب يجمع تنوع الأديان وأشكال العيش المشترك بين سامريين ومسيحيين ومسلمين، لتغدو لوحة فسيفسائية باذخة نسجت خيوطها العائلات الكبيرة والبسيطة معاً، في إطار يربطهم خيط العطاء والعمل والنضال والعلم.
وقدمت المؤلفة نابلس على حقيقتها؛ ليست مدينة الكنافة التي تعبق برائحة الفرح، ولا الصابون النابلسي المعجون بزيت الزيتون فحسب، بل ذاكرة وطنية وشعبية متكاملة، وذاكرة مكان تمتد بين أسواق وحوانيت ومساجد وكنائس، وفكر وثقافة صاغت أجيالاً، وحملت عبء الوطن على أكتافها الصامدة.
وتقول البشير إن هذا الكتاب ليس مجرد تأريخ لمدينة، بل نشيد انتماء ووفاء، وصوت يذكّر بأن الهوية لا تحيا إلا بالذاكرة، وأن المدن لا تخلد إلا حين يكتب أبناؤها قصتها بصدق وإخلاص. وتبرز في هذا السياق نابلس، المدينة التي واجهت الحصار وقدمت الشهداء ونهضت من كل جرح أقوى وأصلب، لتغدو رمزاً للعزة، وسيرة وطنٍ اختار المقاومة لا بالسلاح وحده، بل بالحياة والإبداع والبقاء.
وتخلص البشير إلى أن الكاتبة سهير العبوة تضع هذا العمل بين يدي القارئ الكريم كهدية من نبض نابلس نفسها، واعتباره مدرسة في الانتماء والصمود. وتؤكد أن المؤلفة ليست مجرد شاهدة على نابلس، بل ابنة وفية لروحها، حملت في قلمها ذاكرة المدينة ووهج هويتها، لتجعل من تاريخها ووجدانها كتاباً نابضاً بالحياة ورسالة تقول إن نابلس ليست مدينة تسكن الماضي أو يسكنها أهلها فحسب، بل مدينة تسكن الضمير والوجدان الوطني، حكاية تتجدد كل يوم وإرث يُسلَّم للأجيال، لتبقى الذاكرة يقظة ويظل الوطن أكبر من كل جرح.
وتشير الكاتبة الدكتورة أمل بورشك في مدخلها للكتاب إلى أن أهل نابلس يتميزون بعراقة تاريخهم الأصيل، وبعمق تجذّر العادات والتقاليد في الأجيال المتعاقبة. وهي صاحبة رسالة دقيقة في نقل أدق التفاصيل عن تاريخ المدينة وعماراتها وتراثها وطعامها وتقاليدها، حتى إنك وأنت تجلس معها تشعر وكأنك تسير في جغرافيا نابلس بكل تفاصيلها.
وتصف المؤلفة بالبطلة وبأنها سنديانة صامدة في وجه صعوبات الحياة وأمواجها المتلاطمة، لكنها تتجاوزها بشموخ وثبات، إذ اعتادت أن تكون رباناً وقائداً تستعين بالله فتضيء لياليها الحالكة بذكرياتها النابلسية الجميلة، الممزوجة بطعمٍ حلو كحلاوة الحلويات النابلسية. ولا تخلو روايتها من طرافة وخفة ظل تكسر رتابة اللحظة، فتحولها إلى ابتسامة ونكتة تُضيء الوجوه العابسة. وهكذا تبدو هذه السنديانة العريقة قوية رغم ما فيها من ضعف إنساني، قادرة على أن تمنحك فرصة التسلق على فروع معرفتها، أو الغوص مع جذورها في الأعماق، لتكتشف أن أعاليها وضاءة وجميلة، وأن أعماقها مكتنزة بإرث ثقافي وحروف تراثية نابلسية ثرية وجاذبة.