الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيسون ويليك* – (واشنطن بوست) 26/7/2026
في قضايا الحرب والسلام، جرى، عمليا، تعديل الدستور الأميركي من دون تصويت. ومنذ حرب العراق، لم يوافق الكونغرس على أي استخدام جديد للقوة، على الرغم من استمرار الولايات المتحدة في خوض الحروب في الشرق الأوسط؛ وقد شكلت تداعيات "الحرب على الإرهاب" المرحلة الثالثة من انهيار سلطة الكونغرس.
ينص دستور الولايات المتحدة على أن الكونغرس -والكونغرس وحده- هو الذي يملك سلطة "إعلان الحرب". ومع ذلك، تدخل الحرب الأميركية التي كان هدفها في البداية إسقاط الحكومة الإيرانية الآن شهرها الخامس، على الرغم من أن الكونغرس لم يجزها قط، بل إنه صوّت الشهر الماضي، بأغلبية من الحزبين في مجلسيه، على إنهائها. فكيف حدث ذلك؟
يوضح الصراع الدائر مع إيران بجلاء أن الكونغرس فقد سلطة إعلان الحرب التي عهد بها إليه الآباء المؤسسون. وفي قضايا الحرب والسلام، جرى عمليًا تعديل الدستور الأميركي من دون تصويت. وحدث ذلك على ثلاث مراحل.
بدأت المرحلة الأولى بمجرد أن وجدت الجمهورية الفتية نفسها في عالم مليء بالتهديدات الحقيقية والمتصورة. وكان الدستور يقصد أن يكون الرئيس قادرًا على صد الهجمات التي تتطلب ردًا سريعًا مع إبقاء قرار خوض الحروب الاختيارية بيد الكونغرس. لكن ما حدث -كما كتب آرثر م. شليسنغر الابن في كتابه الصادر في العام 1973 بعنوان "الرئاسة الإمبراطورية" The Imperial Presidency، هو أنه سرعان ما بدأ هذان النوعان من الحروب في التداخُل: "بدأت نظرية الدفاع ضد الهجمات الوشيكة، فضلًا عن الهجمات الفعلية، في محو التمييز الذي حاول الآباء المؤسسون رسمه بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية".
لطالما استخدم الرؤساء القوة العسكرية المحدودة خارج الحدود الأميركية بطرق زعموا أنها دفاعية. ومن الأمثلة التي أوردها شليسنغر الغزو الأميركي لفلوريدا الإسبانية في العام 1818 في عهد الرئيس جيمس مونرو، الذي وقع في خضم الحرب مع هنود السيمينول. وكان الآباء المؤسسون، في كثير من الأحيان، يتمتعون برؤية واقعية للطبيعة البشرية، لكن التمييز الذي حاولوا إقامته بين الحرب الدفاعية والحرب الهجومية كان مثاليًا أكثر مما ينبغي بحيث يصمد أمام الواقع. وفي الواقع، من النادر أن توجد دولة لا تبرر حملاتها العسكرية بوصفها بأنها دفاع عن النفس.
وثمة مثال حديث يبيّن صعوبة هذا التمييز. في هذا الشهر، قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، في معرض حديثها عن التهديد الإيراني: "إنني عندما أسمع أحدًا يقول: ’حسنًا، لم يكن التهديد وشيكًا‘"، أفكر: هل تريدون حقًا الانتظار حتى يصبح وشيكًا"؟ ولها في ذلك وجهة نظر؛ ربما تكون لدى القائد الأعلى للقوات المسلحة أسباب وجيهة لمهاجمة دولة أخرى لمنعها من أن تصبح تهديدًا وشيكًا (وهذه أقوى حجة استطاعت إدارة ترامب تقديمها لتبرير الحرب على إيران). لكنّ مغزى الدستور لا يتعلق بما إذا كانت مثل هذه الحروب الاختيارية غير مشروعة، وإنما يؤكد على أن قرار خوضها ينبغي أن يكون بيد ممثلي الشعب في الكونغرس.
وإذن، إذا كان من الصعب منذ البداية رسم خط فاصل بين التهديدات الوشيكة والبعيدة، فإن المرحلة التالية من التحول الدستوري جاءت بعد الحرب العالمية الثانية. لم تتم صياغة الدستور على أساس توقع أن تصبح الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم، وأن تمتلك شبكة من القواعد العسكرية التي تمتد في مختلف أنحاء الكرة الأرضية. لكن هذا هو الموقع الذي وجدت البلاد نفسها فيه بعد هزيمة ألمانيا واليابان واحتلالهما. كما أن المواجهة التي استمرت عقودا مع الاتحاد السوفياتي طمست الحدود الفاصلة بين الحرب والسلام.
يجادل جيه جونسون وإيثان ب. كلاريس في ورقة بحثية حديثة صادرة عن مركز الأمن القومي في كلية الحقوق بجامعة جورجتاون، بأن هذه الظروف الدولية الجديدة هيأت الأرضية لـ"إعادة تشكيل عميقة لسلطات الحرب". وكان اندلاع الحرب الكورية من دون إعلان رسمي للحرب أبرز دليل على ترسيخ الأولوية التي يتمتع بها الرئيس في هذا المجال. كما أن التقنيات الجديدة للحرب -خاصة خطر الإبادة النووية الفورية بواسطة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات- دفعت هي الأخرى نحو تركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية بحكم قدرتها على التحرك بسرعة وفي سرية.
حاول الكونغرس استعادة سلطته في إعلان الحرب بعد حرب فيتنام عن طريق "قانون سلطات الحرب" للعام 1973، لكن تلك المحاولة لم تنجح. وينصّ ذلك القانون على أن الكونغرس يستطيع، بتصويت مجلسيه، أن يأمر الرئيس بوقف الحرب. وكان الشهر الماضي أول مرة يمارس فيها الكونغرس هذه الصلاحية فعليًا. لكنّ الرؤساء يستطيعون استخدام حق النقض (الفيتو) ضد مثل هذه القرارات أو تجاهلها؛ وقد ادعى ترامب بعد تصويت الكونغرس في حزيران (يونيو) أنه أوقف الحرب على إيران، ثم استأنفها بعد انهيار "مذكرة التفاهم".
الأسوأ من استيلاء الرئيس على سلطة الكونغرس في إعلان الحرب هو أن يعتمد الرئيس على هذه السلطة، ثم تنحرف الحرب عن مسارها. وكما يشير جونسون وكلاريس، فإن تصويت العام 2002 الذي أجاز للرئيس جورج دبليو بوش شن الحرب على العراق "علّم أعضاء الكونغرس أن التصويت لمصلحة الحرب -إلا في أكثر الظروف إقناعًا- قد يكون خطرًا على مستقبلهم السياسي".
إذا كان الكونغرس لا يريد التصويت على الحروب، فلماذا يسعى الرؤساء إلى الحصول على تفويض منه أصلًا؟ كما أن الانقسام الحزبي الحاد، إلى جانب قدرة الأقلية في مجلس الشيوخ على عرقلة القوانين عبر المماطلة الإجرائية (الفيليباستر)، يجعلان محاولات تمرير إصلاحات أو سياسات معينة تبدو شبه مستحيلة، حتى لو كانت تحظى بتأييد الأغلبية. ومنذ حرب العراق، لم يوافق الكونغرس على أي استخدام جديد للقوة، على الرغم من استمرار الولايات المتحدة في خوض الحروب في الشرق الأوسط؛ وقد شكلت تداعيات "الحرب على الإرهاب" المرحلة الثالثة من انهيار سلطة الكونغرس.
عمليًا، أصبحت السياسة الخارجية الأميركية في جوهرها ما بعد دستورية، وحلت "الاتفاقيات التنفيذية" إلى حد كبير محل المعاهدات التي يصادق عليها مجلس الشيوخ، بينما انتقلت سلطة إعلان الحرب، عمليًا، من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية. ولن يكون ذلك كارثيًا بالضرورة في المدى القريب. وقد جادل إريك بوزنر وأدريان فيرميول في كتابهما الصادر في العام 2011 "السلطة التنفيذية منفلتة" The Executive Unbound بأن الرئيس الذي لا يفرض عليه الكونغرس قيودًا جوهرية يظل مقيدًا بالرأي العام؛ ويتضح ذلك من الطريقة التي يضبط بها ترامب استراتيجيته في الحرب الجارية على إيران، حيث يضع نصب عينيه انتخابات التجديد النصفي المقبلة. كما أن الأسواق، بالنسبة لترامب على الأقل، تظل تشكل كابحًا قويًا لنزعة الرؤساء إلى خوض الحروب.
مع ذلك، ما يزال الكونغرس يحتفظ بسلطة الإنفاق. لكنّ استخدام هذه السلطة لحرمان المؤسسة العسكرية من التمويل احتجاجًا على حرب بعينها سيكون إجراءً معقدًا وربما يأتي بنتائج عكسية، لأن تطوير الأسلحة الحديثة يستغرق سنوات، ولأن ثمة خصومًا أقوياء يضمرون العداء للولايات المتحدة.
ربما يكون استيلاء الرئاسة على سلطة إعلان الحرب مفيدًا لأمن الولايات المتحدة. أما ما إذا كان مفيدًا للديمقراطية التمثيلية، فتلك مسألة أخرى.
*جيسون ويليك Jason Willick: كاتب وصحفي أميركي يكتب عمود رأي في صحيفة "الواشنطن بوست"، حيث يكتب بانتظام حول القضايا القانونية والسياسة الأميركية والشؤون الخارجية. قبل انضمامه إلى الصحيفة في العام 2022، عمل كاتب افتتاحيات ومساعدًا لتحرير صفحات الرأي في "ذا وول ستريت جورنال"، كما عمل كاتبًا ومحررًا مشاركًا في مجلة "ذا أميركان إنترست". تتركز كتاباته على القانون الدستوري، والسياسة المحافظة، والعلاقات الدولية، والتحولات الفكرية في الولايات المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Congress lost its war power